الرئيسية / قراءات / “كيف تسلل وحيد القرن ” والتجريب القصصي

“كيف تسلل وحيد القرن ” والتجريب القصصي


يوسف اسماعيل

( ثقافات )




   الكوليزيوميون جماعة من القاصين المتناقضين . التقوا بالصدفة على رفض المؤسسة كيفما كانت أو أينما وجدت . تنطلق من الروح الاندماجية لثلاثة بيانات أساسية صدرت في تاريخ القصة القصيرة الجديدة في المغرب . وتلك البيانات هي : 
1 ـ بيان القصة التجريبية للقاص محد أمنصور ، الصادر عام 1992 
2 ـ بيان “الغاضبون الجدد ” لمجموعة من القصاصين ، صدر عام 1992 
3 ـ بيان ” الرماديون ” للقاص محمد عبد العزيز المصباحي ، الصادر عام 2000 
وتشدد البيانات على الدفاع عن جماليات القصة القصيرة التجريبية في المغرب ، وعدم تبني أي كتابة قصصية تنافي التجريب الفني ، وتزاوج في أعمالها بين الإبداع والنقد الأدبي . وتنأى عن الانزلاق في التشنج العقائدي في علاقاتها بالتتجريب القصصي ، كما أنها تنأى عن أي رد فعل مضاد تجاه أي إطار ثقافي أو حزبي أو ثقافي أو تجاري أو ميل تبعي للمراكز الثقافية ) 1) 
أصدرت ” الكوليزيزم ” مجموعة من الأعمال القصصية لأعضائها المؤسسين ؛ مثل ” القيامة الآن ” و” النسر والألواح ” لمحمد أمنصور , ” النصل والغمد ” و ” الحب الحافي ” لمحمد أشويكة ، و “الكلام بحضرة مولانا الإمام ” و” الحب بالسيف ” لعلي الوكيلي ، و” قتلتنا الجثة ” لمحمد عزيز المصباحي ، و” كيف تسلل وحيد القرن ” لمحمد تنفو . 
ســــوف نقارب في الأوراق الآتية المجمــــــوعة الأخيرة ” كيف تســـلل وحيد القرن ” [ قصص قصيرة جدا ] باعتبارها من أبرز صور التعبير عن تجربة الجماعة في التجريب القصصي ، حيث نلاحظ أشكال التجريب الجديد وقدرة تلك الأشكال على التعبير عن هواجس القاص في علاقة النص بالمتلقي . 
” كيف تسلل وحيد القرن ” لمحمد تنفو

تقع المجموعة القصصية في / 59 / صفحة من القطع الصغير . وتضم تسعة عشر نصا . توزعت النصوص على قسمين : القسم الأول : وجبات قصصية سريعة جدا ، وهي خمس عشرة وجبة . والقسم الثاني : انسلاخات قصصية غير متوقعة ، وهي أربعة نصوص .
تتفتح الدلالات الأولى للمجموعة من خلال مقدمة القاص أحمد بوزفور ـ أحد رواد القصة التجريبية في المغرب ـ إذ يعدها هندسة فنية تشبه تنظيم اليابانيين للحدائق ” غابة في سنتمتر ” مجهزة بكل أدوات الاقتحام ؛ من اللغة البسيطة والشفافة ـ التي تعطيك ما وراءها دون أن تشعرك بنفسها ـ إلى صور حياة اجتماعية وشخصية دقيقة وطريفة . 
فالقاص يلتقط لحظاته المكثفة من مفارقات الحياة الاجتماعية وجزئياتها ذات الدلالة العميقة في الوجدان الجمعي ، مثل الذكورة والأنوثة ، بدءا بطرح السؤال البدهي المربك للبنت ” أنت بنت أم ولد ؟ ” والمهين للولد ” أنت ذكر أم أنثى ؟ ) 2 ) وانتهاء بالعلاقة الزوجية ؛ حيث الزوجة المسكونة بالخوف من الرفض المتمثل بخيانة الزوج ، وحيث الزوج المسترخي باقتدار يبحث عن الخيانة والهروب والرفض . وما بين ذلك تتحدد الانسلاخات الفردية القادمة من الشارع باعتباره سوقا للتفريغ الرخيص لطاقة الجسد والشبق والجوع والفقر حيث تنداح الرغبة بين الحاجة الجسدية والشره الفوضوي والتسوق الرخيص ) 3) 
تقدم المجموعة صورة متقنة لحركة التجريب القصصي في المغرب ، مستغلة كل المجالات التي يتيحها لها البياض باعتباره مساحة للحوار والتأويل واللعب والرسم التشكيلي والتنقيط وحصر الفراغ بعلامات الترقيم . يقول محمد تنفو في نص نقدي مواز له ) لم تعد الكتابة القصصية تمقت البياض ، إنها تعشقه ، تستغله ، تلعب معه ، تزينه بنقط الحذف ، و بالألفاط المقطعة الممططة ، أو بألفاظ دالة )) 4) وهذا يفتح المجال للتفاعل مع القارئ باعتباره مشاركا في التاليف القصصي ومتلقيا فاعلا وإبجابيا يقرأ النص بشكل دائري لا قراءة سطرية طولية تبحث عن المعنى وفق إنجاز المؤلف . يضاف إلى ذلك استغلال خاصيتين أساسيتين في لغة التجريب القصصي ، وهما توقف تدفق السرد للتعبير من خلال اللوحات المنفصلة دون خلق قطيعة بينها باعتبار أن المتلقي قارئا فاعلا يستطيع سد الفراغات التي يتركها النص . والثاني الحضور المستقل للشخصيات عبر مسرحتها وترك إنجاز فاعليتها الكلية للمتلقي مما يعني فراغ النص على مستويات عدة ، وهذا يحيل إلى موته دون قراءة تفاعلية ينجزها المتلقي.
1 ـ التجريب والبياض 
إن الجهاز المفاهيمـــي الذي يصف به النقاد الكتابة القصصية التجريبية يتضمن معاني ) التحطيم ، الخرق ، الكســــــر ، التدمير، الاقتحام ، الانقلاب ، التهديـــــــــد ، الخلخلة .. ) والطرف الآخر المعني بتلك المصطلحات هو النص القصصي المؤسِّس والمرجع الثقافي في الجنس السردي . وعليه فإن صاحب النص التجريبي يمارس تجربة الكتابة من خلال كسر تلك المرجعية وتجاوزها ورسم معالم تجربة جديدة تطال بالتجريب النص وطريقته وكل ما يمت إلى الفضاء القصصي المرجعي بصلة . ومن أهم تلك المعالم العلاقة بين النص والبياض ويتجسد ذلك على امتداد النص . فبعد أن كان البياض مجرد مساحة فارغة للكتابة ضمن نمط صارم محكوم بالبداية والنهاية تحول مع التجريب إلى فضاء له أبعاده السوسيوثقافية ، من خلال تشكيل السواد المسقط عليه كتابيا . أي أنه تحول إلى علامة لها مدلولات تحتاج إلى تأويل وقراءة تفاعلية مع الشكل الكتابي . فالبياض أصبح عنصرا فاعلا ومحاورا يستغله السارد ليشاركه الكتابة السردية وإقامة الحوار مع المتلقي الذي لايملك إمكانية التغاضي عنه ، بوصفه علامات وأيقونات لها أبعادها وتأويلها وفق الإمكانات التجريبية التي يقدمها النص من خلال تعامله معه . 
وفي تجربة محمد تنفو ” كيف تسلل وحيد القرن ” نلاحظ إشارتين مهيمنتين لعلاقة النص بالبياض ، هما : أ ـ البياض والتنقيط ب ـ البياض والتشكيل الهندسي 
أ ـ البياض والتنقيط ) حصر البياض )
تستغل نصوص المجموعة التنقيط بين الجمل والمقاطع بشكل وافر , غير أننا لن نقف عند المواطن التي لا يشكل فيها التنقيط ، الدال على الصمت ، خرقا للسائد في الكتابة السردية ، فهو يعبر هنا عن الاختصار وتجنب التكرار ، ولا علاقة له بمفهوم التجريب ، كما في نص ” التمادي ” وفي نص ” الدولاب ” في المجموعة . ولكننا سوف نلاحظ التنقيط الذي يحتاج إلى قراءة كاشفة من لدن المتلقي ، كما في نص ” تمرد ” )6 ) والتنقيط الذي يدفع المتلقي إلى الاستدعاء الحر ، كما في نص الصفقة )7 ) 
تمرد
داخل حمام للنســــاء ، ســـقط 
منها رغمــــا عـــــــنهـــا 
طار بأجنحة وهمية كفراشــــــة 
متهيجة .
أخذت تطارده بجــنــون خوفــــا 
على …. ! 
داخل حمام للرجال ، أســقطــه
تخلـص من إزعا جــــــــــــــه
حلق برشاقة كزنبــور جائـــــع 
انصرف عنه بلا مبالاة مطمئنا
على …!
خارج الحــــــمام ، التحـمــت 
القطعتـان اللحمـــيتان بحرارة 
ثم اختــفتـا عن الأ نـــظـــــار
من الملاحظ أن النص لم يكتمل بناء ودلالة ، غير أنه في الوقت نفسه ليس نصا اعتباطيا متلاشيا في الفراغ . فهو من خلال بنائه المرتكز على ثلاث نقــــاط ( داخل حمام للنساء ـ داخل حمام للرجال ـ خارج الحمام ) وكذا إشاراته الدالة الداخلية في القسم الأول والثاني حيث يوجه المتلقي إلى ضرورة التأويل وفق سياقات النص المطروحة بالإشارة والتلميح دون التصريح ، مما يعني أن القارئ لم يعد متلقيا سلبيا وإنما كاتبا للنص وموازيا للسارد الخارجي وباستطاعته أن يتم النص كما يرى ووفق موسوعته الثقافية وأحلامه ورؤاه وقدرته على ولوج النص وبالعمق الذي يريده .
وعبر طرح الأسئلة المتخفية تكمن تلك الأبعاد التي يريدها المتلقي ، وهي الخوف على ماذا ؟ والاطمئنان على ماذا ؟ ثم لماذا الخوف عند المرأة ؟ ولماذا الاطمئنان واللامبالاة عند الرجل ؟ ولماذا رغما عنها ؟ ولماذا أسقطه بفعل قصدي ؟ ولماذا طار كفراشة ؟ ولماذا حلق برشاقة ؟.. إن الأسئلة لاتنتهي وكلما توالدت تعددت قراءات النص ، مما يدفع إلى القول : إن النص الأول ( نص السارد )يعلن عن موته مع ميلاد أسئلة المتلقي باعتباره في النتيجة هو الفاعل الحقيقي في تيمة النص السردي المطروح للقراءة وليس المؤلف .
الصفقة
في ليلة ما .
هو : قدم لإتمام الصفقة الباهظة بعد غياب طويل ….
هي : الآن أسعد امرأة على الكرة الأرضية ….
الولي : متأهب للحصول على أكبر ربح ممكن ….
………………………………………………………
………………………………………………………
في ليلة أخرى .
الولي سعيد جدا : لقد تخلص أخيرا من بضاعة كادت أن تفسد ! .
هي خائفة جدا : على السرير تنتظر اللحظة الحاسمة !.
هو حزين جدا : بعد أن رهن عضوه التناسلي لمدة 14 قرنا !
نلاحظ مرة أخرى أن النص لم يكتمل ويحتاج إلى قراءة تفاعلية تعيد للنص توازنه على مستوى المتن والبناء بعد أن قدم المؤلف الخارجي المادة الأولية لذلك وترك فراغات على البياض . وأشار من خلال التنقيط وعلامة التعجب إلى ضرورة فعل القارئ المؤول ليكتمل النص ، دلالة وبناء . 
ففي الليلتين حضور بالتخالف لـ ( هو ـ هي ـ الولي ) ولكن السارد ترك في الليلة الأولى توصيف الحالات مفتوحا على الاحتمالات والقراءات ، في حين أنه لم يفعل ذلك في الليلة الأخيرة إذ أنهى السرد بإشارة التعجب والنقطة ، بمعنى أن النص قد تم ,يضاف إلى ذلك ما تقدِّمه إشارة التعجب من تأمل لدى القارئ . وعليه فإن الإحالات في الليلة الأولى مازالت تحتاج إلى الكثير من الدلالات والمعاني والتعابير وعلامات التوصيف التي تلائم حالة “هو ” وحالة “هي ” وحالة “الولي ” مع كل ما يقدم الاستدعاء الحر لذلك وفق موسوعة القارئ . أما في الليلة الأخرى فلم يعد هناك مجال للتأمل والاستدعاء الحر ، لقد وقع ماكان منتظرا وما كان مقلقا وما كان حزينا ؛ الولي نام هانئا ، وهي التي كانت أسعد امرأة دخلت في حالة الخوف والانتظار بعد أن غادرتها الأحلام الوردية ، وهو أدرك متأخرا ورطته الكبيرة . ولذلك يمكن سد الفراغ المتروك في الليلة الأولى عبر تنقيط البياض بما وقع في الليلة الأخرى ، وبه يتم السرد . فالولي : متأهب للحصول على أكبر ربح ممكن وسعيد جدا الآن لأنه تخلص أخيرا من بضاعة كادت أن تكسد . وهي الآن أسعد امرأة على الكرة الأرضية والآن على السرير تنتظر بخوف اللحظة الحاسمة . وهو أتم الصفقة بعد تردد طويل ولكنه حزين الآن لأنه اتخذ القرار الخاطئ ورهن عضوه التناسلي لمدة 14 قرنا . 
هذا شكل تركيبي للنص يقوم على التجريب ويستغل البياض لقراءة دائرية لاتأخذ بالقراءة الطولية التي تفتـّح المعنى كلما تفتح حرف جديد على البياض . وهي قراءة ممتعة ومنفتحة على القارئ وليس على ما يريده المؤلف فحسب . ولذلك لابد أثناء القراءة من التوقف عن الجريان خلف المعنى على سطح البياض الطولي والعودة إلى الخلف للفهم والربط والتفسير وملء الفراغ من خلال التحام القارئ بالنص فإنجاز ما لم ينجز .
ب ـ التشكيل الهندسي والبياض 
تهيمن على المجموعة ” كيف تسلل وحيد القرن ” الكتابة على أربعة أشكال هندسية ، هي : المستطيل ـ في وسط الصفحة وعن يمينها وعن يسارها وفي يمين نصفها الأعلى ويمين نصفها الأسفل وفي يسار نصفها الأعلى ويسار نصفها الأسفل ـ والمثلث ـ مثلث قاعدته في أسفل الصفحة ومثلث قاعدته في أعلى الصفحة ـ ومتوازي الأضلاع ـ يمين الصفحة ويسارها ـ والدائرة . 
بدءا يجب التنويه إلى أن الكتابة على بياض هندسي الشكل ليست بدعة جديدة من جماعة حركة التجريب القصصي،لأنها ليست جديدة على الثقافة العربية.فالمخطوطات العربية تزخر بأشكال كتابية هنسية متنوعة بخاصة في الكتابة الشعرية كالتشجير والتسميط والدائرة (8) وكان النقاد يعيدون مبررات تلك الكتابة الهندسية والزخرفية إلى اللعب والزخرفة على مستوى الشكل والمتن وعموم المنتج الشعري وطبيعة الحياة السائدة في تلك الفترة ، ولكن يجب الانتباه إلى أن تلك الدوافع لم تكن كافية لتبرير الظاهرة ، فقد كان الشكل الهندسي في كثير من النصوص يلتقي مع المعطى الدلالي كالقصيدة الصوفية المعبرة عن وحدة الوجود من خلال الدائرة (9) حيث انطلاق الكل (الأغيار ) من الذات الإلهية في مركز الدائرة إلى المحيط ، ثم تتخلص من كثافتها وتعود إلى المركز ، الذات الإلهية . 
ولكن في نصوص حركة التجريب القصصية لا تبرز مبررات الكتابة الهندسية ذاتها قائمة ، و في الوقت ذاته لا تتعاطى جماعة التجديد مع الزخرفة العربية بل إنها تبين في بياناتها أن تجربتها القصصية تقوم على التكسير والتخريب والعقوق ولكنها لاتقطع صلتها مع التراث بل إنها تعدّ توظيفه أحد مظاهر التجريب .(10 ) 
وعليه فإن نصوص المجموعة تبني شكلها الهندسي على أساس تخريب الخط الطولي للسرد والشكل السطري الممتد من أول الصفحة إلى نهايتها . إنها تعمل على خلق خلل للعلاقة السائدة بين المتلقي والفضاء المتلقى ، مما يدفع إلى استفزاز القارئ ضد مرجعيته المستقرة ، وأخذه مع كل فضاء جديد إلى لوحة مختلفة على مستوى الشكل الهندسي ، كما يفعل النص على مســتوى اللغة والتكثيف و التقسيم والتنقيط والتبويب وكل اشكال الكتابة السردية الهادئة . 
من هذا المنطلق فإن القصدية من الكتابة الهندسية ليست عبثا ولعبا صبيانيا في البياض المتاح ، إنها قصدية تنهض القارئ من ثباته وتعمل على إيقاظه من جديد مع الانفتاح على كل عنصر تال مختلف تجريبيا ، ليس عن السرد الكلاسيكي فحسب بل عن النص السابق عليه أيضا وفي المجموعة كلها أو في المجموعة ذاتها .
فالشكل الكتابي هنا لايرتبط بالبعد التيمي للنص وإنما بأبعاد الفكر الفلسفي والرؤية للعالم ، حيث الاشتغال الأكبر بسؤال التجريب والخوض فيه وإعلان العصيان الإبداعي على منطق الوصاية للمنجز والجاهز متنا وبناء ، ولكن ذلك لا يمنع أن تحضر تلك القصدية بمجمل التجربة القصصية لحركة التجريب وإلى جانبها الارتباط بالتيمة النصية كما في نص ” التريكو” ، إلا ان ذلك يخضع للمؤول وليس للمؤلف . 
التريكو
داخل غرفة
مـــــظـــلــــــــمـــــــــــة
أنت : بكل رقة ، حاولـت ان تجردها من ملابسها 
كــــــــــــي تــقـــــــــــطـــف أول قــبــلــــــــــــــــــــــــة
أنت : بكل خشونة ، انفلت من بين يديه هاربة خارج الغرفــــــــة 
داخل الغرفة ذاتـــها ، لكن بضـــــوء خافت يشع من مصبــــــاح أحمر : 
هو : بكـــــل خشونــــة : انقض عليها مثل ســـمك قرش جــــائـــــــــــــــع 
هي : بكل رقـــــــــــــــــة : دنـــت من شـــــفاهـــه مثل فراشـــــــة طيــــعـــــة 
داخـــل الغرفــــــــة عينـــــها : لكـــن بضـــوء الصبـــــــــاح الســــاطــــــع :
أنا : أفــــقــــت مــن حلمـي منزعجــا ، ثم أخرسـت زر المنبه الملعون .
هي : لا أثر لها ، سوى ذلك التريكو الذي سلمتــني إ ياه منـــــــــــذ
أســبوع لأحــتـمي بــــــــــــــــــــــــــــــــــــه مــــــــن البـــــــرد
أقصــد التريكو الذي كان يضايقني طيلة هذه الليلة .
× لـغـز : ما هو الفــــرق بيــــن المـرأة
والتـــــريـــكــــــــــــــو؟
كل الأحاسيس الخشنة والرقيقة تدور داخل الغرفة ذاتها أو داخل الحلم أو داخل دائرة اللغز ، لافرق بين تلك الدوائر مادامت ترصد الأحاسيس في فضاء مغلق ينتهي بلغز مغلق أيضا ، كما هو الشكل الكتابي الهندسي على مستوى القراءة البصرية . 
2 ـ التجريب ومسرحة النص القصصي
إن التجريب في الكتابة القصصية يعني التنويع في بنية النص السردي واستنبات عناصر سردية لاتعود للمرجعية السردية المؤسسة أو النموذجية ، ومن ذلك مسرحة النص القصصي ،كتقسيم النص إلى لوحات أو مشاهد مسرحية مركبة وآلية تقديم الشخصيات . 


أ ـ اللوحات المسرحية : 


تهيمن على نصوص محمد تنفو صور التقطيع المسرحي داخل النص الواحد ، مما يكسر آلية السرد وتدفقه عبر التوقف والانتقال إلى لوحة أخرى وهذا يعزز قدرة السارد على التكثيف ويترك المجال للمتلقي ليشاركه كتابة النص عبر التأويل وسد الفراغات في فضاء النص . ومن ذلك اللوحات المقدمة في النص السابق ” تمرد ” فالنص يتألف من ثلاث لوحات منفصلة سرديا ، وهي ( داخل حمام للنساء ـ داخل حمام للرجال ـ خارج الحمام ) ولكل لوحة صوت سردي مستقل لايمتد إلى اللوحة التالية إلا عبر المتلقي . أما السارد فلا شأن له في الربط بينها ولايعير ذلك الفراغ اهتماما يذكر ، ولكنه في الوقت ذاته يقدم إشارات ينبه من خلالها المتلقي إلى ضرورة البحث عن امتداد للسرد لخلق امتداد للرؤية . ففي ” تمرد ” نجد أن المقاطع ترتبط بإحالة واحدة على تنوعها ، وهي ” الحمام ” للرجال أو للنساء ، ثم داخل الحمام وخارجه . ولايعد ذلك تحديدا للفضاء المكاني بقدر ماهو عنصر ربط خفي لامتداد السرد الناقص . 
وقـُسم النص التالي ” صفقة ” (11) إلى ثلاث لوحات : 1 ـ قبل التسـوق 2 ـ إبان التسوق 3 ـ بعد التسوق . 
صفقة
1ـ قبل التسوق : 
أ ـ جسد ثمين في كامل زينتــه ؟
ب ـ قفة ظــــــــــمأى تمـــامـــــا ؟
ج ـ 20 درهما لاغيــــــــــــــــــر ؟
2 ـ إبان التسوق : 
… تصنعت مشية عارضة أرياء ،
وهي ترسم على فمها ابتسامـــة 
مومس محترفة ، ثم ســارعـــــت
بالمساومة بغنج . حينها تسابقت 
عيونهم بنهم مثل كلاب شرسة جدا
3 ـ بعد التسوق : 
ج ـ 20 درهما بالتمام والكمال ! 
ب ـ قفة ملأى عن آخـــــــــرها ! 
أ ـ جسد ثمين في كامل زينتــه ، 
لكن بشـــفاه نااقصــــــــــــــــــــة ! 
واللوحات تنتمي إلى مفردة التسوق وعلاقتها بالجسد الإنساتي ، فهي تلغي إنسانية البائع والشاري عبر إشارات اختزالية ولغة مكثفة . فلا يوجد سرد طولي ممتدالمعنى ، لأن الموضوع هنا ليس ذا قيمة ، وإنما امتهان إنسانية الإنسان هو تيمة النص الناقص سردا ، والمكتمل إشارات وأبعادا لها وقعها الخاص على مستوى الوعي . من هذا المنطلق لم يعد للسرد المساري ضرورة ما دامت قوة الاختزال وتعبير اللوحات المسرحية تقومان بالقصدية غير المباشرة من خلال ثلاث اختزالات : المادة المعروضة والقفة والدرهم . 


ب ـ الشخصيات الممسرحة 


تــُختزل الشـــــخصيات في نصوص المجموعة ـ بشكل عام ـ بضمائر منفصلة ( أنا ـ أنت ـ هو ـ هي ) وتدل على شخصيات صامتة ، تنأى عن السرد أو المشاركة فيه . ولكنها في الوقت ذاته هي الحاضرة فقط على خشبة المسرح القصصي . فيكشف السرد عن هواجسها وهموها الصغيرة والجزئية ، ويقدمها بلوحات متقطعة تجمع بينها حالة كلية ، وكأنها صور فوتوغرافية تشكل بمجموعها ألبوم صور للحياة ، ومن ذلك ألبومها في النصين السابقين ” صفقة ” و ” تريكو “حيث يبرز الضمير جزءا من التقسيم في بداية كل لوحة ، وفي نصوص أخرى ، مثل ” تبادل أدوار ” (12) و” تحت الطاولة ” (13) و” عيّنات مشبوهة ” (14) . يبرز الضميران ؛ المتصل والغائب , ليعبرا عن حضور الشخصيات المستقلة ولكن من خلال اللوحات التي تقسم النص ، ففي ” عينات مشبوهة ” نجد مقطعين ، هما : عاد ليلا ( لوحة أولى ) وعادت إلى المطبخ .( لوحة ثانية ) . وفي ” الأرقام المشبوهة ” (15) نلاحظ سبع لوحات تبدأ بجمل ملصقة بالضمير المتصل ( في غفلة منها ـ في غفلة مني ـ ناولتني ـ أزلتها ـ زوجتي ) .
3 ـ التجريب القصصي والقراءة التفاعلية :
يجب التمييز في مصطلح الفضاء القصصي بين الفضاء باعتباره مكونا حكائيا داخل السرد ، له علاماته الجغرافية وبعده الاجتماعي والإنساني والثقافي ، والفضاء باعتباره مكونا حكائيا يقع خارج السرد ، يتشكل من بياض الصفحة التي يقوم عليها تجسيد الشكل الكتابي ؛ حيث تهيمن القراءة البصرية على العلاقة بين النص والمتلقي ، وكذا بين فضاء القراءة باعتباره مكونا حكائيا ذهنيا موازيا ، يقدم النص إشاراته من خلفية التسويد وفراغات الدلالة والنص الناقص عمدا أو بسبب التكثيف والتلميح أو التضارب أو الحمولات والإحالات الثقافية أو اللعب و التخفي …الخ . 
وما يهمنا في القراءة التفاعلية فضاء الكتابة وفضاء القراءة . الأول متجسد ويقرأ بصريا . والثانـي خفي ويقرأ عبر التأويل .إلا أن مهمـــة إدراك أبعادالفضاءين وماهيتهما ووظيفتهما منوطة بالقارئ المؤول الذي ينهض على خلق النص الموازي ليسد فراغ الحكي المجسد والذهني ، الفراغ المختبئ والموهم بالنقص والمراوغة واللعب ليفتح النص على الزمن والقارئ الجديدين ، حيث يتم إعلان موت النص وحياة القارئ المتفاعل الذي عليه رهان المقاربات النقدية للنصوص الإبداعية .
وفي مجموعة ” كيف تسلل وحيد القرن ” تناط بالمتلقي مهمة إنجاز النص في صورتـــــــــــه المكتملة ، ولا نقول الأخيرة ، لأهمية حضور الفضاءين : البصري ( الكتابي ) والذهني المجرد ( فضاء القراءة ) . فعلى مستوى فضاء الكتابة لاحظنا العلاقة الناشئة بين البياض والنص والبياض والمتلقي ، إن كان من حيث تقسيم النص إلى مقاطع أو من حيث التشكيل الهندسي ، أو من حيث التنقيط وحصر البياض . فالنص لم ينجز كل دلالاته من خلال اللغة ولم يكتف باللغة وسيلة أداء وإن أدخل البياض في لعبة الكتابة بما يتيحه من قدرة على التعبير وفق قدرة الكاتب على زخرفة البياض وتوظيف ذلك لصالح نصه ، إلا أن ذلك لا يتوقف على إرادة الكاتب فقط وإنما على تميز المتلقي قارئا فاعلا في التفسير والتأويل وربط فضاء الكتابة بدلالات النص. ودون ذلك الحضور المتميز للقارئ المتفاعل يفقد فضاءالكتابة قدرته على التعبير ويسقط النص في فراغ البياض حيث لا معنى للعب بالكتابة ، ولذلك يمكن القول : إن النص القصصي التجريبي عند محمد تنفو يراهن على القراءة التفاعلية لإنجاز نصه . وهذه النتيجة تنسجم مع موقفه النقدي من العلاقة بين النص والقارئ ، إذ يقول : إن القصة القصيرة جدا ( تفرض القارئ الذي يعمل وينتج لا الذي يبقى مجرد مستهلك ) (16) . وعلى مستوى الفضاء الذهني ( فضاء القراءة ) نحن قراءً أمام فراغ غير مرئي ناتج من فراغات الدلالة وأداء التعبير الناقص واللغة غير المتوائمة على مستوى الإسناد وتكسير مسار السرد الطولي وتخريب الأنساق الثقافية ودفع القارئ سرا وجهرا للمشاركة في الكتابة عبر السؤال المباشر وترك الإجابة للمتلقي ، كما في نهاية نص ” التريكو ” المدون سابقا ( لغز : ما هو الفرق بين المرأة والتريكو ؟ ) أو في ” خصام ألوان ” ( هل حقا كان ذلك صحيحا ؟ )(17) أ و عبر الدعوة الصريحة للمشاركة في التأليف ، كما في نص ” الموظف السامي ” ( لم أفهم ما حدث فأنا جد مرهق . لذلك ألتمس إتمام القصة . ) (18) . وعبر إدخال المتلقي في النص باعتباره شخصية قصصية مشاركة في صناعة الموقف ، كما في ” الأرقام المشبوهة ” ( أما أنت أيها القارئ فاخبرك ـ على أن يبقى هذا الأمر سرا بيننا ـ إنني قد دونت كل الأرقام المشبوهة في مذكرة خاصة ) (19)
إلا انه يجب التنويه أن ذلك التقسيم في صور التلقي للنص هو إجراء درسي وتشريحي فقط ، فعملية التلقي هي جهد ذهني ونفسي وثقافي تتداخل فيها عناصر الثقافة والذكاء والتجربة وآلية التلقي . بحيث يتلقى القارئ النموذجي جميع العناصر الدالة في النص بما فيها فضاء الكتابة وفضاء القراءة وأدوات التعبير الأخرى دفعة واحدة ؛ مما ينتج نصا جديدا ينطلق من فهم المنجز ويصل إلى إنتاج النص الموازي أو إتمام صورة النص الأول بعد تجاوز الكاتب إلى النص غير المرئي والقصة ، كما قرأها المتلقي بقراءته المتفاعلة .

الهوامش
1 ـwww.colisium.atspace.com
2 ـ كيف تسلل وحيد القرن ـ التمادي 16
3 ـ انظر في المجموعة ” كيف تسلل وحيد القرن في النصوص : سيارة تركض من تلقاء نفسها . تبادل الأدوار , ناقص واحد , كيف تسلل وحيد القرن ,بالطباشير فقط , التريكو , جيفة
4 ـ القصة القصيرة جدا ، محاولة لصياغة القانون الناظم ص 1 www.colisium.atspace.com
) 5 )سؤال التجريب في القصة القصيرة المغربية . فوزي بورخيص www.colisium.atspace.com
6 ـكيف تسلل وحيد القرن ص 18
7 ـ كيف تسلل وحيد القرن 30
8 ـ انظر بعص الصور وحديثا عن الفن الهنسي في الكتابة في كتاب ” الأدب في العصر المملوكي والعصر العثماني ” عمر موسى باشا , ط2 دمشق ص1249 ـ نظر بحثنا ” 9 9 ـ بناء القصيدة العربية في العصر المملوكي ـ البنية التركيبية ” جامعة الكويت , مجلس النشر العلمي . الحولية السابعة والعشرون . الرسالة263 ص150
10ـ درجة الوعي في الكتابة ، دراسات نقدية . نجيب العوفي .دار النشر المغربية 1980 ص 292
11 ـ كيف تسلل وحيد القرن 39
12 نفسه 37
13 ـ نفسه 41
14 ـ نفسه 33
15 ـ نفسه25
15 ـ نفسه25
16 ـ القصة القصيرة جدا ، محاولة لصياغة القانون الناظم ص5 www.colisium.atspace.com
17 ـ كيف تسلل وحيد القرن 51
18 ـ نفسه 53
19 ـ نفسه 26

شاهد أيضاً

غسان عبد الخالق يستعيد مقالاته الفكرية والسياسية في “المتن والهامش”

خاص- ثقافات عن دار فضاءات للنشر والتوزيع في عمان، صدر كتاب (المتن والهامش؛ مقاربات مختارة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *