الرئيسية / قراءات / “نصف حالة”.. ضرب السائد والخروج عن المألوف

“نصف حالة”.. ضرب السائد والخروج عن المألوف



*إيهاب مصطفى

( ثقافات )

تدخل ابتهال الشايب عالم الأدب من خلال مجموعتها الأولى “نصف حالة” والصادرة عن دار النسيم للنشر والتوزيع.
المجموعة تقع فى ثلاث وستين صفحة, وتحتوى على خمسة عشر قصة تراوحت ما بين القصير والقصير جدا, وهذه القصص على التوالى هى” نصف حالة, جزئ, احتضار محتمل, قوس, صدأ, بندول الساعة, خلل, انكماش, صدى, البوصلة, الكلمات المتقاطعة, الأخرى, علامة استفهام, فوبيا, خيط”.
تبدأ المجموعة بقصة “نصف حالة” 
“أدوات الحلاقة تزيل شعر جسده بالكامل فى سعادة, يختفى شاربه فى المرآة, بشرته تلمع نعومتها فى هدوء, يتجه إلى دولاب أمه ثم يفتحه, يبحث قليلا, يناديه أحد قمصان النوم القديمة, لم تزل قديمة لكنها تحمل عبق الأنوثة, داخل جوانبها”.
ورد إلى ذهنى أن القصة تدور فى فلك المخنث الذى زادت هرموناته الأنثوية فباتت تسبب له خللاً وظيفياً فيحاول بينه وبين نفسه رمى اوجاعه المتمثلة فى الصورة الذكورية والبقاء على عكس حالته الظاهرة فى صورتها الأنثوية, وتكتمل الحالة فيضع عطوراً نسائية ويرقص شرقيا على أنغام الإم بى فور, يمسك بنطالاً يشبه البنطال الكبير الملتصق بعقله, يقذف به إلى الفراش, ويرتمى عليه ويضاجعه”, وفى النهاية نعرف أن القصه لا تتكلم عن المخنث الذى يحارب تكوينين فى جسد واحد , وإنما هو إسقاط بسبب جريمة إغتصاب تعرض لها فى الصغر فبات ينقم على الرمز الذكورى وهو الشارب فعمل كحلاق وبالنسبة له كانت كل حلاقة لشارب وذقن هى فى ذات الوقت انتصاراً مهماً على الرمز/الرجل, واستخدامه لمقومات الأنثى كان واقعاً فرضته عليه التجربة من نفس بنى جنسه, فبات يحاول الإنتقام فى صورة رمزية جسدها البنطال الكبير الذى يضاجعه كل يوم, مفرغاً فيه هزيمته وانتصار البنطال عليه قبل وقت, كانت مضاجعته للبنطال الكبير انتصاراً كبيراً أيضا للطفل الذى لا يزال بداخله والذى شكلت له التجربة وقوفاً عند نقطة بعينها فبات لا يستطيع تجاوزها مرغماً ومدفوعاً بالتفكير فى محاولات الإنتقام.
فى هذاالنص نستبين قدرة ابتهال على الإمساك بالحدث والتوظيف الجيد لتقنيات القص والغوص فى عمق الشخصية بقدرة تنقلك من شخص ناقم إلى متعاطف فى واقع مأزوم , ذلك الواقع الذى أجبرت عليه الشخصية وبات يمثل لها عائقاً فطرياً لا تستطيع الفكاك منه.
وفى قصة “خيط” يبدأ القص من النهاية, لتكتشف أن النهاية ما هى إلا البداية , تبدأ القصة بفقرات مرقمة بالمقلوب بدْا من “6, 5, 4,3, 2, 1”
” لا تمت, لاتبالى حين تخلقنى وحيدا أو مجنونا أو يائسا أو تدفعنى أن أفكر, أحتار, كصلصال تضغط عليه بأصابعها لتشكل أى بطل تريده لقصتها دون ان تسألنى ماذا الذى أبغيه تحديدا فى حياتى.”
هنا الفكرة بمدلولها الشمولى مخلوق على الورق ومحكومة بأطر معينة لا تستطيع الفكاك من قيود سطرها لها المؤلف, حتى محاولات التمرد تأتى عبثية وغير مكتملة الأركان, فالأفكار منها ما لا يكتمل ليصبح جنيناً مجهضاً يخرج من رحم العقل لتطؤه الأقدام ومنها ما يخرج مكتملاً ليصبح نضجه واقعاً ملموساً , فى محاكاة لعملية الخلق حين تنضج الفكرة وتتشكل كعجينة من صلصال تلعب بها يد الكاتب على حسب رؤيته, ويسطره بما يراه مناسباً من أطر محكومة بالعقل, لترجع فى النهاية مجرد فكرة تدق بعنف فى عقل الكاتب فى محاولة للخروج للوعى الحقيقى, وتظل الفكرة فى تأزمها ومرورا بالبداية فى الفقرة رقم 1 لتتقزم وترجع إلى ومضة فى عقل المؤلف كما كانت ,
وهنا تأتى فكرة التمرد من خلال ما تسطره الفكرة عندما تكتمل أركانها كمخلوق على الورق له قدرته على التمرد من خلال القفز بين السطور, ولكن يفاجأ أنه محكوم, وأنه مهما منحه الكاتب من تحرر فإنه فى النهاية محكوم.
أيضا وجود الفكرة وتبلورها فى كائن ملموس وهبته الأنا العليا القدرة على التفكير ثم انعدامه إلى ومضة ورجوعه إلى المبتدأ.
وفى هذه القصة تبرهن ابتهال على السرد ليس بوصفه سرداً يحمل حدثاً للأمام عبر مفردات وجمل إنما بوصفه عاملاً فاعلاً يحمل باقى الأشكال ويذيبهم فى بوتقةٍ واحدة ليخرجهم فى النهاية عملاً مكتملاً.
وفى قصة “فوبيا”
” ظل على فراشة الذى لا يعلو عن الأرض بضعة سنتيمترات, إذ أنه يخشى النوم على السريرفيسقط منه, منزله أشبه بعلبة كارتون معقمة, لا يلمس أى شئ إلا بعد ارتداء أكياس البلاستيك المعقمة فى يديه خشية انتقال الجراثيم, ينظف ملابسه بعناية شديدة, يصنع طعامه بنفسه فهو لا يستطيع أن يتناول أى طعام آخرفمن أين يعرف ان الأطباق نظيفة؟, وكيف يتأكد أن الطعام أعد بيد شخص موضع ثقة,؟, كيف وهو يشعر بالقرف من كل المحيطين به؟”
هنا الدكتور الملم بالكارثة التى أصبح عليها الوجود فخلق لديه نوعاً من الخوف تحول إلى الفوبيا وهى مرض يلازم المريض كهاجس مستمر تجاه شئ ما, هنا تعددية الصورة التى تفضى كلها إلى الفناء, عجلاتُ السيارة, الجو المشحون بالروائح العطنة, كل أنواع التلوث, وكدكتور يعى تماما حدود هذاالتلوث, وهكذا صارت حياته, ومن واقع التعامل المفروض عليه كعلاج المريض, هو لا يقف فى خانة المشاهد وهو الذى يملك التغيير ففى رأيه أن الهواءَ الملوثَ بعوادمِ السياراتِ والمتسببِ فى خرق الأوزون يجبره على محاولة إفساد كل موتور سيارة بما ينهى أمره إلى السجن الذى يحيله إلى مستشفى المجانين..
هى محاولة لتعرية المجتمع من الزيف والوقوف على حد المأساة, المريض نفسه حامل ومصدر للفيروس, فيكون التعامل بقلق هو المسار الطبيعى فى الذى ينحو إليه..
وفى بقية المجموعة نرى قدرة ابتهال على الإمساك بتقنيات القص واللعب بالزمن وطبيعة اللغة الخاصة التى تمتلكها ومزج الواقع بالخيال بالهم العام , فتكشف عن واقع مرير من خلال شخوص مهمشة وغير قادرة على المواجهة..
كل قصة من المجموعة كانت تشكل رؤيةً لموقفٍ ما من خلال بعض التساؤلات التى يطرحها النصُ والتى تشكل فيما بينها تضافراً من خلال العوالم الواقعية والفانتازية , وسط بيئة مليئة بالتناقضات..
وفى رأيي أن ابتهال استفادت من التطور القصصى على مستوى المضمون وليس الشكل فتحررت من النمطيات التى نراها فى العديد من المجموعات القصصية والتقليديات التى تكون فيها اللغةُ مثلاً عبارة عن إكليشيهات مستقاة من مخزونات سابقة فاللغة هنا ليست فقط أداةً للتوصيل بقدر ما هى عامل فعال فى ثراءِ النصوص .

شاهد أيضاً

“تطور القصة القصيرة الفلسطينية باللغة الإنجليزية”.. إصدار جديد للدكتور أبو صالح والدكتور أسدي

خاص- ثقافات صدر هذا الأسبوع عن دار النشر “بيتر لانغ” في الولايات المتّحدة، وهي دار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *