الرئيسية / فنون / أكثر الرجال المطلوبين .. لجعل العالم أكثر أمناً !

أكثر الرجال المطلوبين .. لجعل العالم أكثر أمناً !


*محمد الفقي

من النادر أن نعثر على فيلم جيد يتناول ظاهرة «الجهاديين»، فالسينما الأجنبية والعربية -على السواء- عوّدتنا أن تأتي هذه الأفلام إما مُفرطة في سطحيتها، أو زاخرة بالمطاردات المُستهلَكة الممطوطة والمكرورة، حتى مَللنا من تكرار استخدام «الجهادي» بوصفه العدو والشرير والقبيح؛ وبوصفه الذريعة الدرامية الجديدة -بعد العدوين النازي، والسوفياتي- في استعراض قدرات النجوم والمخرجين على تنفيذ مشاهد الأكشن والعنف والمطاردات. لكن فيلم «أكثر الرجال المطلوبين – A MOST WANTED MAN» عام (2014) يأتي استثناء من تلك النوعيّة. الفيلم عن رواية للكاتب البريطاني جون ليكاريه، صدرت عام 2008، وقام ببطولته الممثل الأميركي الراحل (فيليب سيمور هوفمان:

1967 – 2014).
لا يمكننا الحديث عن جماليات بصرية استثنائية، ولا عن مُصارعة للقيم والمعاني الروحية والفلسفية، لفيلم قد أخذ على عاتقه أن يكون أقرب إلى منطق التحقيق والكشف الصحافي، وتقديم رؤية مُقرّبة لكيفية تعامل المخابرات الألمانية مع الظاهرة «الجهادية». 
يبدأ الفيلم بتسلل (عيسى كاربوف)؛ نصف الشيشاني-نصف الروسي، إلى مدينة هامبورج الألمانية، هارباً من أجهزة الأمن الروسية التي قامت بتعذيبه بوصفه «إرهابياً خطيراً». ويبدأ (عيسى) في الاتصال بالمجتمع المحلي المسلم في هامبورج، فيقدمون له يد المساعدة، ويستعينون بمحامية حقوقية ألمانية شابة (آنابيل)، من المدافعات عن الحقوق المدنية للأقليات المقيمة في ألمانيا، فتتحمس بدورها لمساعدته في الاختباء عن أعين السلطات الألمانية، وتساعده كذلك في الحصول على الثروة المشبوهة التي تُقدّر بالملايين، والتي كانت لوالده الروسي الراحل (الذي اغتصب أمه الشيشانية)، والمودعة في بنك يديره مصرفي إنجليزي (تومي) في هامبورج.
يراقب كل تلك الأحداث، ويحاول أن يديرها لمصلحته؛ مدير وحدة مخابرات ألمانية (بوكمان: فيليب سيمور هوفمان)، مُتخصّصة في التجسس على الجالية الإسلامية في ألمانيا. هذه الوحدة تعمل خارج الحدود الرسمية لأجهزة الأمن. وبوكمان هذا؛ بالإضافة إلى ذكائه الحاد، مُلِمٌ على نحو ممتاز بكل ما يتعلّق بظاهرة «الجهاديين» في أوروبا وخارجها. لكن بوكمان يعاني -والأجهزة الأمنية الألمانية عموماً- من عقدة مفادها أن خلية (محمد عطا)؛ التي نفذت أحداث خطف الطائرات ومهاجمة نيويورك والبنتاجون في 9/11، كانت قد تكوّنت وتدرّبت في مدينة هامبورج، تحت أنف المخابرات الألمانية، والتي كانت حينذاك في عماء معلوماتي كامل!. وفي ظِلّ هذا الشعور المُهين المُذل، يمارس (بوكمان) عمله في التجسس على الجالية الإسلامية في ألمانيا، وتجنيد بعض الجواسيس منها، لتزويده بمعلومات عن أنشطة الشخصيات الإسلامية، والخلايا المحتملة، في مقابل منح أولئك العملاء بعض الامتيازات والتسهيلات اللوجستية التي تتعلّق بالإقامة والعمل على الأراضي الألمانية.
لكن الفيلم، في الحقيقة، يذهب إلى أبعد من ذلك، حين نكتشف أن (بوكمان) يلعب حرفياً بالنار: إنه يتيح الفرصة لبعض كبار ممولي الإرهاب، القيام بتحويل أموال للجماعات خارج ألمانيا، في سبيل حصوله على معلومات عن الجهات الأخيرة التي ستصل إليها هذه الأموال في النهاية؛ أي أن هدف الحصول على المعلومات قد تحوّل لدى (بوكمان)، من وسيلة لمنع الإرهاب، إلى هدف في حد ذاته!
وهكذا يقوم (بوكمان) بإقناع المسؤولين الألمان، بل وحتى مندوبة الـ C.I.A (مارتا)، التي تقوم بالتنسيق بين الـ C.I.A وبين المخابرات الألمانية، بأن يتركوا الحبل على آخره حتى يتسلّم (عيسى) أموال أبيه القذرة المودعة في بنك (تومي)، حتى أنه يتدخّل هو شخصياً لابتزاز (تومي) لتسهيل تسليم الأموال لـ (عيسى)، والتجسس عليه، وتجنيد المحامية الحقوقية (آنابيل) لتتجسس هي الأخرى على (عيسى). وتتصاعد الأحداث، حتى يقوم (عيسى) بالتبرع أخيراً بالملايين التي ورثها إلى جمعية خيرية إسلامية، يقوم على إدارتها شخصية مشهورة تسارع بتحويل تلك الملايين إلى إحدى المنظمات التابعة للقاعدة خارج ألمانيا.
في أهم حوارات الفيلم بين (بوكمان) وعميلة الـ C.I.A (مارتا)، يتساءل (بوكمان) في لحظة صدق، مُتشككاً عن الهدف النهائي لكل ما يقومون به من جمع للمعلومات، وتجنيد للعملاء، وزرع للجواسيس. تفكر (مارتا) للحظة، ثم تجيبه: -«لجعل العالم أكثر أمناً !»، ويكرّر (بوكمان) نفس العبارة لاحقاً، وهو يُقنع رؤساءه بتسهيل وصول الأموال إلى المنظمة التابعة للقاعدة، فالأموال ستكون هي الصنارة التي سيصلون عن طريقها إلى السمكة الكبيرة التي لا يعرفونها، والسمكة الكبيرة نفسها سيتم استخدامها فيما بعد كطُعم للسمكة الأكبر منها، وهكذا دواليك، ولا ضير أن تقع بعض العمليات الإرهابية أثناء ذلك، فجعل العالم أكثر أمناً، هدف يستحق أن يسقط معه بعض الضحايا الأبرياء كجزء من تكلفة الحرب.
أداء فيليب سيمور هوفمان، بلغ أَوْجَه في التمكن من التعبير عن الشخصية التي طالما لامسها منذ أول أفلامه (عطر امرأة، 1992)؛ تلك الشخصية المُتوحِّدة مع نفسها، التي تتمتع بالذكاء، والتكبّر، والتصلّب، والعناد، واللؤم، والمُراوغة، والتي تجيد لعبة الانتظار وملاعبة الزمن. لكن هوفمان يضيف -وبحرفية عالية- إلى أبعاد هذه الشخصية التي طالما أجاد لعبها، بعداً جديداً هو الإحساس المبطن والغامض بالهزيمة والإعياء والإرهاق، في مهنة تستغرق الحياة بكاملها، حتى الشخصي منها؛ وهو ما يتماس مع مهنة التمثيل لهوفمان نفسه، الأمر الذي يضفي قدراً من الشاعرية ونحن نشاهد آخر أدواره في السينما.
يستحق كذلك كاتب السيناريو (أندرو بوفيل) الإشادة لأنه أضاف للسيناريو جهداً إضافياً لم يوجد في الرواية المقتبس عنها الفيلم؛ خصوصاً فيما يتعلّق بالاستقصاء الأمين عن الشخصيات، والآليات التي تعمل وفقاً لها المخابرات الألمانية، والأهم أنه أعاد مركزة الفيلم حول شخصية (بوكمان)، على عكس الرواية. كما قام بتحويل وجهة النظر -على نحو شديد التوفيق-، لنرى الأحداث من وجهة نظر (بوكمان)، خلافاً للرواية التي كانت تعرض الأحداث من وجهة نظري (عيسى)، والحقوقية (آنابيل).
أما مخرج الفيلم (أنتون كوربيين)، فلم يحاول -عن وعي ونضج- استعراض عضلات إخراجية لا لزوم لها، بل توارى خلف القضية التي يطرحها الفيلم، خدمة للتوضيح، ولذلك أصبح عندنا فيلم آخر يضاف إلى القليل جداً من الأفلام السياسية -سيئة السمعة بطبيعتها- التي تستحق المُشاهدة.
______
*الدوحة

شاهد أيضاً

«حكمة» الأفلام الصامتة.. من شابلن إلى بينك بانثر

*علي سعيد خلال ثلاثينيات القرن العشرين، عندما بدأ نجم السينما الصامتة في الأفول، بإدخال صوت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *