الرئيسية / قراءات / ثلاثة مسارات .. من معالم الشعر المصري الجديد

ثلاثة مسارات .. من معالم الشعر المصري الجديد


*شريف رزق

على الرّغم من التحوّلات العميقة التي مرّت بها الشّعريّة العربيّة الجديدة في مصر، على مدار الأربعة عقود الماضية، تظلّ حلقة شعراء السّبعينيّات، إحدى أبرز تجلّيات هذه التّحوّلات، بل إنّ بعض شعراء هذه الحلقة هم من الأسماء الشّعريّة المركزيّة في التّحوّلات التّالية وإلى الآن. وقد تميّزعمل شعراء هذه الحلقة بالتّجريب، في بنية الخطاب الشّعريّ واستحداث رؤى طليعيّة جديدة، لإنتاج خطاب شعريّ خاصّ ومغاير باقتراحات جماليّة متنوّعة. وإذا كانت ظاهرة شعر السّبعينيّات تتبدّى في مواضع أخرى من الخريطة الشّعريّة العربيّة – كما في سوريّا، لدى بندر عبد الحميد، ومنذر مصري، وعادل محمود، ورياض الصّالح الحسين، وسليم بركات وفي لبنان، لدى عبّاس بيضون، ووديع سعادة، وبول شاوول، وبسّام حجّار- فإنّ الحلقة المصريّة تميّزت – في غالبها – بعدم القطيعة مع التّراث، عبر التّواصل الطّليعيّ معه بتفجير طاقات المجاز اللغويّ والبناء العروضيّ، بالإضافة إلى استحداث طرائق شتّى، لإنتاج الدّلالة الشّعريّة بخطابات مختلفة، وكان أقرب إلى هذه الطّبيعة، من شعراء السّبعينيّات العرب، البحرينيّ قاسم حدّاد، والمغربيّ محمد بنّيس، وكان من أبرز شعراء الحلقة المصريّة حلمي سالم، رفعت سلّام، محمّد عيد إبراهيم، عبد المنعم رمضان، محمد آدم، أحمد طه، محمد صالح، محمد سليمان.

سنجتلي، هنا، معالم الخطاب الشّعريّ لدى ثلاثة من شعراء هذا الجيل، هم: أحمد طه، محمد سليمان، عبد المنعم رمضان، انطلاقاً من ثلاثة نصوص شعريّة جديدة لهم، تكشف عن تمايزات الخطاب الشّعريّ، ولا يجمع بينها سوى هاجس المغايرة والتّجريب في تشكيل الخطاب الشّعريّ.
الحياة اليومية عندأحمد طه 
منذ ديوانه «إمبراطوريّة الحوائط» (1993)، ثمّ «ممرّ البستان» (2008) حدث تحوّلّ شعريّ جذريّ في خطاب أحمد طه الشّعريّ؛ تمثّل في تحوّله الكامل إلى شعريّة القصيد النّثريّ – مع معظم شعراء جيله وشعراء الثّمانينيّات بالإضافة إلى صعود شعراء التّسعينيّات إلى المشهد ذاته من جهة القصيد النّثريّ مباشرةً – واعتماد جماليّات تتخفّف من العمل اللغويّ والمجاز البلاغيّ والمنظورالكلّيّ، وتتوسّع في شعريّة الحدث اليوميّ، والتّفاصيل الشّخصيّة، والمنظور الفرديّ الشّخصيّ، وجماليّات الصّورة السّرديّة والمشهديّة.يجنح طه إلى الغناء الاستبطانيّ الذي يتواشج معه رصد العالم المحيط بالذّات، في سرد شعريّ شفاهيّ بصريّ كثيرالاحتفاء بجماليّات الحياة المعيشة، وهو في نصّه : «تورتة عيد الميلاد» يعتمد هذه الجماليّات في رؤى دراميّة، تعتمد بنية المفارقة في إنشاء سرديّاتها الشّعريّة للتّعبير عن ذات موحشة بين زحام الأصدقاء في احتفاء هذيانيّ بعيد ميلادها. والطّريف أنّهم لا يحتفلون بِعيد ميلاده، بل بموته، في نهاية النّصّ.
فَعَبْر سرد شعريّ بصريّ ينزع إلى جماليّات المشهد، ترصد الذّات الشّاعرة السّاردة المشاركة في الحدث عناصر المشهد، وبحكم موقعها السّرديّ تملك حقّ التّفسير والتّعليق عليه، ترصد تفاصيل الحفل- بدقّة- رصداً يكشف عن حالة اغتراب وانفصال حادّ عن الجماعة، ويتحكّم منظورها في رؤية بعض الحضور أشباحاً، ورؤية الواقع بظلال كابوسيّة خانقة، وتتأكّد شعريّة النّصّ أكثر عبر آليّة المفارقة؛ فحضور هذا العيد المختلف، بأشخاص لا يحسنون الاحتفال، لا ينتهي بالاحتفال البهيج، لكن بموته انتحاراً بينهم، ويهيمن على أجواء النّصّ طقس فانتازيّ، تعزّز شعريّته علاقة المفارقة، كما تهيمن على بناء النّصّ جماليّات السّرد البصريّ، في طريقة السّرد ونموّه الدّرامي.
النشيد عند عبد المنعم رمضان
يؤثر الخطاب الشّعريّ لدى عبد المنعم رمضان بنية النّشيد المنولوجيّ الذي يجمع في خطابه بين الوعي واللاوعي، بين الظّاهر والباطن، عبر تدفّقات شعريّة سيّالة، تعزّز حضور الغنائيّة على نحو كثيف، وفي نصّه : «أقلّ من أغنية»، تتأكّد شعريّة النّشيد الغنائية عبر تواشج الغناء والغنائيّة. وإذا كانت الغنائيّة تتّضح في التّسايل الوجدانيّ في بنية الخطاب، فإنّ الغناء يتّضح على محور إيقاعيّة النّصّ التي تتأسّس على تشكّلات تفعيلة بحر الكامل وطريقة توزيعها وحضور القافية الميميّة على مسافات يحكمها تدفّق حركة التّجربة، كذلك التّوازيات التّركيبيّة والأسلوبيّة والدّلاليّة التي تساعد على تبئير الحالة والموقف الشّعريّ، ويتخفّف الخطاب من الزّخرفة المجازيّة، ويلتحم الموقف السّياسيّ بالموقف الشّعريّ التحام العام بالخّاصّ، على هذا النّحو الذي يتبدّى في بداية النّصّ : «ارفع ذراعك عن ذراعي/ أيّها الضّلّيل/ والملك القديم/ لا تتّخذ منّي صديقاً/ لست أصلح أن أكون لك/ المهرّج/ والمسافر/ والنّديم/ ارفع ذراعك عن ذراع أخي/ وأختي/ عن ذراع حبيبتي/ عن قبر أمّي».
وعلى الرّغم من أنّ عبد المنعم أنجز نصّه في البناء الإيقاعيّ الذي سبق أن أنجز فيه الكثير من شعر التّفعيلة، إلاّ أنّه طوَّعَ الإيقاع العروضيّ لإيقاع تجربته؛ بحيث اتّخذ إيقاع النّصّ طبيعة إيقاع التّجربة على نحو واضح تبدّى في توزيع التّفاعيل تبعاً لحركة التّجربة، ويكشف النّصّ عن حضور بنية المعرفة، غير أنّ المعرفيّ يتبدّى على نحو شعريّ؛ حيث يتبجّس من حالة شعريّة متدفّقة في بناء غنائيّ سيّال، التحم فيه الموقف السّياسيّ (الواضح منذ بداية النّصّ) بالموقف الشّعريّ. 
مجازيّات محمّد سليمان
لا يزال محمّد سليمان يعمّق مساره الجمالي الذي يعتمد إقامة البنية الشّعريّة كثيفة المجازات المشعّة بالدّلالات التي يتبدّى فيها الحضور الفيزيقيّ لتشكيل الخطاب بشكل واضح، وثمّة نزوع واضح إلى الاستبطانات الغنائيّة، ويجنح الأداء إلى الكتابة الآليّة بتدفّقها الشّعوريّ والتّصويريّ واللغوي؛ لتجسيد حالة إنسانيّة ولغويّة مشعّة بالدّلالات. ومنذ قصيده : «سليمان الملك»، يتبدّى لدى سليمان نزوع واضح إلى أسطرة الحالة الشّعريّة، وهو في نصّه : «شظايا»، لايزال يعمّق هذا المسار الشّعريّ، على هذا النّحو : «لم أقل صرت باباً هنا/ أو كتاباً تخزّن فيه الدّكاكين أسرارها/ لم أقل خضت كلّ الحروب وفزت/ بظلّ طويل/ وطاولة/ أو بِنيلٍ معي».
ثمّة حرص واضح لدى سليمان، على التّصوير وتشعير مادّة الخطاب بتشكيلات مجازيّة متنامية، تلعب الاستعارة فيها الدّور المركزيّ في إنتاج شعريّته الحداثيّة، ويشدّد الخطاب على حضوره الفيزيقيّ، وعبر هذا الحضور الشّخصانيّ، تنبجّس الدّلالات من جسد النّصّ المشعّ، ويلعب الأداء السّرديّ دوراً مهمّاً في تنامي حركة النّصّ وتحقيق دراميّته الّتي تصل إلى تمامها باكتمال المشهد السّرديّ. 
إنّها مسارات ثلاثة من مسارات المشهد الشّعريّ المصريّ، متنوّع المسارات والشعريّات، كشفت عنها نصوصها الشّعريّة الثّلاثة، يجمع بينها انتماء شعرائها إلى جيل السّبعينيّات في الشّعر المصريّ؛ هذا الجيل الّذي قدّم تجربةً خاصّةً في متن الشّعريّة المصريّة المعاصرة. واللافت أنّه، على كثرة ما كتب عنها، لم تحظَ بكتابة نقديّة مهمّة تكتنه شعريّتها الخاصّة بآفاقها الجماليّة الّتي مثّلت انعطافة حقيقيّة في مسار الشّعريّة العربيّة الجديدة في مصر.
==========
«تورتة» عيد الميلاد
أحمد طه
«تورتة» هذا العيد تختلف تماماً
وكذلك الحفل
هناك أناس لا أعرفهم
وأشباح تصبّ لنفسها النبيذ وأكواب البيرة
لكنهم لا يحسنون الغناء
لن ينشدوا لي أغنية عيد الميلاد المشهورة
ولن أنحني بابتسامة خجلي لأطفئ الشمعة
الوحيدة، فليس من اللائق غرس كل هذه
السنوات في تورتة واحدة.
هناك فقط خنجر لامع
مغروس بقوّة
ولن يهتزّ لنفحاتي اللاهثة 
وهناك طقس جاءوا جميعاً من أجله
أولئك الأشباح الذين لا أعرفهم
ففي منتصف الحفل تماماً
يجب أن أنتزع الخنجر بحركة واحدة
رغم عدم تدرّبي عليها، لأغرسه
في بطني على طريقة الهاراكيري
سيرقصون حولي عندئذ وهم يردِّدون
نشيدهم الذي لا أعرفه أيضاً.
لن يتقدّم أحدهم لإطالة الطقس
متذرِّعين بأنهم لم يكونوا يابانيين أبداً
سيظلّ رأسي منحنياً على عنقي
وكفّاي تغوصان في الدم
وربما قبضت أصابعي على ذلك
الجزء النافر من أحشائي
لكنني – أبداً – لن أترك مقبض الخنجر
فليس هناك صديق واحد
يمكنه جزّ عنقي
سوف يغرقون في الضحك وأنا أسقط
على المائدة الواطئة، وقد تلوّث وجهي
بأنواع الكريمات التي يفضّلونها -رغم
رتابة المنظر الذي تكرَّر في أفلام كوميدية
لا حصر لها-
ستلمس أكثرهن شجاعة وجهي بإصبعين
كنت أعرفهما
لتكشط بعض الكريمات إلى شفتيها
وسيتشاجر الآخرون بعبث، لاقتناص
حبّة الكريز الحمراء
التي استقرّت تحت عيني بالضبط
لكنهم سيعاودون الغناء بصخب
حتى لاتزعجهم أنّاتي المكتومة
آه
لماذا لم يأتِ أصدقائي أيضاً
ليمسحوا ذلك الشيء اللزج عن
وجهي بفوطة مبللة ودافئة
وليمسك أحدهم برأسي وهو
يضمّها بحنان
ثم يسحبها قليلاً إلى الأمام
ليتمكّن أكثرهم إيماناً
من جزّ رأسي
بضربة واحدة؟
ارفع ذراعك عن ذراعي
أيّها الضلّيل
والملك القديم
لا تتّخذ منّي صديقاً
لست أصلح أن أكون لك
المهرّج
والمسافر
والنديم
============
أقلّ من أغنية
عبد المنعم رمضان
ارفع ذراعك عن ذراع أخي
وأختي
عن ذراع حبيبتي
عن قبر أمّي
واستعدّ إذا رأيت فمي
يدمدم
أو يزوم
مازلت أحلم
أن يكون دمي نظيفاً
أن تكون أصابعي بيضاء
أعماقي مقرّاً للهواء البكر
جسمي طائراً يقظاً كثيراً
أو كأنّ الريح تسكنه
وتجري فيه
أحلم أن تعود براءتي
مازلت أحلم أن أرى
في طرف منديلي
فراشات تحوم
ارفع ذراعك عن ذراع مدينتي
فأنا الذي شاهدت غيمتها
تطوف
أنا الذي شاهدت في طرقاتها
ناساً إذا يسعون
تسعى خلفهم كلّ النجوم
وبعض أنواع الهموم
هذا هو البيت الذي أُنزلت فيه
فلا تزره
إذا أردت سلامتي
هذا هو الميدان
تلك الشّمس مازالت إذا نمنا تنام
كأنّها مملوكة عذراء
ليس لها غريم
فانظر بعيداً عن أشعّتها
تذكَّر خيمة الماضي
تذكَّر ماتريد:
عصا المعلّم
منزل النسّاك
صندوق العجائب
باب إنجيل المحبّة
قبّة الميدان
تلك الشّمس
مازالت إذا قمنا تقوم
ارفع ذراعك عن ذراع الشّمس
فهي وديعتي
مازلت أوثر أن أراقبها
أشمّ لهيبها
مازلت أوثر أن أراها
تستعيد ثيابها
مازلت أوثر أن أرى ظلّي
الذي جاءت به خلفي
يسابق خطوتي
مازلت أوثر أن تهيم معي
وأن معها أهيم
ياليتني أعطيت نفسي
للهوى العذريّ
والعشق الرجيم
وبدوت مثل الصّاحب المهجور
وجهي ذابل
وخطاي نافذة
أحاول أن أغضّ الطرف
أن أقتاد عائلتي
وأن أنوي العكوف هناك
قرب البئر
لكنّ التخومْ…
ياليتني أعطيت نفسي
للنعيم وللجحيم
هو ذا أنا أخشى السماء بكلّ أهبتها
وأخشى أن يراني اللّـه
مكتئباً حزيناً
أن يراني اللّـه
أحمل آلتي
من غير أغنية
أغنّيها أمام خطيئتي
في أن أظلّ العاشق المحموم
والخصم الحميم
هو ذا أنا أخشى الغيوم
فارفع ذراعك عن ذراعي 
أيّها الضلّيل
والملك القديم…
===========
شظايا
محمد سليمان
قبل عشرين سنة 
أو ثلاثين.. أقصد قبل انتصار الغبار
وقبل اندلاق الظلام على دورنا
جاء بي من هناك دم ساخن
وصباح صديق
لكي أتشظّى هنا
وأغدو حروفاً مبعثرةً في الفضاء
وماءً تلوذ الوجوه به
ويجوب المدينة
لم أقل صرت باباً هنا
أو كتاباً تخزِّنُ فيه الدكاكين أسرارها
لم أقل خضت كلّ الحروب وفزت 
بظلّ طويل
وطاولة
أو بِنيلٍ معي
في المساءات يجلس قدّام مقهى
لم أقل منحتني المدينة رتبة نهر 
لأغسل أقدامها في الصباح
وفي الليل أثداءها
لم أقل صرت ظلّاً لها
أراقصها.. غالباً في النهار
وفي الليل أهجرها 
فقط قلت: عبّأت جيبي 
بصهد الحروف
وعيني بنهر الصّور
وقلت: غداً
في الصباح
تصير الحروف سلالم نغزو الفضاء بها
لنشدّ النجوم إلى دورنا
ونسوق المطر
هل ترى مطراً
أو نجوماً هنا؟
غيري
غيري يقف أمامي كل صباح
في المرآة
غيري
ليهدّ قصوري
أو يمحو ظلي
أو يقصيني
ويحيّي رجلاً آخر لا أعرفه
ولا يشبهني
ماذا أفعل والحيطان مرايا 
والورق
وندّاهات الليل
وأسراب الكلمات
وهذا النهر السائر كالممسوس 
إلى منفاه ؟
تعب
متعبة شوارع المدينة 
متعبة جسورها ودورها والناس 
في الحارات والباصات 
والشاشات والقصص 
ومتعب خريفها وصيفها
وليلها الثقيل..
والربيع في ظلامها يروح أو يأتي
ملثّماً كلصّ
ومتعب أنا
لأنّني أضعت في صحرائها يومي
مفتّشاً عن لغة تليق بي 
أو غيمة تندسّ في كوبي
أو بلطة بها
أفاوض الحيطان أو أباغت القفص
هل أنت طيّب ومثمر وقادر كبحر
وتمنح الطيور عندما تحطّ في الضّحى
على حديد السور نصف لقمتك ؟
أم أنت متعب كشارع
أنهكه الثوار
والجنود
والمقاولون يحلمون باصطياد رتبة الباشا
أو بسمة الملك ؟
هكذا
بعدما احتشدوا
وأزاحوا الهواء القديم
وشقّوا الفضاء براياتهم 
واستعادوا السفينة
لم يروا بينهم قادراً
يقرأ الريح أو يحتفي الموج به
ولا ساحراً تبوح الجهات له
بأسرارها… أو تحبّه
ولا رائياً عندما
يستبدّ الظلام ويعمى
تشرق الشمس منه
هكذا
كالأساطير عادوا إلى شارع ضيق
ومنازل منسيّة…
وحزينة.
______
*الدوحة الثقافية

شاهد أيضاً

“تطور القصة القصيرة الفلسطينية باللغة الإنجليزية”.. إصدار جديد للدكتور أبو صالح والدكتور أسدي

خاص- ثقافات صدر هذا الأسبوع عن دار النشر “بيتر لانغ” في الولايات المتّحدة، وهي دار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *