الرئيسية / إضاءات / «يجيئون… يمضون، وتظل الحياة» وداعاً عبد الله رضوان

«يجيئون… يمضون، وتظل الحياة» وداعاً عبد الله رضوان


*نضال القاسم

غيب الموت ظهر يوم الجمعة الموافق 13/3/2015 في مستشفى الاستقلال في عمان الشاعر والناقد والنقابي عبد الله رضوان عن عمر 66 عاماً، بعد معاناة مع المرض.

وقد نعت رابطة الكتاب الأردنيين عبد الله رضوان، وقال رئيس رابطة الكتاب موفق محادين لوكالة الانباء الأردنية (بترا) إن الزميل الراحل عبد الله رضوان لعب دوراً مهما في الهيئات الثقافية، خاصة في الدائرة الثقافية في أمانة عمان، وترك أعمالاً متنوعة في مجالي الشعر والنقد. مؤكداً أن الراحل رضوان كان نقابياً معروفاً وبوفاته تكون قد خسرت الرابطة والوسط الثقافي واحداً من رواد العمل الثقافي والنقابي الأردني.
وقد أعلنت وزارة الثقافة يوم الأحد الماضي، عن إقامة حفل تأبين للناقد والشاعر الراحل عبدالله رضوان. وقالت وزيرة الثقافة لانا مامكغ لوكالة الأنباء الأردنية (بترا) إنه تم تشكيل لجنة للإعداد لحفل التأبين بالتنسيق مع الجهات المعنية وعائلة الشاعر الفقيد، واستذكرت جهود الشاعر الراحل التي أثرت المشهد الثقافي بالعديد من الإصدارات الإإبداعية منذ السبعينيات، وحضوره في العديد من المؤسسات الثقافية ومنها وزارة الثقافة.
ويجدر بالذكر هنا أن الشاعر والناقد عبد الله رضوان من مواليد مدينة أريحا عام 1949، أي بعد عام واحد على هجرة والديه من بيت محسير قضاء القدس عام 1948، غير أن اسمه وحياته وإبداعه وشهرته، ارتبطت جميعها بمدينة عمّان. التي هاجر إليها الشاعر برفقة والديه وعائلته بعد نكسة عام 1967 وأقام فيها منذ ذلك الحين وحتى اليوم، وكان عمره آنذاك ثمانية عشر عاماً، وفي عمّان التحق بالجامعة الأردنية فتخرج فيها حاملاً شهادة البكالوريوس في مادة الجغرافية، ثم تابع تحصيله الدراسي فحصل على الدبلوم العالي في الإدارة التربوية، وعمل معلماً ثم مديراً في مدارس وزارة التربية والتعليم، ثم عمل بعد ذلك في وزارة الثقافة مديراً للعلاقات العامة، ثم مديراً للدراسات والنشر، ثم عمل بعد ذلك مديراً للدائرة الثقافية في أمانة عمّان الكبرى ورئيس تحرير لمجلة «براعم عمّان» التي كانت تصدرها الأمانة، ومديراً لجائزة الملك عبد الله الثاني بن الحسين للإبداع، مروراً بمهرجان جرش، وجمعية النقاد الأردنيين، ومجلة «افكار»، وعدد من الصحف والمجلات المحلية والعربية، والإذاعة والتلفزيون. والزرقاء مدينة الثقافة الأردنية، وعمان عاصمة الثقافة العربية.. وأخيرا إلى منتدى الروادّ الكبار.
وقد بدأ عبد الله رضوان مشواره الإبداعي شاعراً في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي، حيث صدر في عام 1977 ديوانه الأول «خطوط على لافتة الوطن» عن نادي خريجي الجامعة الأردنية، ثم أتبعه بديوان ثانٍ عام 1979 عن النادي نفسه بعنوان «أما أنا فلا أخلع الوطن»، أما ديوانه الشعري الثالث «قصائد أردنية» فقد صدر عام 1981 عن اتحاد الكتاب اليمنيين في عدن، وعن دار ابن خلدون في بيروت صدر له في عام 1982 ديوان «الخروج من سلاسل مؤاب»، وأما في عام 1983 فقد حصل على جائزة النقد الأدبي لرابطة الكتاب الأردنيين، أما ديوان «أرى فرحاً في المدينة يسعى» فقد صدر عن المنشأة العامة للإعلان في طرابلس– ليبيا عام 1984، وفي عام 1995 صدر له في عمان ديوان «يجيئون ..يمضون، وتظل الحياة» الذي حصل على جائزة الشاعر عبد الرحيم عمر لأفضل ديوان شعر عربي عام 1995 التي تمنحها رابطة الكتاب الأردنيين. وأما ديوان «كتاب السيدة» فقد صدر في بيروت عام 1999، وفي عام 2000 صدرت مجموعته الشعرية «عروس الشمال»، ومن ثم صدر له في عام 2001 ديوان «شهقة الطين»، وعن دار الكندي صدرت له عام 2001 مجموعة ضمت أعماله الشعرية منذ عام 1977 وحتى عام 2001 وكانت بعنوان «شهقة من غبار»، وفي عام 2001 أيضاً صدر له «كتاب الرماد»، وأما في عام 2002 فقد صدر له ديوان «مقام حبيبي» ومن ثم أتبعه في عام 2003 بديوان «مقام المليحة» ومن ثم صدر له في عام 2004 ديوان «مقام عمان»، وفي عام 2006 أصدر ديوان «ذئب الخطيئة» وحصل في هذا العام أيضاً على وسام الاستحقاق الفرنسي برتبة فارس، وفي عام 2007 أصدر «مقام الرضوان» وهي أول ثلاثية شعرية تصدر بهذا الشكل في الأردن، وقد ضمت الثلاثية ديوان «مقام حبيبي» وديوان«مقام المليحة» وديوان «مقام عمان»، ثم أصدر بعد ذلك ديوان «غراب أزرق» و«مراثي البهلول» و«ذئب الخطيئة» و«أبواب ميري» وديوان«كتاب المراثي» التي واصل فيها الشاعر اشتغاله على قصائده بفنية عالية، على مستوى اللغة والصورة والبناء الفني جميعًا، متخطياً في مشروعه الشعري الجديد ما قدمه عبر مسيرته الشعرية الطويلة. 
ويتصف شعر عبد الله رضوان بالانسياب ورقة الكلمة، ويمتاز بالنضارة والعذوبة وحرية الإيقاع وانسياب الموسيقى الشعرية، ويتأرجح شعره بين البساطة والتعقيد، ويعترف الكثير من الشعراء في الأردن بتأثير شعره عليهم. 
ومن سمات تجربة عبد الله رضوان، هذه البراعة في تحويل مزيج الكلمات الباردة الجافة إلى أحاسيس دافئة ومشاعر صادقة متدفقة رقيقة وأصوات عالية في فضاء الشعر والمعنى، وذلك انطلاقاً من العلاقة الخاصة التي نشأت بينه وبين الشعر، فهو يسعى في كل ما يكتب إلى إطلاق اللغة الشعرية في أفق ملحمي يكون فيه التاريخ مسرحاً لمناطق شعرية فسيحة ملتهبة تتسع لتجوال غير محدود للشعوب والحضارات والثقافات، باحثاً عن عناصر الهوية الذاتية ضمن اختلاط وتصادم وتعايش الهويات.
وتتجلّى خصوصية تجربته الشعرية في تحويله الشعر من كلام نمطي جاف مجرّد إلى نيران حارقة تؤسطر الرؤى والأحلام والتطلعات الوطنية وتحمل مشاريع الناس البسطاء العاديين المهمشين وأحلامهم الكبيرة بالحرية والعدالة والكرامة والحياة الفضلى وتختزن بداخلها روحاً وطنية عارمة تستمد جذورها من منابعها الكنعانية الأولى، فهو الشاعر الذي يختزن الروح الجماعية لقومه، ويرتاد آفاقها ويستشرف مصائرها، من داخل المعاناة الكيانية لوجودها. 
وهنا لابد لي أن أؤكد أن بناء النص الشعري عند عبد الله رضوان ظل في كل الأحوال مرتبطاً بالإطار العام الذي اختاره لنفسه، ليس فحسب من حيث الارتباط بالواقع الاجتماعي والتعبير عن قضاياه ومشاكله، ولكن أيضاً بما وظفه من آليات فنية وفكرية لهذا الغرض. وهذه الغاية هي التي سعى إليها الشاعر بالاشتراك جنباً إلى جنب مع أدباء حقبة السبعينيات على العموم، فحققوا كلٌ من موقعه الانتقال التاريخي للشكل الشعري من مرحلة التأسيس إلى مرحلة التجنيس، وبذلك رسخوا قواعد وتقاليد الكتابة الشعرية في الأدب الأردني المعاصر.
كما استطاع عبد الله رضوان أن يطبع المشهد الأدبي الأردني بطابع خاص يشهد له به الجميع، خصوصاً ما يتصل منه باهتمامه الوفي باستيحاء المكان الأردني الفلسطيني في كتاباته الشعرية، وفي انتصاره لعوالم المهمشين والمقهورين، اجتماعياً ونفسياً وفكرياً. ما يضفي على أعماله الشعرية نكهة إبداعية خاصة.
وقد بقي عبد الله رضوان وفياً لمدينة عمّان، هذه المدينة الساحرة التي أحبّها، والتي استوحاها في جل قصائده، وأفرد لها ديواناً مستقلاً عام 2007 هو ديوان مقام عمّان، وهو الأطول للمدينة التي يدللها الشاعر حد الوله، ليرى نفسه مأخوذاً بها وبتلالها السبعة. كما تمثل عوالمها الهامشية ورصد تحولاتها المتسارعة وصيرورات شخوصها وانهيار القيم فيها. ففي هذه المدينة تفجرّت رؤاه الإبداعية، كما وجد فيها ضالته التخييلية. وبإمكان المهتمين بعلاقة المبدع بالمكان أن يتخذوا الآن من هذه التجربة، مجالاً للتنظير والرصد والمقاربة. 
وقد لاقت أعمال الراحل الإبداعية جميعها أصداء من المهتمين والنقاد والباحثين وبمتابعات نقدية وتحليلية مكثفة، داخل الأردن وخارجه، فأنجزت بصددها الرسائل الجامعية والأبحاث الأكاديمية، وقد صدرت حول تجربته الشعرية مجموعة من الكتب، حيث تميزت أعماله النقدية بالجدية والاصالة والمعاصرة، فيما امتازت أعماله الشعرية بالتغني بالوطن وباعلاء قيم الجمال والحق من خلال تأملاته بالمشاعر الإنسانية النبيلة المفعمة بالصور والدلالات البليغة، وكذلك في معاينتها الرصينة والصادقة لهموم وأحلام أمته.
وهو في كل ذلك لم يسع قط إلى الشهرة في حياته، كما أنه لم يشهد له البتة بتهافته وراء الأضواء ووسائل الإعلام والدعاية. فالشهرة هي التي سعت إليه، غير أنها لم تستطع أن تغير من أصالته ونبل قيمه، ومن وفائه لمبادئه ومواقفه.
كاتب فلسطيني/ القدس العربي

شاهد أيضاً

كيف نقاوم وباء التضليل الماحق؟

*حبيب سروري تناولت، في مقالي السابق، إحدى مصائب عصرنا التكنولوجي الجديد: “ما بعد الحقيقة”، وشكليها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *