الرئيسية / قراءات / أغوتا كريستوف في “الدفتر الكبير”: درسٌ مرير للكتابة العربية

أغوتا كريستوف في “الدفتر الكبير”: درسٌ مرير للكتابة العربية


*محمد أبي سمرا

في روايتها “الدفتر الكبير”، ترجمة محمد آيت حنّا، “منشورات الجمل”، تروي أغوتا كريستوف وقائع تمارين ولدين توأمين على القسوة في الحرب العالمية الثانية، في بلدة مجرية على حدود سويسرا، وعلى كتابة تلك القسوة كتابةً ماديّة عارية تماماً من أي مرجع أو سند أدبي، أسلوبي وثقافي وتعبيري، للكتابة.

يقترب غياب السند الأدبي والثقافي لهذه الكتابة العارية من أن يجعلها خروجاً بديهياً وغير مقصود على الأنواع والمصنّفات الأدبية والكتابية. مصدر الخروج هذا، أو علّته، هما جهل الكاتبة الخلاّق بماهية الأدب، الذي يمنحها الحرية والعفوية التامتين في الإقدام على كتابةٍ بكرٍ في وثائقيتها العارية من كل المؤثرات الأسلوبية والعاطفية والإيحائية والتعبيرية التي تحفُّ بالكتابة الأدبية.
تروي كريستوف في “الدفتر الكبير” فصولاً هي توقيعات روائية كثيفة لا تتجاوز الواحدة منها الصفحات الثلاث. يغلبُ الحوار المباشر على التوقيعات كلها، فلا يتخلّلها سوى استطراداتٍ إخبارية شديدة الإيجاز، كالحوارات نفسها. في هذا العرض للرواية، نستعير أسلوب الكاتبة التي تروي مقتطفات موجزة من حياة الولدين التوأمين اللذين أَرغمتِ الحربُ أمَّهما على إيداعهما لدى جدتهما في البلدة الحدودية. تصل الى بيت أمّها، فتقول لها: “ما عاد في وسعي إطعامهما”. الجدة لا تعرف حفيديها، فهي لم ترَهما من قبل. ابنتُها، والدة التوأمين، منقطعة عن أمّها “منذ عشر سنوات، لا زيارة ولا رسائل”. “والآن تذكّرتِ أن لديكِ أمّاً. جئتِ تطلبين مساعدتي”، تجيبُ الجدّة ابنتها التي تقول لأمها: “تعرفين لماذا. فأنا كنتُ أحبّ أبي”، الذي توفى منذ زمن بعيد.
يبدأ هذا الحوار ويستمر على مسمع الحفيدَين الواقفين خارجاً، “أمام حديقة بيت الجدة”، من دون أن يعلما مَن تكون. لأنهما كذلك، وبما أنهما الراوي في صيغة المثنى، و”ليسا سوى شخصٍ واحد ووحيد” – على ما تقول أمّهما في موضع آخر، رافضةً رغبة والدهما وإدارة مدرستهما الفصل بينهما – يسمّيان جدّتهما “الصوت الآخر” في الحوار الذي يسمعانه وينقلانه في مستهل الرواية. عن ذلك “الصوت” ينقلان أيضاً قوله لأمّهما: “أَلديهما (…) أبٌ؟ لستِ متزوجة، على حدّ علمي. لم يدْعُني أحدٌ الى زفافك”. تجيب الأم: “أبوهما ذهب الى الجبهة. ولا خبر عنه منذ أشهر ستة”. فيما الصوت الآخر يضحك ويقهقه، “انخرطتْ أمُّنا في النحيب” – يروي التوأمان – ثم “خرجتْ من المنزل رفقة امرأة عجوز، وقالت لنا: هي ذي جدّتكما. ستظلان معها بعض الوقت، الى حين انتهاء الحرب” التي “واردٌ أن تطول”، تقول الجدّة لابنتها: “سأدفع بهما الى العمل (…) هنا أيضاً ليس الأكل مجاناً”. بعدما “قبّلتنا (أُمُّنا) وانصرفت باكية./ ضحكتْ جدّتنا بصوت عالٍ (…)/ أخرجنا لسانينا استهزاءً بالجدة. ضحكتْ بصوت أعلى وهي تضرب على فخذيها”، يروي الولدان الحفيدان في ختام الفصل – التوقيعةِ الأولى، قبل اختفاء أمهما.
المعجم والكتاب المقدس
توقيعات “الدفتر الكبير” الروائية، مكتوبة كلها بهذا الاسلوب الحواري، الإخباري، اللاأدبي، الجاف والحديدي في واقعيته، والميت، على ما تسمّى رسوم “الطبيعة الميتة” في الفن التشكيلي. لماذا لكتابة أغوتا كريستوف الصفات؟ ندعُها هي نفسها تجيب على لسان التوأمين في توقيعة تمرينهما على الدراسة معاً، منفردين، طوال إقامتهما في منزل الجدة: معجم والدهما والكتاب المقدس، وحدهما كتاباهما في دروسهما الثنائية المنفردة، لـ”القراءة، تمارين الإملاء وتمارين الذاكرة(…) والتأليف” – الكتابة على “الدفتر الكبير” الذي تُعْلِمُنا كريستوف في كتاب سيرتها “الأميّة”، أنه المصدر الأول لأعمالها الروائية، وأنها هي نفسها أحد التوأمين، وأن معجم اللغة الفرنسية والكتاب المقدس هما أيضا كتابا تمارينها على الكتابة، بعد فرارها من بلدها في العشرين من عمرها، الى سويسرا، “أُميّة” تماما في اللغة الفرنسية التي كتبتْ بها رواياتها كلها، أثناء عملها المضني في مصنع للساعات.
لكن الأهم من هذا كله هو ما يروي التوأمان انه “قاعدة بسيطة” اعتمداها في “الحكم” على الموضوعات التي يكتبانها على “الدفتر الكبير”: لكي يكون “التأليف حقيقياً، أي أن يطابق الواقع، ينبغي أن نصف ما هو كائن فعلياً، أن نصف ما نراه، وما نسمعه، وما نفعله”.
مثلاً: ينبغي ألّا نكتب: “الجنديّ الوصيف لطيفٌ” لأنه “أعطانا أغطية”. فصفة اللطف هنا ليست “حقيقية”، لأن هذا الجندي قد يكون “شريراً” في سلوك آخر مع سوانا. لذا “سنكتب ببساطة: أعطانا الجندي الوصيف أغطية”.
مثل آخر: “ممنوع أن نكتب: الجدّة تشبه مشعوذة”، لأن تشبيهنا إياها بالمشعوذة، مطلقٌ، ولا يحدّد من أطلق عليها هذه الشبهة أو الصفة. علينا أن نكتب، إذاً: “الناس ينعتون الجدة بالمشعوذة”، ما دمنا نسمع الناس في البلدة يقولون إنها كذلك.
أما إذا كنا “نأكل الكثير من البندق”، فعلينا ألّا نكتب: “نحبُّ البندق”. فـ”فعل أحبَّ (هنا) غير مضبوط” و”تعوزه الدقة والموضوعية”.
الخلاصة من هذا كله: “الكلمات التي تصف الأحاسيس تظل مبهمة؛ والحري، إذا، الإعراض عنها، والانصراف الى وصف الأشياء، ووصف الآدميين ووصف أنفسنا، لنَقُلْ الانصراف الى وصف الوقائع وصفاً أميناً”.
درس أوّلي في الكتابة
يبدو هذا الدرس في الكتابة والتأليف، أولياً، بسيطاً، وبدائياً. لكنه في الكتابة العربية الراهنة، ومنذ “عصر النهضة الأدبية” على وجه العموم، مرير ومن أصعب الدروس، وأندرها استلهاماً واتباعاً ومناقشة في الأنواع الكتابية كلها، أدباً وصحافة وتأريخاً، وفي الاجتماعيات، وصولاً الى الشعر حتى. منذ أعلام تلك “النهضة”: جبران، المنفلوطي، نعيمة، الكواكبي، زيدان، الافغاني، المازني، العقاد، شوقي، وصولاً الى معظم أعلام الرومنطيقية في الشعر، وروّاد “الحداثة الشعرية”، والكتابة العربية غارقة في البلاغة والإنشاء اللفظي والسيولة العاطفيّة والتهويل اللغوي والخطابة الوعظية والأخلاقية، إلا في ما ندر. هذه حال السياسة أيضاً، وكذلك الخبر الكلام والخطابة السياسية التي لا وظيفة لهما إلّا تصحير السياسة والتستّر على وقائعها وتزييفها، فلم ينجلِ تحطيم بعض أصنامها وآلهتها وأقنعتها، أخيراً إلا عمّا نحن عليه اليوم: المجزرة وأنهار من الدم، وخراب عميم.
أخيراً، تحية لمحمد آيت حنا الذي استلهم درس كريستوف في ترجمته روايتها. وتحية أخرى لذكرى الشاعر الراحل بسام حجار، الذي ترجم روايتين للكاتبة ، وكان أسلوبها من مصادره الشعرية.
________
*النهار

شاهد أيضاً

صدر حديثا… “تدريس الأدب الرقمي بالجامعات ثقافته – وسائطه”

خاص- ثقافات صدر مؤخرا كتاب جديد للناقد والباحث المغربي الدكتور محمد العنوز تحت عنوان “تدريس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *