الرئيسية / فنون / يارا بو نصّار ممثلة تحمل ماضيها في حقيبتها

يارا بو نصّار ممثلة تحمل ماضيها في حقيبتها


*كاتيا الطويل

«في عندي قصّة، قصّتي، وفيّي خبّركن ياها. طيّب… قصّتي بسيطة، ما فيها سحر، ما فيها مخلوقات غريبة، ما فيها لا أبطال ولا أشرار، فيها مدن، مدن زرتها، ناس التقيهم…».

منذ بداية عرضها المسرحي تطلعنا يارا بو نصّار على مخطّطها، لكنّها لا تخبرنا أنّها سارقة. تفضح سفراتها والمدن التي زارتها والناس الذين التقتهم، تفضح بيروت «المعزولة، المظلومة»، بيروت «البحر»، بيروت نقطة انطلاقها وضياعها وحبّها الذي لا تعرف كيف تعتنقه، تخبرنا عن مدنها ووجوه أهلها، لكنّها لا تخبرنا أنّها سارقة. نعم، يارا بو نصّار سارقة، تسرق من المدن، من الناس، من الوجوه، من الأصوات، من الأشياء، من التاريخ، من الذكريات، من الماضي، من السنوات، من الموت نفسه؛ تسرق لحظات ضائعة، مشاهد نسيها الزمن، صوراً مشردة، أغراضاً صغيرة توضّبها في حقيبتها التي تسمّيها بيتها. يبدأ عرض يارا بو نصّار، الذي لا تتخطّى مدّته الساعة، بهدوء وصمت وثقة؛ تفتتحه بو نصّار بفتحها حقيبة سفرها ودعوتنا إلى مرافقتها في رحلتها إلى الماضي «أهلا وسهلا فيكن ببيتي».
تخبرنا يارا نصّار قصّتها، تخبرنا إيّاها على مسرح مونو الصغير الحميميّ. مساحة لا تتعدّى العشرة أمتار تتمكّن بو نصّار أن تنصب داخلها عواميد لـ»تنشر» لنا قصّتها. وفعل «تنشر» مُستعمل بمعناه العمليّ، فيارا بو نصّار تنشر قصّتها فعلاً على حبال الغسيل: تنشرها غرضاً غرضاً. هي المرأة المشرّدة على أرصفة المدن، هي الغجريّة التي توضّب بيتها في حقيبتها وتنتقل به من مدينة إلى أخرى، هي البيروتيّة التي تبحث عن بيروتها، السائحة الأبديّة الصامتة المتأمّلة في الوجوه، تراقب الناس وعاداتهم وسماتهم وتأخذ أشياء منهم: ذرّة تراب، أو صورة، أو بالوناً، تأخذ منهم غرضاً تخبئه في حقيبة سفرها الذي يبدو أنّه أبديّ.
ويارا بو نصّار تبحث عن شيء. عرض بكامله، جمهور بكامله، امرأة وحقيبة وأغراض وحبل غسيل طويل، كلّهم يبحثون عن شيء، كلّهم يعيشون حالة هذيان مرتبك: «بعدني عم نبّش. عم نبّش ع كتير أشياء… وبعد ما لقيت اللي عم نبّش عليه، أنا تعبانة». قد تكون لذّة البحث هي نفسها الجوهرة المتوهّجة التي تجذبهم إلى البحث، قد تكون حالة الضياع المكانيّ والزمانيّ التي تبثّها بو نصّار في مشاهديها هي محرّك هذه الدوّامة من الأرق والقلق، وقد يكون الماضي هو المحرّك الفعليّ لهذا الهوس بالبحث والتفتيش. الماضي، هذا العجوز الضائع، هذه الرائحة الصفراء العتيقة، هذا الطيف المجهول الذي تحاول بو نصّار أن تتشبّث بمعطفه، وأن تحتفظ برائحة ملابسه بين أغراضها وأشيائها والصور الصغيرة التي تحتفظ بها سراً.
ولِيارا بو نصار هم آخر، هم انساني وجودي ثان تمرّره بهدوء وتؤدة في نصّها: «كانت بتخاف. بتخاف تختفي. بتخاف تختفي بلا ما حدا يلاحظ، كأنّها ما كانت موجودة». همّ وجوديّ، يشبه همّ البحث الإنسانيّ الدائم، همّ الخلود، الرغبة في البقاء بأيّة طريقة من الطرق، عبر الأولاد أو الأصدقاء أو الأعمال أو النتاج الفكريّ أو الفنّي الذي تذكره الأجيال اللاحقة. الخوف من الموت، من النسيان، من شدق الذاكرة الذي يلتهم كلّ شيء وكأنّه لم يكن. نعم، فعدوّ بو نصّار الأوّل هو الزمن، تحاول أن تهرب من مروره السريع عبر الاحتفاظ بالوجوه لنفسها، وأن تتغلّب عليه بزيارة مدن كثيرة، وأن تتفوّق عليه عبر الاحتفاظ بأشياء من الحياة والماضي تذكّرها بالناس والوجوه والسنوات الخالية.
تتفوّق يارا بو نصّار على نفسها في نصّ من كتابتها وإخراجها وتمثيلها بمرافقة موسيقى باد كونكا البديعة، تتمكّن من طرح قضايا فلسفيّة إنسانيّة وجوديّة ببساطة شديدة، وتفلح في تجسيد رهبة الموت ومرور الزمن وتهافت الأيّام. ليست وحدها على الخشبة مع أن مسرحيتها مونودرامية، تطلّ كممثلة لا لتؤدي دوراً أو شخصية، بل لتقدّم نفسها بنفسها ببراعة الممثلة التي تملك خبرات مهمة في فن التمثيل. هي وحدها على الخشبة وهي ليست وحدها، ترافقها بالسر أطياف هي جزء من لعبتها، من الحكايات التي ترويها والتداعيات التي تعيشها برهافة وشفافية.
يراقب المشاهد مسرحيّة يارا بو نصّار «بيت بلديّ، حكايات مدن بلا حيطان»، فيراها تُمعن في بلورة مفهوم الضياع الإنسانيّ والخوف العميق من التلاشي، وينشر معها أغراضه هو الآخر على حبال الغسيل، أغراض صغيرة احتفظ بها في قاع حقيبة وهميّة يحملها معه أينما ذهب ويرزح تحت ثقلها هي التي تحتوي على أيّامه وذكرياته.
______
*الحياة

شاهد أيضاً

«حكمة» الأفلام الصامتة.. من شابلن إلى بينك بانثر

*علي سعيد خلال ثلاثينيات القرن العشرين، عندما بدأ نجم السينما الصامتة في الأفول، بإدخال صوت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *