الرئيسية / إضاءات / ثقافة في الهواء الطلق

ثقافة في الهواء الطلق


*حسن مدن
يدعو آدم كوير في كتابه: «ما التاريخ» إلى أن نتجنب استخدام كلمة «الثقافة» التي نُسرف في الإشارة إليها، لأنها صارت تدل على الكثير جدا بحيث باتت لا تعني سوى اقل القليل، أما إرنستو ساباتو، فيرى في كتابه: «الممانعة»، أن ثقافتنا تقدم الدلائل التي لا تخطئها عين عن دنو نهايتها، إنها تضطر باستمرار إلى إعادة اختلاق بعض الأحداث وبعض الأنماط وبعض المتغيرات الجديدة لأنه ما من شيء مما تنتجه دائم ولا خصيب أو مفيد أبداً.
ويبلغ به حد التشاؤم أن يشبه حال الثقافة اليوم بحال ذلك المريض الهرم الذي ما ينفك الأطباء يصفون له كل يوم بعض الأدوية الجديدة فتجد أسرته، اليائسة من وضعه، نفسها مكرهة على تغيير الأدوية والعلاجات باستمرار.
لا أميل إلى هذا الرأي الذي يبشرنا بدنو نهاية المثقف، مفهوماً ودوراً، وأرى ان ثمة الكثير مما يعول على المثقف في الاضطلاع به، راهناً ومستقبلاً، خاصة في مجتمعات مثل مجتمعاتنا. لذا أحببت أن أقدم هذه المطالعة أمامكم حول المثقف الذي يقترن في أذهاننا بالاشتغال بالفكر، ولكن كل الأعمال اليدوية، مهما كانت بسيطة، تستوجب تحفيز العقل، فهل الاشتغال بالفكر وحده كاف لتعريف المثقف؟!
جوابنا بالنفي، فالاشتغال بالفكر وحده لا يجعل من مواطن ما كائنا مثقفا، كما أن مستوى الشهادات لا يجعل من المتعلم مثقفا. المثقف هو من يوظف رأسماله الرمزي، في الفكر، في خلق الوعي، ومن هنا لابد من التمييز بين المثقف وتقني المعرفة، فهذا الأخير هو من يملك رأسمالا رمزيا معرفيا لا يتجاوز في توظيفه له وضعه المهني، ويظل أسيراً لهذا الوضع دون ان يخرج عنه. وعليه بوسعنا أن نفرق بين أستاذ للفلسفة وآخر، فيمكن للأول ان يكون مجرد وسيط بين الفلاسفة والطلبة ولا يتخطى اطاره المهني، ويمكن للثاني أن يوظف ما قرأه لتشخيص أسباب العطالة مثلا في مجتمعه، لذلك يمكن للفلاسفة ألا يكونوا مثقفين عندما لا تتعرض معرفتهم للهواء الطلق وتدب على رجليها في الحياة.
المثقف هو ذاك الذي يجعل من الأفكار موضوع عمل، وخاصة الأفكار ذات البعد الإنساني الاجتماعي الأخلاقي، أما تقني المعرفة فهو ذاك البارع في تخصصه، وربما غير البارع أيضاً، والمكتفي بهذا التخصص في معزل عن نبض الحياة. كان أحد الفلاسفة الفرنسيين المعاصرين قد صاغ هذه الفكرة بدقة حين لاحظ «أن صفة المثقف ليست مرتبطة قسراً بالمهنة وإنما هي راجعة بالأساس إلى توظيف المهنة عن طريق الأفكار ومن أجل الأفكار».
لعل الفرنسيين هم أول من استخدم مفردة «المثقف»، حدث ذلك عندما كتب إميل زولا مقالته: «إني أتهم» في الدفاع عن الضابط ألفريد دريفوس الذي حكم بالنفي، في عام 1894، لإدانته بالتجسس لألمانيا. التهمة كانت ملفقة، ولكن أمكن تهيئة الرأي العام لتصديقها، خاصة أن الفرنسيين كانوا يكنون الكراهية لألمانيا كونها احتلت جزءاً من أراضيهم، ولليهود أيضاً كون دريفوس يهودي الديانة .
بعد سنوات ستثار القضية، وسيكتب إميل زولا، دافعاً ببراءة دريفوس، مقالته الشهيرة تلك، التي أطلقت نقاشاً عاصفاً في الصحافة وفي أوساط الرأي العام، ينتهي بأن تحكم محكمة ببراءة المتهم، وليظهر ذلك الأثر الذي يمكن أن يلعبه الكتاب والمثقفون في إظهار الحقيقة .
سيترسخ هذا الفهم في التكوين الثقافي والفكري في فرنسا. في العلاقة مع الثقافة والمثقفين فإن لفرنسا تراثها الخاص الذي لا يضاهيها فيه بلد أوروبي آخر. فبالإضافة الى مقالة إميل زولا، عرفت فرنسا عصر الأنوار، وفيها أيضاً ولد وعاش وكتب فولتير. ذلك الطراز من المثقفين لم يكونوا مجرد رجال معرفة وحسب، رغم أهمية الدور الذي اضطلعوا به في تطويرها، لكن أهمية دورهم تأتي أيضاً من حال النقاش التي أطلقوها في المجتمع حول القضايا الكبرى.
بعيد انتخابه بقليل رئيسا للجمهورية الفرنسية تلقى فرانسوا ميتران دعوة من مارجريت تاتشر، رئيسة وزراء بريطانيا في حينه، لزيارة لندن. هناك طلب ميتران اللقاء بعدد من مثقفي البلد، فرد عليه موظفو 10 داونينج ستريت بأنهم ربما يجدون له كُتَّابا أو مؤرخين أو فلاسفة أو باحثين، ولكن ليس مثقفين. كان هؤلاء الموظفون يعرفون أنهم يخاطبون رئيساً لبلد للثقافة فيها موقع القلب، وأن ميتران بصفته زعيماً للحزب الاشتراكي، كان يعرف عما يتحدث حين طلب اللقاء مع المثقفين الانجليز.
قبل ذلك بسنوات ليست قليلة كان الجنرال ديجول رئيساً لفرنسا، لم يكن ديجول إشتراكياً مثل ميتران، ولكن حين أصرّ وزير الداخلية في عهده على اعتقال جون بول سارتر لما اعتبره دوراً رئيسياً له في تحريض طلبة الجامعات في انتفاضة 1968، ردّ عليه بشكل قاطع: فرنسا لا يمكن أن تعتقل فولتير.
لكن ليس الفرنسيون وحدهم من طوّر مفهوم المثقف، مثلهم فعلت روسيا القرن التاسع عشر، التي يعود لها الفضل في اجتراح مفردة «الأنتلجنسيا» كتسمية للمثقفين، وفي وقت لاحق فإن التحديد والتدقيق الأعمق لمفهوم المثقف ودوره سيأتي من إيطاليا على يد المفكر والمناضل أنطونيو جرامشي ، الذي كان أول من صنف المثقفين إلى فئتين: المثقفين التقليديين والمثقفين العضويين، ومن الاعتقادات الخطأ الرائجة في خطابنا الثقافي العربي تقرير أن المقصود بالمثقف العضوي هو ذاك الذي يتبنى مواقف تقدمية من قضايا الحياة والمجتمع، وأن المثقف التقليدي هو من يتبنى المواقف المحافظة .
ليس ذلك ما عناه جرامشي، فالمثقف العضوي يمكن أن يكون تقدمياً ويمكن أن يكون محافظاً وحتى رجعياً تبعاً لطبيعة انحيازاته الاجتماعية والفكرية . حسب غرامشي فإن نموذج المثقفين التقليديين هم المدرسون والكهنة والموظفون التنفيذيون الذين يواصلون فعل الأشياء نفسها من جيل الى جيل، أما المثقفون العضويون فهم أولئك المرتبطون بصورة مباشرة بالطبقات أو المشاريع التي تستخدم المثقفين لتنظيم مصالحها واكتساب المزيد من السلطة والسيطرة ، لذا تجد «المنظم الرأسمالي يعين الى جانبه التقني الخبير في الصناعة والمتخصص في الاقتصاد السياسي، والمنظمين لثقافة جديدة ومبدعي النظام القانوني الجديد» .
لم يقتصر جرامشي في اطروحته على الربط العضوي للمثقف بطبقة معينة، بل انه أكد كذلك على وظيفة المثقفين الخاصة المتمثلة في تقديم التصور الكامل والمتجانس للعالم، وشدَّد على استقلاليتهم، ولو النسبية، الى الحد الذي قد يتعارض فيه المثقف مع الطبقات التي ينتمي اليها. ويلح جرامشي على أن يظل المثقف دائماً بمثابة الوعي الذاتي النقدي للطبقة التي ارتبط بها .تحليل جرامشي الاجتماعي للمثقف كشخص ينجز مجموعة وظائف محددة في المجتمع أقرب كثيراً إلى الواقع، لاسيما في أواخر القرن العشرين عندما أثبتت مهن جديدة كثيرة: مذيعون، أكاديميون محترفون، محللو كمبيوتر، محامو الألعاب الرياضية، وسائل الإعلام، مستشارون إداريون، خبراء في السياسة، مستشارون للحكومة، مؤلفو تقارير السوق المتخصصة، وفي الحقيقة حقل الصحافة الشعبية الحديثة بالكامل، صحة رؤية جرامشي.
شجاعة المثقف النقدي لا تتجلى في مواجهة ونقد أخطاء الحكومات، فهذا من صميم واجباته، وإنما أيضاً مواجهة أوهام الرأي العام . قال إميل زولا: «إذا سألتني: ماذا جئت تفعل في هذا العالم، أنا الفنان، سأجيبك: أنا هنا لأعيش بصوت عال»، ومثقف كبير آخر هو إدوارد سعيد قال: «تتمثل رسالة المثقف في الحفاظ على التنبه الدائم لعدم ترك أنصاف الحقائق توجه المرء في حياته». فالمثقف هو بالضرورة ذو حاسة نقدية. وثقافة النقد هي نقيض ثقافة الامتثال. هناك ثقافة تستمد وجودها من المغلق، من النهائي، ولا تسعى الى التجديد، الا انتكاسا الى الوراء وتمجيدا للقائم وتأثيما للمتحول، فتقدس وتؤثم وفق ما تهوى.
ويفرق الدكتور طاهر لبيب من تونس بين المثقف وبين الانتلجنسي، برأيه ان المثقف أميل الى مجاملة العامة، الى مجاملة الشعب، ويدعو الى اعادة تأسيس العلاقة بين المثقف والشعب. يقول ان المعادلة التي يجهد المثقف نفسه في حلها بينه وبين السلطة قد تكون تجسيرا للفجوة بينهما، ولكنها في الوقت ذاته اعتراف بانقطاع الجسور مع الشعب. الانتلجنسي هو ذو المعرفة اولا، والقادر على صياغتها علميا في رؤية للعالم والانسان، تحمل بديلا لوضع قائم، لذا فانه بالضرورة، وبسبب من هذه القدرة يصبح من الأقلية في كل مجتمع، وفي كل مرحلة من مراحله، والانتماء الى الأقلية ليس أيسر من الانتماء للشعب أو الأمة، ذلك ان ظروف تكوّن الأقلية صعبة في المستوى المعرفي أولاً، وكذلك اجتماعيا وسياسيا. الانتلجنسي مؤهل بحكم قبوله لوضع الأقلية ولعمله فيها من اجل اشعاعها لأن يتخلص من شعبوية عموم المثقفين. ان انحيازه للقيم الديمقراطية ولمصالح الناس لا يعني انه مستعد للتنازل عن رقي معرفته العلمية.
للحديث تتمة في الأسبوع القادم.
________
*جريدة عُمان

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *