الرئيسية / فنون / اللعبة العادلة والحقيقة الغائبة !

اللعبة العادلة والحقيقة الغائبة !



*مهند النابلسي

( ثقافات )

يتناول فيلم “اللعبة العادلة” موضوع الحرب على العراق من منظور “ميلودرامي”,ولكنه لا يغفل عن ألأبعاد السياسية والمخابراتية التي أدت لتلك الحرب “غير المبررة”,فهو باختصار يتناول تفاصيل حياة وعمل عميلة الاستخبارات المركزية “فاليري بليم” وعلاقتها بزوجها الدبلوماسي السابق “جو ويلسون” على خلفية أحداث الحرب الغاشمة على العراق في العام 2003.حيث قررت ادارة الرئيس السابق جورج بوش (الابن) شن تلك الحرب وجهدت في حينها لايجاد أسباب ومبررات مقنعة بهدف تضليل الرأي العام وهيئة الامم والاعلام العالمي,وحيث ركزت تقارير غير مؤكدة تدعي قيام دولة النيجر ببيع اليورانيوم (ألكعكة الصفراء) للعراق,علما بأن سفير أمريكا السابق لدى النيجر “جوزيف نيلسون” قد قام برحلة لهذا البلد للبحث عن ادلة تثبت ذلك,ولكنه لم يكتشف شيئا,وبالعكس فقد اكتشف أنه من المستحيل عمليا اتمام صفقة كهذه! ولكن لاهداف واضحة فقد تم تجاهل اكتشافه وتقريره,وذهبت أمريكا للحرب,ولم يجد المفتشون بعد غزوه وتدميره أي أثر لمثل هذا الادعاء الكاذب,مما تطلب قيامه (أي ويلسون) بكتابة مقالة لصحيفة النيويورك تايم كاشفا أدلته السلبية,وفي محاولة سافرة لردعه وابتزازه فقد تم فجأة ايقاف زوجته عن عملها,وبدون سابق انذار,وهكذا ترك مصير العملاء العراقيين وبعض علماء الذرة ألمتعاونين معها غامضا وغير مأمون!
ألفيلم ألذي أخرجه “دوج ليمان” عن كتاب ألفه جوزيف ويلسون بعنوان “سياسات الحقيقة” يفضح بشكل مباشر سياسات أمريكا,ويبين تواطؤ الرئيس بوش مع المحافظين الجدد لشن حرب صليبية غاشمة على دولة عربية,باحثا بشكل سافر عن ذرائع كاذبة لتغطية تلك الحرب! يحتوي هذا الفيلم على الكثير من التفاصيل منها كيفية تجنيد العملاء وابتزازهم,وكيفية التخلي عنهم,كما يوضح أليات تعبئة الرأي العام وشحنه وتضليله بالأكاذيب. الفيلم يوضح انتهاء المشروع النووي العراقي في العام 1993 بعد قصف مركز,كما أنه يسلط الأضواء على مصير المئات من علماء الذرة العراقيين أللذين تم تسهيل عمليات تصفيتهم من قبل الموساد الاسرائيلي!
لم يكن الممثل المصري خالد نبوي مقنعا أبدا في دوره القصير كعالم نووي عراقي مرموق,وخاصة وعمره لم يتجاوز ربما الأربعين,وكان تمثيله (في اعتقادي) سطحيا بل أنه حتى لم يتقن اللهجة العراقية كما يجب,ولا أعلم سبب وضع اسمه بنفس حجم بطلي الفيلم الأساسيين على أفيشة الفيلم ,بالرغم من أن دوره لم يتجاوز العشرة دقائق!كما أن العلاقة بين بطلي الفيلم “ناؤمي واتس” و”سين بين” كزوجين كانت باهتة وتفتقد “للكيمياء”,ولكن تقمصهما لشخصية العميلة والدبلوماسي السابق كان بارعا,وحيث يذكرني اداء “سين بين” باداء “ال باشينو” العصبي وان كانت تنقصه الكاريزما التي يتمتع بها هذا الأخير!
ألفيلم أثبت مهارة دوج ليمان (صاحب الفيلم المثير الغامض “هوية بورن”), وقدرته “كمخرج حركة” على الخوض في مواضيع سياسية ساخنة,وباسلوب مشحون بالحركة والاثارة,ويقترب أحيانا من النمط التسجيلي وخاصة عند تصويره للقطات الحرب وفي المشاهد الأخيرة,مما أعطى الشريط بعدا واقعيا ومصداقية عالية.
الفيلم بمجمله يمثل ادانة واضحة لديمقراطية أمريكا المزيفة وقدرة الساسة وأصحاب القرار على تزييف وفبركة الحقائق لتحقيق اهداف “عدوانية”,نتج عنها تدمير بلد عربي واستشهاد مئات ألألأف من العراقيين,وأعتقد أن المستقبل القريب سيحمل أخبارا “غير سارة” لبوش وعصابة “المحافظين المتصهينين” (وربما لتوني بلير أيضا),وذلك عندما يستيقظ الرأي العام والضمير الأمريكي من سباته وغيبوبته,ليقدم هؤلأء “الساسة المجرمين” للمحاكمة ,ان لم يكن بسبب مئات ألألأف من ألضحايا العراقيين ألأبرياء,فبسبب مقتل حوالي خمسة ألا لاف جندي أمريكي (وبضع مئات جندي بريطاني) منذ بداية الحرب في العام 2003. وربما سيشهد التاريخ حينئذ محاكمة وادانة أول رئيس أمريكي ,وستقوم “هوليوود” كعادتها بانتاج فيلم مثير حول “جرائم الحرب” هذه!!
“أللعبة العادلة” يحرض على الجرأة وقول الحقيقة ,بغض النظر عن الثمن والنتيجة,حتى لو كانت تعني”خسارة الوظيفة واضطراب الزواج وفقدان ألأمن!”,ويتضمن دعوة صريحة للشرفاء وأصحاب المبادىء للوقوف بحزم أمام الطغيان والنفوذ والكذب,لذا فانه يحمل رسالة أخلاقية واضحة. وربما جاء عرضه في الوقت المطلوب مع نشر وثائق الويكيليكس السرية والفاضحة لازدواجية الأقوال والممارسات,فهل ان وقت كشف الحقائق وفضح الاكاذيب ؟ وهل سيدخل العالم مع تفجر الثورة الاعلامية والمعرفية والانترنت منعطفا “تاريخيا-حضاريا” جديدا اسمه “ألصدق والشفافية”؟!
______
*كاتب من الأردن

شاهد أيضاً

«حكمة» الأفلام الصامتة.. من شابلن إلى بينك بانثر

*علي سعيد خلال ثلاثينيات القرن العشرين، عندما بدأ نجم السينما الصامتة في الأفول، بإدخال صوت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *