الرئيسية / إضاءات / لماذا تراجعت الفلسفة العربية/ الإسلامية؟

لماذا تراجعت الفلسفة العربية/ الإسلامية؟


* عبدالله بن علي العليان

لا شك أن الفلسفة ظهرت عند انطلاقتها كانت من اليونان،وإلى الآن لا يعرف كيفية ظهورها كرؤية فكرية وعقلية في الفكر الإنساني، لكنها تظل ظاهرة لافتة في التأمل والبحث، وقد شملت هذه الفلسفة آفاقاً متعددة ، واقتحمت ميادين متسعة ، ميتافيزيقية وطبيعية وأخلاقية وسياسية ، وأقامت حضارات ذات طابع خاص يميزها عن غيرها من الحضارات ، ويفصلها عن غيرها من الأمم ؛ ولهذا كان من المحال أن نقول : إنها امتداد لحضارة أخرى ، أو صورة غير متكاملة لفلسفات وأفكار سابقة . إن الروح الفلسفي المنبعث من أمة ذات خصائص معينة يختلف عن الروح الفلسفي المنبعث من أمة مختلفة الخصائص ومختلفة الآفاق .

لا شك أن هناك تاريخاً عاماً للفلسفة ـ كما يقول د/ علي سامي ـ يشمل الفلسفات جميعاً وتوضع الفلسفات في إطاره ، والفكر الإنساني متصل الحلقات ، ولكن من الخطأ الكبير القول بأن الفلسفات تتشابه في جوهر مذاهبها ، إنها تختلف طبقاً للانبعاث الداخلي والخارجي في الأمم . هل تتشابه اليونان مع الهنود في شيء ؟ وهل استطاع الهنود ، وهم أمة آرية عريقة في التاريخ أن تقدم لنا ما قدمه اليونان ؟ وهل استطاعت إيران القديمة، وهي أمة آرية أخرى ، أن تقدم للفكر الإنسان ما قدمه الهنود أو اليونان ؟ كذلك فعل المسلمون القادمون من الجزيرة العربية، فحين التحموا بغيرهم من الأمم، وكونوا معدلاً بشرياً جديداً ومزيجاً فكرياً جديداً ، قدموا لنا فلسفة جديدة لم يعرفها اليونان ولا غير اليونان.وكما أن الحضارات الإنسانية تأخذ وتعطي وتضيف، فإن الفلسفة العربية الإسلامية أخذت وأضافت وتجددت في المضافة الفلسفية المتعددة المشارب والآفاق الثقافية المختلفة،ومن هذه الفلسفة التي أضافها المسلمون، مجالات واسعة تم نشأتها تبحث في تنظيم المعرفة الإسلامية، وترسخ مناهج البحث في العلوم العربية / الإسلامية، ومن هذه المجالات الفلسفية التي أسسها العقل العربي الإسلامي، في مجال النقد والتحليل والمناظرة، ومنها : علم الكلام ـ وعلم مقالات الفرق ـ علم التصوف ـ الأخلاق ـ التجارب الذاتية والتأملات ـ فلسفة التاريخ ـ المنطق وشروحه ـ آداب الجدل والمناظرة، وغيرها ، ومن الواضح أن هذه المجالات ، كما يشير د/ حامد طاهر ، تغطي مساحة واسعة جداً من النشاط الفكري لدى المسلمين ، وإذا كان بعضها قد استنفد مجهودات أصحابه في معالجة «مشكلات زائفة»،فإن بعضها الآخر قد واجه «مشكلات حقيقية»، وقدم إجابات مقنعة عن كثير من الأسئلة التي طرحت على العقل الإسلامي في لحظات معينة .
لكن الفلسفة الإسلامية – كأي نشاط فكري – لا بد لها من بيئة مناسبة تنشأ فيها ، وتتطور ،وتزدهر. ولا ننكر أن مثل هذه البيئة قد توافرت في أماكن مختلفة من العالم الإسلامي ، وعبر عصور متعددة، فهيأت للفلسفة الإسلامية قدراً كبيراً من الازدهار. ولا يمكن أن نفصل أمثال الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد والغزالي والمارودي وابن حزم وابن الجودي عن بيئاتهم التي أتاحت لهم تقديم أفكارهم ونظرياتهم المبتكرة إلى العالم الإسلامي .وفي المقابل من ذلك، فإن الفلسفة الإسلامية تسرع بالاختفاء عندما يرفضها المجتمع أو بتعبير أدق ، عندما تحرمها السلطة الزمنية من ممارسة دورها في المجتمع .وهكذا نلاحظ أنه ابتداء من القرن السابع الهجري ، قد امتدت فترة طويلة ، خالية تقريبا من أي ومضة فكرية متميزة ، باستثناء ابن تيمية ( المتوفي 728 هـ ) وابن خلدون ( المتوفي 808 هـ ).
وفي العصر الحديث ، تعرض العالم الإسلامي لأكبر هزة في تاريخه ، عن طريق التقائه المفاجئ بالغرب الأوروبي ، الذي جاء إليه – هذه المرة – ليستقر على أرضه، ويتغلغل في دماغه ، لكن المسلمين ما كادوا يستعيدون توازنهم من هول هذا الالتقاء ، حتى أسرعوا باللجوء إلى ماضيهم العريق ، يتلمسون فيه عناصر القوة التي تعينهم على مواجهة الحاضر وكانت( الفلسفة الإسلامية ) أحد هذه العناصر.
لكن لماذا تراجعنا في المجال الفلسفي ؟ هل بسبب نظرة البعض للفلسفة اليونانية،واختلاف هذه الفلسفة مع الرؤية الإسلامي ؟ أم السبب انشغال المسلمين بقضايا الدين ومجالاته التشريعية والفقهية عن مجال الفلسفة وحدها؟
أم أن التجديد الديني يشغلنا عن التجديد الفلسفي، وعن الاهتمام بتجديد وتطور العلوم الأخرى ؟ وكما يقول أستاذ الفلسفة المعروف د/ مصطفي النشار في بحثه القيِّم( التاريخ العربي للفلسفة: لماذا غاب؟)، وربما يكون الطرح الأشمل للسؤال هو: هل يشغلنا التجديد والإحياء الديني عن التجديد والتطوير في مجالات الحياة الأخرى؟ وهل يقف هذا الإحياء عقبة أمام سبل الاهتمام بالمجالات الأخرى؟ وهل يمكن القول إن استغراقنا في العيش في الماضي السعيد وتعلقنا بحياة بداية الدعوة الإسلامية وراء عدم الاهتمام بماضي وتاريخ العلوم والفلسفة؟! وبعبارة أخرى، هل نحن أمة تهمل التاريخ لأنها أدمنت العيش في الماضي؟ أم تهمله لأنها مشغولة بأمر الحاضر، والحاضر وحده؟ لكن الحقيقة هي أنه من لا يهتم بدراسة الماضي فلا حاضر ولا مستقبل له! فهل نحن فقدنا الاهتمام الجدي بلحظات الزمان الثلاث، وانشغلنا بلهو الحياة وبمطالبها المادية؟
الحقيقة أن هذه، وغيرها كثير، أسئلة تتداعى إلى الذهن حين طرح السؤال عن غياب التاريخ العربي للفلسفة أو لغيرها من العلوم.
يرى بعضهم أننا أمة غاب الوعي التاريخي لدى شعوبها قديماً وحديثاً رغم أنها شعوب تاريخية. أما غياب الوعي قديماً، فيعزى في نظر حسن حنفي إلى أن العلوم العقلية-النقلية.
والحقيقة كما يقول د/ مصطفى النشار ،انني لست معه في هذا الرأي؛ إذ أن غياب النظرة التقدمية في علوم الدين ليس صحيحاً، فهذه العلوم باعتبارها علوماً مصدرها الوحي وبنيتها تعتمد على القرآن والسنة وهما صالحتان لكل زمان ومكان، هي علوم تدفع الإنسان دفعاً إلى الوعي بأهمية اللحظات الزمانية الثلاث الماضي والحاضر والمستقبل. فمبادئ العقيدة وثوابتها لم ولن تتغير بينما يترتب على تغير الظروف الاجتماعية والمستحدثات الاقتصادية والسياسية يتابعه اجتهاد الفقهاء أو المفروض أن يتابعه. فلا مجال للجمود في متابعة المستجدات أو الظروف المستحدثة. وقد كان أجدادنا من الفقهاء والعلماء والفلاسفة يدركون هذه الحقيقة ومن ثم لم يتوقف إنجازهم عند النص الديني واجتهاده، بل حاولوا من فلسفة وعلوم اليونان التوفيق بين العقل والشرع على الصعيد الفلسفي، وتقديم المنطق الأصولي مستفيدين من المنطق الأرسطي وهكذا.
إن إنجازات الإنسان في نظر الإسلام لا تنسب إلى الفرد باعتباره فرداً عبقرياً أو متميزاً، بقدر ما تنسب إلى قدرته على المواءمة بين مواهبه الفردية وعمله بموجب الإيمان بكل ما في الإسلام من خصال أخلاقية داعية إلى العمل المستمر بالتي هي أحسن، ولصالح البشرية. وهنا يرتبط الإنجاز الفردي بالإنجاز الجماعي فيكون التقدم الحضاري لصالح الجميع ولخيرهم.
ولذلك فالقول بأن غياب الوعي التاريخي في وجداننا المعاصر هو نتيجة لغياب الوعي التاريخي قديماً ليس صحيحاً في مجمله. فلولا حدوث الانقطاع بين ما حدث في الماضي فكان سبباً للنهضة الحضارية في الفترة التي قادها الأجداد في المجالات المختلفة، وبين ما يحدث الآن لما غاب الوعي التاريخي في وجداننا المعاصر!
علينا إذاً كما يرى د/ النشار أن نفصل بين الوعي التاريخي قديماً وحديثاً، لننظر في أسباب تردي الوعي التاريخي لدى الشعوب العربية في العصر الحاضر. وليس الدين ولا العلوم الدينية بصورتها القديمة (في التراث الإسلامي في العصر الزاهر) هي السبب في ذلك، كما أنها لا تمثل عائقاً أمام تأجج الوعي التاريخي لدى المؤمنين بالدين الإسلامي. بل على العكس، فإن شعوبنا لو أعادت وصل ما انقطع ووعت أهمية التاريخ ودوره الفاعل بمثل ما كان قائماً في صدر الدعوة الإسلامية لعاد المسلمون والعرب إلى ممارسة دورهم الحيوي في مجال التاريخ ، وفلسفة التاريخ، ولكنّا من أنشط الأمم في التاريخ الموضوعي لكل مجالات الحياة والعلوم، كما كان الأمر لدى مؤرخينا القدامى.
لا شك في أن غياب الحرية يمثل عائقاً أمام الوعي الموضوعي بالتاريخ، ويعطي دلالات عديدة على غياب النزعة التاريخية لدى شعوبنا. فأي مؤرخ ذلك الذي سيمسك القلم ويؤرخ بحياد وموضوعية وهو واقع تحت تأثير قيود عديدة؟ لقد عانى المواطن العربي والمثقف العربي منذ مطلع عصر النهضة الحديثة، الاستبداد السياسي سواء من قبل المستعمر أو من قبل الحكام الثوريين، فتحت الاستعمار كان الجميع مشغولاً بتحرير الإدارة وتحرير الأرض من المستعمر المحتل، وبعد أن خرج الاستعمار الأجنبي وقع الاستبداد السياسي من قبل الحكام الوطنيين فكانت ضرورة التزام المثقف – المؤرخ بخط الثورة السياسي وإلا فقد كل شيء. إن هذا الشعور شكل باستمرار هاجس الخوف سواء من سلطة المستعمر أو من السلطة السياسية الوطنية، فلم يعد ممكناً أن يفكر المؤرخ بحرية، ولم يعد ممكناً أن نمتلك الجرأة على الوعي الحقيقي بالتاريخ أو قراءته في أي مجال بحرية، وإذا أمكنت قراءته فلم يكن ممكناً التعبير عن رؤية جديدة ومختلفة عما هو شائع، أو مستقلة عن القيود المفروضة!
إن معظم التيارات الفلسفية الغربية المعاصرة عبارة عن محاولات إلباس القديم ثوب المعاصرة؛ ((خمر عتيق في قوارير جديدة)) كما يقول وليم جيمس في البراغماتية، أو قراءة للفلسفات الغربية القديمة باستخدام مناهج معاصرة كما فعل هيدغر ونيتشه وغيرهما … فلماذا إذن لا يفعل مفكرونا مثلما فعل فلاسفة الغرب المعاصرون؟
إن الإجابة تكمن في جانب من جوانبها في أنهم يعيدون قراءة ماضي فكرهم في حضور مشكلات عصرهم، ونحن نقرأ تراثنا إما لنعيش فيه ونتشرنق داخله أو لنقطع صلتنا به باعتباره عائقاً من عوائق التقدم! إننا لا نملك القدرة على إعادة قراءة تراثنا قراءة واعية موضوعية في ضوء متطلبات العصر الذي نعيشه. إننا لا نحسن قراءة الماضي لمصلحة الحاضر وللمشاركة في إنجازاته.
___________
*جريدة عُمان

شاهد أيضاً

كيف نقاوم وباء التضليل الماحق؟

*حبيب سروري تناولت، في مقالي السابق، إحدى مصائب عصرنا التكنولوجي الجديد: “ما بعد الحقيقة”، وشكليها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *