الرئيسية / قراءات / مذكرات إيرانية هاربة من الظلام إلى باريس الأنوار

مذكرات إيرانية هاربة من الظلام إلى باريس الأنوار


*ليلى الشهيل

كثيراً ما يتخلل المذكرات شيءٌ من المدارة والتزويق، إخفاء لحقائق محرجة أو تضخيم لإنجاز ما، ولكن شوشا جوبي (1935-2008) في كتابها “فتاة في باريس” الصادر في نسخته العربية عن المركز القومي للترجمة في القاهرة تتوخى البساطة والشجاعة في تذكرينا بأن الهجرة بمقدورها أن تخلق مساحة لا أهمية فيها لقيود الجنسيات والجندر والطبقات والعقائد.

غادرت جوبي إيران في السابعة عشرة كي تدرس اللغات الشرقية والفلسفة في جامعة السوربون بباريس. اندفعت إلى المجهول، عالم من حريات غير متخيَلة وآفاق غير مكتشَفة، وانهمكت في الحياة الفنية النابضة بالحيوية للضفة اليسرى من نهر السين. وجدت العزاء عن غربتها في قصائد الفرنسيين بول فرلين وبودلير، وسرعان ما التقت بصامويل بيكيت وسيدني بيكيت وألبير كامو، وشجعها جاك بريفير على الكتابة وتسجيل أغانيها الأولى.
وبنفس ثراء الشعر والموسيقى الفارسية وغنائيتهما – جانب لا يستهان به من إرثها- تُعتبر مذكرات جوبي، تتمة كتابها المحتفى به “الحصان معصوب العينين”، صورة مشرقة لباريس إبان العقد السادس من القرن العشرين وتصويراً حساساً للمواجهة بين الشرق والغرب وسرداً لا يخلو من وعي متقد لوجع النفي.
قصائد شهوانية
تأرجحت جوبي بحريّة بين الدوائر الفكرية، إذ كانت رئيسة تحرير مجلة “ذا لندن باريس ريفيو” وصحافية ذائعة الصيت وموسيقية موهوبة ومؤلفة نالت الجوائز عن كتابها “سر الضحك”. ترصد مذكراتها بنبرة مبهجة مثالية الشباب وسذاجتهم، فيها تدهشنا جوبي ببصرها الثاقب، بذاكرة تأتينا بها كما الهدية وكأن شيئاً لم يغب عنها. تحيك انطباعاتها بكمال، تنساب الفكرة الواحدة بسلاسة ونعومة مع الأخرى وهي تحكي بحماسة ما بعدها حماسة أحداث اليوم المجيدة.
تمتزج تأملاتها بجدائل من ألوان فارسية وقصائد شهوانية وأخرى متصوفة تعلمتها في صغرها. وقبل كل شيء آخر بمقدور جوبي أن تصحبنا إلى باريس التي اكتشفتها وعاشت لتحبّها وهي تنهل من الحياة البوهيمية نهلاً: لا يسع القارئ نسيان رسمها بالكلمات للحي اللاتيني، للنشاط الصاخب، لبراءة الحياة وعجرفتها.
التحام شيوعي
حملها فضولها الفكري وحنينها إلى الالتحام العقلي على اقتحام دائرة الفنانين والمفكرين في اللجنة القومية للكُتاب. كانت اللجنة قد بدأت عملها سراً خلال الحرب بعدد من المؤلفين غير المتعاونين مع العدو المحتل، وقد تضمن أعضاؤها المؤسسون فيركور وفرانسوا مورياك ولوي أراغون.
وعقب الحرب سيطر عليها الشيوعيون بالتدريج. ومَن اختلفوا مع سياساتهم الثقافية، حتى لو انتموا إلى اليسار، تمّ تهميشهم ثم طردهم في النهاية. كان فعلياً فرعاً من الحزب الشيوعي الفرنسي تحت قيادة لوي أراغون وزوجته روسية المولد إلزا تريوليه.
كان أراغون رئيس تحرير الجريدة الأسبوعية “لاتر فرانسيز”، الناطق الثقافي بلسان الحزب، مثلما كانت “لومانيته” جريدته اليومية السياسية التي حددت خط الحزب وكفلت ألا ينحرف القراء عن مبادئه. وفي تلك الفترة تجمع المفكرون اليساريون حول مَلِكين ورفيقتين: إذ حكَم أراغون وإلزا تريوليه الشيوعيين فيما حكَم سارتر وسيمون دو بوفوار المتعاطفين مع الشيوعية، تحيط بالاثنين “حاشيةٌ ضخمة من الأميرات والمهرّجين والطفيليين الآخرين” كما وصفتهم جوبي.
“وكما هو حال شانيل وديور في عالم الموضة، كانا بين المفكرين حَكَماً سامياً في عالم الموضة الثقافية. فكرة، مؤلف، بل وكلمة، كانت ‘رائجة’ أو ‘عتيقة’ لديهما، وويل للمعترض عليهما. ورغم أنه لن يُنفى إلى سيبريا، مثل ذلك ‘اللاشخص’، سوف يُطرح في دور ‘اليميني الشرير’ معزول ومشوّه السمعة”.
لم يطق البعض مثل أرثر كيستلر مثل تلك الديكتاتورية الثقافية ورحلوا عن فرنسا برمتها؛ بقى آخرون ذوو طبيعة أقوى كريموند آرون وألبير كامو وأندريه بيرتون وتحملوا الازدراء برزانة على اقتناع أنهم سوف يكسبون يوماً -حتى لو بعد موتهم- النضال السياسي والأخلاقي.
أبدت جوبي استغرابها من الشباب المنغمس آنذاك في السياسة الذي لم يقرأ كتابات آرون لأنه كان يكتب في جريدة “فيغارو”، وهي الجريدة الناطقة بلسان اليمين. طالعت جوبي كتابه “أفيون المفكرين” ومقالاته الأسبوعية في “إكسبريس″، فأشادت به، “سليم الفكر، موضوعي المنطق، تعليقات بعيدة النظر صادرة من عقل لا تكتظ فيه الأفكار الجاهزة والتفاخر الأيديولوجي”.
كما اكتشفت أن “المعلمين الروحيين،” وبخاصة سارتر، أخطأوا في تقدير الكثير من المسائل السياسية. ظهر آرون في آخر صوره عام 1983، قبيل وفاته، وهو يغادر دار القضاء، هزيل الجسم، مريض البدن: كما هو خليق به، غادر فراش المرض كي يشهد على براءة رجل في محاكمة.
كانت جوبي قد قرأت في إيران عن المقاومة السرية في رواية فيركور “صمت البحر” وقصائد أراغون الوطنية الغنائية. أصبح هؤلاء المؤلفون شخصيات مقدسة بين أهل الفكر. قرأت كذلك شعر أراغون بالفرنسية، فأسرها جمال لغته وبلاغتها، واتقاد عاطفته وحدة حبه لفرنسا وإلزا. أبصرته في التجمعات السياسية ثم سمعته وهو يلقي قصائده وقصائد الشاعر الروسي ماياكوفسكيالتي ترجمتها زوجته، وكان الشاعر الروسي الوحيد الذي طالعت أعماله.
لم يزل المهاجرون مشدودين برباط الحنين إلى الوطن والحيرة والأسى. اختبرت جوبي هذه المشاعر بعد ثلاثين عاماً عندما هرب أفراد من عائلتها إلى الغرب بعد ثورة 1979 في إيران: “تقيدت حيواتهم أكثر من ذي قبل، صار عالمهم مغلقاً، أفكارهم عبارة عن شظايا، ولكنهم اكتسبوا من كل هذه الظروف درجة من الأمان العاطفي والهوية”.
وهناك “المنفيون بالفطرة” ممن نبذوا مجتمعاتهم ولم يزدهروا حقاً إلا كدخلاء مثل هنري جيمز وجوزيف كونراد. الحق أن القرن العشرين تشكل بشتى صنوف المغتربين، من بيكاسو إلى جيمز جويس، من شونبرج إلى صامويل بيكيت، منفيين خلقوا صوراً وأصواتا جديدة عكست ألم حالهم واضطرابه، أو لعله ذلك المنفى الأصلي من جنة عدن.
قيَّمت جوبي بعين خبيرة الثقافة الباريسية بعد الحرب العالمية الثانية وما استندت عليه من منظومة أخلاقية متفسخة، “اكتسبنا الأخلاق تدريجياً، فالاتصال بالواقع جعلنا ندرك أن كل مجتمع في حاجة إلى قواعد.” جذبتها سخرية اليسار الرومانسية واستمالها المفكرون الشيوعيون، ولكنها حين شرعت في كتابة مذكراتها كانت قد تحررت من أوهامهم وضلالاتهم، بل وأضمرت عداوة للنخبة الفكرية الفرنسية المعادية للبرجوازية.
يكمن سحر الكتاب في أنه يضم الحياة الباريسية التي أنارت أعين أي طالب أجنبي إبان ستينات القرن العشرين، بالإضافة إلى فتنة ذكريات فارس التي تبزغ عند كل منعطف. كان الشاعر الألماني هاينريش هاينه والكاتب البريطاني هنري جيمس والقاص الأميركي إرنست همنغواي قد كتبوا مذكراتهم في باريس، ومذكرات جوبي هذه لا تقل عن مذكراتهم في شيء، لشخصياتها التي لا تمّحى من الذاكرة وجملها الغنائية ومحوها لذاتها تواضعاً. ما فاتها أن تسبر وتؤرخ إلا أقل القليل من الحياة الفرنسية والمغتربين الأجانب. تمتعت بموهبة المراسل في الملاحظة ومهارة الروائي في الحكي، واستغلت الفكاهة والسوداوية وهي تستدعي الزمان والمكان والعاطفة.

شاهد أيضاً

الخالق بين الفلسفة المثالية والفلسفة المادية

خاص- ثقافات محمود شاهين* عنوان غريب بالتأكيد ، إذ يفترض أن الفلسفة المادية لا تعترف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *