الرئيسية / فنون / الحساسية والصراع من أجل الحرية والتجديد

الحساسية والصراع من أجل الحرية والتجديد


*

«جدل» أغنية «أنا يوسف يا أبي» لمارسيل خليفة:-

موسيقى أغنية «يوسف»
لطالما كانت موسيقى مارسيل خليفة على خلاف مع المؤسسة الرسمية. لهذا لم تكن أغنية «أنا يوسف يا أبي» وحدها التي شكلت تهديداً، بل تضمنت كل أعماله الموسيقية مختارات مثيرة للجدل، بداية من ألبوم «وعود من العاصفة» (1978)، إلى غنائية «أحمد العربي» (1986)، إلى ألبوم «ركوة عرب» (1995)، إلى معزوفة «جدل» (1996). ومع ذلك، شعر خليفة أن مشاركته السياسية جزء لا يتجزأ من مساعيه للسمو فوق ابتذال الموسيقى التجارية من خلال ابتكار موسيقى غنية بالتعبير الفني. في حين كان ألبوم «وعود من العاصفة» بمثابة نشيد وطني لفلسطين والحرية وحب الوطن، خلّدت غنائية «أحمد العربي» المناضل من أجل الحرية بأسلوب موسيقي يرفعه إلى مكانة عالية، ونجد أن النقاش الثنائي للعود في معزوفة «جدل» يتجاوز الموسيقى العربية إلى عوالم المطلق بتحريره من قيود النص. تتسم الأغنيات الثماني في ألبوم «ركوة عرب» بالابتعاد عن أكثر الممارسات الموسيقية شيوعاً في التقاليد العربية. أشعار خليفة وموسيقاه أعمال منتقاة، تهدف إلى منح المستمع أكثر من مجرد وسيلة ترفيه. وهذا السمو هو ما يجعل موسيقاه تتصدر النقاشات الثقافية والسياسية بفضل قيمتها ومكانتها في الثقافة العربية.
يضم ألبوم «ركوة عرب» – بخلاف أغنية «يوسف» – تشكيلة من الأغنيات ذات الأنغام الشبيهة بالفلكلور التي يغنيها خليفة بمصاحبة الأوركسترا. يبدأ الألبوم وينتهي بأغنيتين للأوركسترا هما «ركوة عرب» و«شجر البن»، وكلاهما يتحدث عن موضوع البن العربي، المرتبط في الأذهان باللقاءات الاجتماعية والثقافية والحميمية.
تتميز أغنية «يوسف» بقوة وجدانية وروحية خاصة بفضل مكانها المميز في قلب الألبوم، وإفرادها عن بقية الأغنيات بأسلوب خاص، وافتقادها إلى المصاحبة الأوركسترالية. تنبع قوة أغنية «يوسف» من اختلافها عن باقي أغنيات الألبوم، وتوظيف خليفة الحذر للنص الديني، وهو ما يناقض تماماً ما حاول مهاجموه أن يثبتوه.
تبدأ الأغنية بتقسيم ارتجالي منفرد على العود يعكس غُربة يوسف، ووحدته، وعذابه، وإحساسه بأنه ضحية، في حين تدور الأغنية في قالب شرقي تقليدي. نلاحظ غياب مصاحبة الأوركسترا، وعدم استخدام الوحدات الإيقاعية الموزونة التي نراها مهيمنة على باقي أغنيات الألبوم، وكل هذا يضفي على أغنية «يوسف» طابعاً روحانياً يتماشى مع الإشارات الدينية إلى القصة في الإنجيل والقرآن ويشدد على بُعدها الروحي.
يؤكد تنويع السلم الموسيقي العبقري في النصف الثاني من الأغنية على الروح الشرقية التي تعتمد على استخدام علم المقامات الشرقية. كما يضفي التنويع مزيداً من الثراء على جهارة الصوت ويعكس حساسية خليفة الشديدة في التعامل مع النص. على خلاف تنويعاته «البعيدة» وغير المتوقعة في أغنية «آه يا بلد» التي ترمز إلى السخرية والمفارقة ورحيل الأحبة من خلال الابتعاد عن المقام الأساسي للأغنية، يمثل تنويع خليفة في أغنية «يوسف» استمراراً للأغنية. وهكذا في حين يؤكد التنويع في أغنية «آه يا بلد» على معاني التهجير والغربة، يزيد التنويع في أغنية «يوسف» من وحدة الأغنية وترابطها بمساعدة انتقال متوازن ومدروس في المقام.
يفرق بعض علماء الموسيقى العرقية بين التنويع المفاجئ والتنويع التدريجي في المقامات، وبين المرور بالمقام مقارنة بالتعمق فيه. يرى سكوت ماركوس، على سبيل المثال، أن الانتقال المفاجئ إلى مقام آخر يحاكي عادة النغمة الختامية أو القفلة الموسيقية، في حين يتم الانتقال التدريجي من مقام إلى آخر عبر التركيز على رباعي النغمات العليا أو السفلى. يستخدم خليفة في مؤلفاته الغنائية هذه الاستراتيجيات بطريقة تعكس إتقانه وتمكّنه من علم المقامات العربية، لكنه يقوم أيضاً بتوظيف أساليب جديدة تبرز المعاني المضمّنة في النص. في أغنية «آه يا بلد» على سبيل المثال، يبدأ خليفة بلحن جميل على الفلوت مع مصاحبة استثنائية من الأوركسترا في مقام الكرد. يجسد اللحن المنساب بحرية على الفلوت الرؤية الساذجة لصبي يافع يعتبر نفسه مهماً «قاتل قتيل، مش ناقصو تيصير ملك.» يتحدث الصبي إلى والده، معبراً عن إعجابه بشبابه بسذاجة صبي يبحث عن المتع البسيطة وليس لديه أي إدراك حقيقي لتعقيدات الحياة. إلا أننا نلاحظ في العبارة الأخيرة من الأغنية تحولاً في النغمة المشرقة إلى ظلامية دامسة عند الحديث عن تفرق الأحباب شرقاً وغرباً:
وين الأحبة تفرقوا
تشرقوا وتغربوا
واللي بيقول يمكن بيقول
حتى الأصيل يبقى أصيل
إيييه إيييه يا بلد
إيييه إيييه يا بلد
هنا، يركز خليفة على تغيّر المحتوى الشعري بانتقال مفاجئ في المقام الموسيقي من الكرد إلى مقام حجاز كار يهدف إلى تحطيم رؤية الصبي الساذجة وكسر كل توقعاته البريئة من الحياة. كما أن اختتام الأغنية بكلمة «آه يا بلد!» على ألحان نغمة جديدة يتركنا معلّقين، دون أن يعيدنا إلى حالة السعادة التي عشناها في الافتتاحية، مع تزايد حدة ألحان الفلوت بنغمات متكسرة. وهنا نشدد على الاختيار العميق لمقام حجاز كار وهو المقام الذي يرمز تاريخيا للشوق والحنين في الموسيقى الشرقية نظرا للتباعد النغمي بين درجاته والذي يتناسب مع ثيمة الفُراق في النص الشعري.
يختتم خليفة أغنية «يوسف» بتعجب وتساؤل يتركه بلا إجابة. سؤال يوسف البلاغي «هل جنيت على أحد عندما قلت إني رأيت…؟» يشبه السؤال المثير للشجون الذي طرحه الصبي «وين الأحبة اتفرقوا؟» في أغنية «آه يا بلد». لكن كما يترك تنويع السلم المستمعين في حيرة بشأن مصير الأحبة، فإن سؤال يوسف الذي لا يحمل إجابة يمنح الآية القرآنية نهاية مفتوحة لكل من يرغب في تأويلها، وبذلك يحافظ خليفة على المعنى الرمزي والروحي للنص القرآني ويحافظ على الإشارات الضمنية والرمزية في قصيدة درويش.
ثنائي العود «جدل» (1996) – شأنه شأن أغنية «يوسف» – يفتح الموسيقى العربية على آفاقٍ جديدةٍ من جماليات تأليف المعزوفات الموسيقية التي تتحرر من تلك القيود العتيقة الخاصة بارتباط الموسيقى بالكلمات. وعن ذلك يقول خليفة:
تتسم معزوفة «جدل» بثراء فريد في الموسيقى العربية نابع من البحث عن قانون جديد للجماليات يستبدل القانون القديم. حاولت عبر «جدل» الانفتاح على أرض غير مألوفة انطلاقاً من المألوف. لقد كتبت «جدل» كفكرة موسيقية حرة إلى أقصى مداها بصرف النظر عن إمكانات العازف. لذا تطلب الكثير من التمرين بعد التأليف ووجب اكتشاف إمكانات جديدة للعود.
يقدم خليفة «جدل» كمقطوعة متناغمة ومعزوفة نقاش بين المؤلف والعازفين والجمهور. ينشأ الحوار من ثراء التراث وما تحمله تحديات فرض أساليب تعبير جديدة تمزج التناغم، واللحن، والإيقاع في قالب جديد. إنه الصراع الناتج عن التحوّل من الارتجالات الثابتة إلى المدونة الموسيقية المكتوبة، ومن أحادية الصوت إلى تعدديته. وهذا في رأيي هو جوهر رحلة خليفة الجديدة لإعادة تقديم الماضي في نسيج جديد، نسيج لا يُغفل مطلقاً أصوله العربية، ومع ذلك فإنه قادر على الوصول إلى عوالم جديدة خارج حدود العالم العربي.
في «جدل» خليفة محاولة لإعادة رسم وصياغة الموروث بقالب جديد يحافظ على الجانب الطربي ولكن يقدمه بدون كلمات. تنبنى الحركة الثالثة، مثلا، حول ألحان مألوفة من التراث العربي وأخرى مأخوذة من مؤلفات سابقة لخليفة. وهو يقدم الصراعات في هذه المقطوعة باستخدام البعد السياسي وغير السياسي للكلمة، القديم والحديث، الماضي والحاضر، المدوّن والمرتجل، المألوف وغير المألوف. نسمع ألحان «ريتا» و«بنت الشلبية» و«قدك المياس» تتحاور بحرّية تامة في مختلف حركات المقطوعة، الأمر الذي يتيح الفرصة لقراءة جديدة لمعانيها في ضوء العزف فقط. يمنحنا خليفة مستوى جديداً ونوعاً مختلفاً من الاستجابة لهذه المؤلفات بعد استبعاد الكلمات منها مطلقا العنان لحرية التأويل للمستمع.
إذا كانت ثنائية «جدل» محاولة لتحرير العود من الأصوات النمطية المألوفة، فقد سار عمل «تقاسيم»على نفس الدرب باعتبار شعر درويش وسيلة جديدة تكفل حرية التأويل. تبدأ كل الحركات في «تقاسيم» كالارتجال التقليدي، لكنها سرعان ما تنتقل إلى ألحان غنائية لا تُنسى. «تقاسيم» مقطوعة غنية بالثيمات الغنائية والتي هي أغلب الظن العامل الأساسي لربط خليفة لها بأشعار درويش الغنائية. تتدفق الألحان بسلاسة وانسيابية من مقطع إلى آخر، تتخللها تقاسيم تقليدية إما منفردة، أو بمصاحبة إيقاع، أو في صورة ثنائية. ومع إن روح «تقاسيم» عربية، يضفي الكونترباص عليها لمسات من موسيقى الجاز المفعمة بالحيوية التي تدفع العود للانخراط في حوار مع ثقافات وتقاليد أخرى.الجدل في عمل «تقاسيم» يكمن في السؤال التالي: إلى أي مدى يمكننا اعتبار ألبوم «تقاسيم» يندرج تحت تصنيف التقاسيم العربية؟ هل هو الارتجال؟ الحوار؟ الجدل؟ ام الحرية من قيود القوالب؟ أعتقد أن هذا الغموض مقصود من خليفة، وأنها استراتيجية ابتكرها منذ أكثر من عقد واستخدمها مع مقطوعة «جدل» التي تتحدى الجمهور العربي أن «يجادل» في مضمون رسالتها ومغزاها. وكما في «جدل»، يعتمد «تقاسيم» على مجموعة ألحان محددة وارتجالات حرة، الألحان مكتوبة والارتجالات عفوية. كما يحمل العملان عنوانين يوحيان بالانطباعية ولكنهما يضمران في معانيها معاني مخالفة. يستخدم خليفة قالب التقاسيم كقناع يخفي وراءه شكلاً جديداً من أشكال التأليف الموسيقي التي خرجت من ظلال الشكل القديم. يشبه الشكل الجديد سلفه في الوضوح، والانسيابية، والحيوية، والمرونة الغنائية لكنه يتميز عنه بأنه يحمل قدراً أكبر من الحس الدرامي واندماجاً رائعاً مع تقاليد موسيقية وأدبية أخرى. وهذه هي السمات المميزة لأسلوب خليفة المرتبط بفن المقاومة، الذي نشأ في ظل حصار بيروت، وفي مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، وفي المنفى، للاحتفاء بالحرية التي تسمو فوق القمع، والظلم والاستبداد.
________
*جريدة عُمان

شاهد أيضاً

التجريد في التشكيل استجلاء.. من الترنسندنتالي إلى البصري

خاص- ثقافات   *محمد كريش، فنان تشكيلي وكاتب مغربي الواقع حجاب دون الحقيقة والفن فَتْقُه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *