الرئيسية / نصوص / إلى أمي في عيدها..!

إلى أمي في عيدها..!


*فراس الهكار


ما زال الليل يأكل النهار والأيام تجري مسرعة، ونحن في قطار العمر نعد ما نستطيعه من أشجار الطريق، مرَّ عامان والرحلة مستمرة، بعض المحطات كانت عابرة وفي بعضها توقفت طويلاً تأملت كيف نمت التجاعيد في خلايا وجهي، وكيف نسيت أن أحلق شعري، لا أذكر تماماً زيارتي الأخيرة للحلاق لكني اعتقد أنها كانت قبل عام وبضعة أشهر من الآن، ربما هو زمن طويلٌ لسجين في زنزانة مظلمة، لجندي يقبض على الزناد، لحبيبة تنتظر عودة حبيبها، لنباتات تعيش على الأمطار الموسمية، لنوارس تحن إلى معانقة الشطآن. إلا أنها الأبد لأم ودعت بكرها قبل عامين دون أن تقرأ في مذكراته موعداً للقاء. تلك المحطات العابرة التي يتوقف فيها الزمن لا تروي الظمأ ولا تعني شيئاً لغائب نسي الحضور يوماً، وغرقت روحه في الماء برهة وتبللت دموعه…
يا أمي..يا وحيدتي التي لا تكبر ولا تشيخ إلا من فرط غيابي، سامحيني، فقد خنتك في عامي الأول وكتبت لحبيبتي شكوت لها آلام الفراق، وحدثتها عن لذة العناق بعد الغياب، وعن أحلامي التي لا تنتهي؛ خنتك يا غالية حين آمنت بابتسامة الوجوه الافتراضية وصدقت أن القلوب سواقي ومصير الأرواح بعد الهجر تلاقي.
عامان وما زلت أذكر كيف نمى الحرف في أوردتي، وكيف كنت تبعدين العلق عن جسدي الطري كي لا يمتص دمي، في غيابك عشقت الفراشات يا صديقتي وكبرت أحلامي لم تعد كما عرفتها حين كنت احتال عليك لتشتري لي حذاءً يتنفس في إعلانات تلفزيوننا الرسمي، وأمزق جيب صدرية المدرسة لأحصل على أخرى جديدة بعد العطلة الانتصافية، لكني سأبوح لك بسرٍ، أنا ما عدت آكل الطباشير الملونة التي كنت أسرقها من غرفة المدرسين نهاية الدوام، فقد استبدلوها بأقلام يسمونها (فلوماستر)، والألواح الخضراء لم تعد مزينة بحكمة اليوم (الجنة تحت أقدام الأمهات).
سامحيني..أنا ابنك العاق الذي حاد عن نصحك ولحق كلام الشعراء، فكان أحد (الغاوون)، وهام مع الذين يهيمون، فتاه في أودية النساء ونال ما نال من الشقاء، وأنت التي قلت لي يوماً: يا ولدي إياك وحواء فهي لك داء، وتعلّم أن لا تتسول الحب فهو دفء وعطاء..كان ما كان يا صغيرتي؛ وها آنذا ألثم أحجار الأرصفة مثلما كانت تفعل معزة جيراننا السوداء، واجتر الخيبات واحدة تلو أخرى حتى يغيبني الظمأ عن إدراكي فأمضغ ما بقي من ريقي وأتابع طرد السراب.
ضاعت مني الحروف يا أمي، وتساقطت الكلمات على الأوراق وفضت بكارة البياض، فخسرت نفسي وربحت نصاً هزيلاً أبعثره في هذا الافتراضي علّه يجد طريقه إلى أرواح تشابه روحي فيكون لهم فيه عبرة، ويقيهم شر الضياع.
ابنك المشتاق…فراس
• صحافي سوري

شاهد أيضاً

هل التاريخ لا نهايةٌ من الطّرائد؟

*أدونيس 1 – تعِبَ الأفقُ في عالمنا، من ثِقَل الأجنحة التي تحمل حقائب البريد، الآتية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *