الرئيسية / إضاءات / فصولٌ من السيرة الذاتية لـ” كولن ويلسون”/19

فصولٌ من السيرة الذاتية لـ” كولن ويلسون”/19


*لطفية الدليمي

كانت سنتي التّالية في لندن أسوأ سنوات حياتي حتّى ذلك الحين ، و مع أنّني حصلْتُ على امرأة رائعةٍ مثل جوي فقد كان شعوري آنذاك أنّ شيطاناً مَسكوناً بحسّ دعابةٍ ساخرةٍ يتقاذفُني كما الكرة و لم أكنْ من جانبي أحسبُهُ إلّا راغباً في أن يصنع منّي كاتباً . عثرْتُ لنفسي على غرفةٍ في منزلٍ يديرهُ رجلٌ أسكتلنديّ في آرتش واي Archway و كان يَحْدوني شعورٌ أنّ الرّجل سيكونُ أفضل من النسوة مالكات الغرف السّابقات غير أنّ ظنّي خاب تماماً : فقد كان الرّجل ثرثاراً لا يتعبُ من التّدقيق في توافه الأمور !! . راجعْتُ مكتب تنسيق العمل في نورث فينكلي فوجَدوا لي عملاً في محلّ لتنظيف الملابس و كيّها . و كان عملي هناك ثقيلاً و مُجهداً يتطلّبُ حمْل الملابس الثّقيلة وَ وَضْعها في أوعية التجفيف ثمّ حمل الملابس المجفّفة بعد كلّ خمس عشرة دقيقة ، و هكذا كان لزاماً عليّ حمْلُ أطنانٍ عدّة من الملابس كلّ يوم .

كانت جوي تُكاتِبُني آنذاك بانتظام ، و بدأتُ مع الوقت أكتشِفُ أنّ شخصيّتها الوديعة المُسالمة كانت تنطوي على شيءٍ من غموضٍ غير عاديّ إذ كانت تنسى أحياناً الكتابة لي لمدّة أسبوع حتّى أكون تيقّنْتُ حينها بأنّ أمراً جللاً قد حدث معها أو أنّها لم تعدْ ترغبُ بالعيْش في لندن ، و لكنّها جاءت في النهاية و استأجرت غرفةً لها في شارع فيللوز Fellows Road بمنطقة تشوك فارم Chalk Farm كما عثرتْ لها على عملٍ بمحالّ كبيرة تدعى بيتر روبنسون في أكسفورد سركس Oxford Circus . كان ثمّة أمرٌ غريبٌ باعثٌ على الإحباط في علاقتي مع جوي و لم أستطع تحديده بدقّة : كنتُ أعرفُ أنّ جوي لم تكن واثقةً تماماً بي مع أنّ فلاكس كان حذّرها بأنّ سلوكها هذا كفيلٌ بتحطيم علاقتها معي خلال ستّة أشهرٍ ليس أكثر ، و من جانبي كنتُ أعرفُ مبعث شعورِها هذا : كنتُ من قبلُ قد غدوْتُ معتاداً على امرأة من طراز بيتي أو ماري و كانت كلتاهما مُفتقِدتيْن إلى الإحساس الرّاسخ بالأمان و تميلان إلى الحصول على عواطف قويّة من جانبي تجاه العواطف الهائجة الّتي كانتا تُبدِيانِها تجاهي . أمّا مع جوي فكان الأمرُ مختلفاً تماماً إذ أنّها عاشت طفولة هادئةً يغمرُها السّلام وَ الأمان و كانت أسرتُها مغرمةً بها لكنّها كانت أسرةً مُحافظة لا تميلُ إلى البوْح بعواطفها ، و نشأت جوي مثل أيّة سيّدة شابّة في عائلةٍ ذات تقاليد محترمة تُراعى فيها الالتزامات الاجتماعيّة المُتوارثة : فقد تعلّمت ركوب الخيل ، والانضمامَ إلى نادي التنس المحلّي ، و ارتداء ثوبٍ مناسبٍ للعشاء و الذّهاب إلى الحفلات الرّاقصة مع شبّان يرتدون هم الآخرون سُتراتٍ مُناسبة للعشاء . و كانت جوي عندما تتحدّثُ مع أقاربها تبدو كواحدةٍ من الشخصيّات القديمة الّتي نقرأ عنها في رواية ( حكاية عائلة فورسايت The Forsyte Saga ) ، سلسلتان من الروايات كتبها الروائيّ حامل نوبل جون غالسوورثي على مدى ثلث قرن و ختَمَها عام 1931 ، و يحكي فيها عن التقلّبات الدراماتيكيّة الّتي رافقت عائلة فورسايت المنتمية للطبقة المتوسّطة خلال انتقالها من العصر الفكتوريّ إلى القرن العشرين ،( المُترجمة ) . كانت حياة جوي شبيهةً تماماً بجدْولِ ماء رقراق يستمدّ ماءه من ينبوعٍ صغير : مدْرَسَة خاصّة للفتيات الصّغيرات ( حيثُ كانت الروائيّة بيريل بينبريدج Beryl Bainbridge زميلة دراستِها ) ، ،جامعة في دبلن ، عطلات ممتعة لصيد السّمك على شواطئ إيرلندا الغربيّة ، ثمّ أمضَت جوي سنة لتعليم الفرنسيّة في فرنسا . و عندما رأيّتها أوّل مرّة كانت قد أمضت بضعة شهورٍ في التدريب على العمل الإداريّ و كانت تعدُّ العدّة لينتهي بها المطاف إلى الحياة الروتينيّة كَسيّدة محترمة متزوّجة من الطبقة الوسطى تنْوي الاستقرار النهائيّ في كندا ، و عندما عرفتني جوي تسبّبْتُ لها في إقلاق حياتها على نحْوٍ خطير إذ جعلتُها تتّخذُ قراراً مصيريّاً لا سبيل إلى التّراجع عنه وهو فسخُ خطبتِها من خطيبها و نسْفُ كلّ خططها للزواج و الاستقرار في كندا ، أمّا أنا فكنُتُ حينذاكَ حسّاساً ، متعجّلاً ، مزهوّاً بنفسي و ميّالاً إلى إبداء إمارات التّظاهر و التفاخر و اعتدْتُ توبيخ جوي متى ما وصلت متأخرة لنحْو السّاعة عن موعدها معي أو عندما تتركُني جالساً بجوار الهاتف منتظراً مكالمةً منها كانت وعدت بها. 
كنتُ ذات يومٍ خارجاً للتوّ من الحمّام عندما أخبرَني مالك المنزل الّذي أقيمُ فيه أنّ شخصاً ما يطلبُ رؤيتي ، و حينها تقدّم باتّجاهي رجلٌ مُسِنٌّ قائلاً أنّه والد جوي ( عرّف نفسه بالقول أنا السيّد ستيوارت ، سيّدي ) و أنّهُ يودُّ الحديث معي ، فدعوْتهُ إلى الدخول لكنّه رفض مُعلِناً عن رغبته في الحديث معي داخل سيّارته . كان حوارُنا سيّئاً للغاية : فقد بدا أنّ والِدَي جوي صُدِما بعد معرفتهما بأمر فسخ خطوبتها و انهيار مستقبلها الّذي توقّعا له أن يكون مُريحاً ، و قد عرف الوالدان بأمري بعد أن فتّشا حقيبة صغيرة تعودُ لجوي و اكتشفا أمر بعض رسائلي إليها من تلك الّتي ” كُتِبَت بمهارةٍ شيطانيّة ” كما عبّر عنها والد جوي ، و كان رأي والديْها أن ابنتهما وقعت فريسة لصٍّ صعلوك و بوهيميّ متسكّع تائه يريدُ إغواءَها وَ الاعتياش على أتعابِها ، و كان الاقتراحُ الصّارم الّذي وضعه والد جوي أمامي هو أن أغيّر عنواني و أختفي من حياة جوي إلى الأبد أو أنّهُ سيكون مضطرّاً لأخذِها إلى بيتربوروه Peterborough كانت كلماته الحقيقيّة لي “غادِرِ المدينة ، سيّد ويلسون” . و هنا أخبرْتُ والد جوي أنّ الأمر برمّته يعتمدُ على جوي ذاتها : فلو طلبت منّي ألّا أراها ثانية فسأفعلُ حتماً ، و لكنّي لمّا كنتُ أقنعتُها بالقدوم إلى لندن فليْس في وسْعي ترْكُها لمحْض أنّ والديْها لا يقبلان بي ، ثمّ مضيْتُ في سؤال والد جوي ” بأيّ وجْه حقّ لا تقبلُ بي و أنت لا تعرفني بما يكفي من المعرفة ؟ ” فأجابَني أنّ رسائلي إلى جوي أبانت حقيقة معدني و أنّ السّجنَ سيكون نهايتي الطّبيعيّة لا محالة !!. بدَت علاقتي مع جوي آنذاك غير واقعيّةٍ و لم أكن أتعاملُ معها بجدّيّة كافية : فقد أخبرْتُ والدَها أنّني أحِبُّ جوي لانّها مغرمةٌ بي و تتوقّعُ الكثير منّي و لم يكن هذا صحيحاً بالكامل إذ لم أكن ذلك النوع من المُراهقين الرومانتيكيّين الّذين ينغمسون في علاقات الحبّ كلّ حين ، و مع أنّني أعجبْتُ بجوي و بادلتْني هي ذات الإعجاب لكنّها كانت تبدو بعيدةً عنّي و لم تظهرْ علائم الحبّ الجارف عليها ، و يمكنُ القولُ باختصار أنّنا وجدْنا أنفسنا في خضمّ علاقة كان لها من احتمالات النجاح بقدر ما لها من احتمالات الفشل . كان قد مضى عليّ داخل السيّارة آنذاك نحو نصف ساعة أحسسْتُ في خاتمتِها أنّ يديّ تكادان تتجمّدان من البرد و أنّ انفلونزا حادّة ستطرحُني في الفراش ( و هو ما تحقّق بالفعل ) . وَ أخبرْتُ والد جوي أنّ أنظارنا لن تلتَقي ببعضها أبداً ، و أسرعْتُ لداخل المنزل للاتّصال بجوي و إخبارِها بحقيقة ما حدث مع والدِها الّذي كان في ذات الوقت قد ذهب لرؤية ابْنتِهِ و إعلامِها بالخيارات المُتاحة أمامها : أن تكُفَّ عن رؤيتي أو أن تُغادر لندن بصحبة والدها و تعود إلى المنزل . و بعْد مناقشاتٍ مُجهدة مع والدها ارتضى أن تبقى في لندن بشرْط أن لا تزورَني في منزلي . و عندما رأيتُها لاحقاً كان الغضبُ يتفجّر منْ داخلي ، فأيُّ حقٍّ يملكُ والدُها لإنذارها هذا الإنذار الصّارم و المُعيب بحقّ فتاة كانت بلغت آنذاك الحادية و العشرين ؟ كان من السهّل طبعاً على جوي أن تأخذ الأمر ببرودٍ كعادتها و تقول أنّ والديّها كانا منزعجيّن لعلاقتنا لأنّ كلّ ما يعرفانه بشأني يجعلهُما على يقينٍ تامّ بانّني محضُ مُتاجرٍ بالرقيق الأبيض !! .
عملْتُ نحو الشّهر في محلّ تنظيف و كيّ الملابس ، و لكنّ العمل هناك كان مَضجراً للغاية و شاقّاً على نحْوٍ غير اعتياديّ ، كما لم أحصل على أجرٍ يكافئُ أتعابي ، فقرّرْتُ تغيير وظيفتي . و رغْم نيّتي المسبّقة بعدم العمل في المكاتب فقد طلبْتُ من مكتب تنسيق العمل إيجاد وظيفةٍ مَكْتبيّة لي فوجّهَني المكْتبُ إلى محلّ تصليح سيّارات يقعُ بالقرب من محطّة فينكلي المركزيّة و كان عملي هناك مسؤولاً عن مخزن الأدوات الاحتياطيّة و كان عليّ دوماً مراجعة قوائم بآلاف قطع الغيار و جرْدها و توفير ما يلزمُ منها للعمّال القائمين على تصليح السيّارات في المحلّ . و لمّا كنتُ لم أنظر طيلة حياتي إلى ما تحت غطاء المحرّك فلم يكن في مقدوري معرفةُ أسماء قطع الغيار تلك و بدت لي كشفراتٍ مكتوبة باليونانيّة و رفضتُ بذل أيّ مجهودٍ من جانبي لتعلّمها ، و لاحظ رئيسي في العمل الضّجر الّذي كنتُ أعانيه ففصلَني على الفور ، ثمّ وجدْتُ لي عملاً آخر في شركة فكتوريا للنبيذ Vectoria Wine Company و كان عملي هناك ينصبُّ على توصيل الطّلبيّات على ناقلةٍ ميكانيكيّة و لم يكنْ أقلّ بعثاً للضجر في نفسي من سابقه إذ لم أكن أعرفُ عن النبيذ أكثر ممّا كنتُ أعرفُ عن السيّارات ، و كان الكاتبُ الأسكتلنديّ الّذي أعملُ بمعيّتهِ في الشّركة ذا وجهٍ متورّد و ملامح أنثويّة و كان يتأتِئُ قليلاً و يعشقُ الشّجار إلى حدّ الجّنون كما كان يعتبِرُ جلوسَ بوهيميّ مثلي إلى جوارهِ إهانةً كُبرى !! و مضى يلعبُ معي طوال اليوم لعبة فرض السّيطرة و جعلتْهُ لامبالاتي به أكثر عدوانيّةً و إمعاناً في محاولة إيذائي ( قابلْتهُ بمحض المُصادفة في أستوكهولم عام 1960) و كانت أولى كلماته لي ” اسمعْ ، أنا أكثر عبقريّةً منك بكثير ” ، و لكنّ صحيفةً سويديّة أخرستْهُ بعد أن نشرَتْ مقالةً مُسْهبةً عنّي امتدحت فيها أعمالي كثيراً .
*المدى

شاهد أيضاً

ميريت لم تنطفئ.. السُلطة أيضًا تعرف

*هشام أصلان 1 قبل عام وأشهر، أغلقت دار ميريت للنشر مقرّها الشهير في 6 ب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *