الرئيسية / إضاءات / إمبرتو إكو: التاريخ معلّم الحياة

إمبرتو إكو: التاريخ معلّم الحياة


*أمانويل غيهريغ – ترجمة: أحمد عثمان

امبرتو إكو، رائد العلامات والتأويل، الباحث غريب الأطوار والعميق، وعلى وجه الخصوص الروائي الذي يحلم بأجيال من القراء . ابن الثمانين سنة ذو الأفكار الواضحة، أصدر مؤخراً كتاباً يضم مجموعة من المقالات المسلية واللماحة، المكرسة عن صورة العدو، عن سان توما (الاكويني) وعن قانون الأجنة، عن النار وعن وكيليكس . . . موضوعات متعلقة بندوات ألقاها، بيد أنها، كما قال حرضته، ورأها كتمارين بلاغية عن عصر الباروك .

* هذه “الكتابات العرضية”، كما أسميتها، تستدعي عدداً من الموضوعات الخطيرة في أغلب الأحيان، ولكن عولجت من قبل بشيء من الخفة . هل من الممكن أن يكون المرء غريب الأطوار وعالماً في آن واحد؟
– بالتأكيد، الصفتان قابلتان للتوفيق . للأسف، في إيطاليا، الضحك محظور: يعتقد أن رجل الآداب يجب أن يكون جاداً . في فرنسا، تقليد الثرثرة يجعل الخفة مقبولة . والآنغلو-سكسون يذهبون بعيداً على اعتبار أن أي ندوة جيدة من اللازم أن تحتوي على ثلاث طرف: الأولى لأسر قلوب الجمهور، الثانية لإثبات ما يأتي، والثالثة للانتهاء من الندوة بصورة جميلة .
* المقال الأول في كتابك يتعلق بصورة العدو كبناء . أنها موضوعة تجتاز عدداً من كتبك وبالأخص “مقبرة براغ” . لماذا نبحث عن عدو؟
– إنه نزعة بيولوجية عالمية، مثل الجنس أو الموت . نجده في كل مكان، لدى الاغريق في بادئ الأمر، الذين ابتكروا لفظة “غير المتمدن”، الغريب المكبوت والمحروم من اللغة، الذي يتمتم بمحاكيات صوتية، تعبر (هذه الصورة) عن الحذر تجاه كل ما هو مختلف عنا . يتبدى هذا الاختلاف في شكلين: لا يثير الغريب قلقنا ولذلك نتركه في سلام . أو يثير قلقنا وبالتالي نبنيه كمهدد . على سبيل المثال: للغريب رائحة جسدية مختلفة . حينما نشير إليه على اعتبار أنه عدو، نقول إنه “نتن”، ننشر الاشاعة أيضا بأن العدو يأكل الأطفال: ذكرت عن هراطقة القرن الأول كما عن البلاشفة .
* اليوم، العدو “وسطنا”، كما تقولها ساخراً؟
– نعم، أنه من يحيا حولنا، ذلك “المهاجر اللا منتمي للجماعة” . في إيطاليا، حيث توجد عنصرية مناهضة للمهاجرين قوية، يتم اتهامهم بأنهم يشغلون وظائف الإيطاليين، بينما نعرف أنهم يقومون على الوجه الأكمل بعمل ما لا يريد الإيطاليون القيام به . من دونهم، لأعلنت المؤسسات الإيطالية إفلاسها . نعرف الوضعية نفسها في (بلدكم) سويسرا، مع الدعوات المناهضة للهجرة: الخشية من فقدان هويتكم خلال العولمة من ناحية أولى، الخشية من الغريب الذي يبني بيتكم ويقوم بأعمال لا تريدون القيام بها من ناحية أخرى .
* كتبت “الحاجة (للعدو) حالة فطرية حتى لدى الإنسان اللطيف وصديق السلام” . أنت أيضاً، امبرتو إكو، هل لديك أعداء؟
– نعم، كل من لم يحب كتابي الأخير وقالوا عنه كلاماً سيئاً، لا، بجدية، من الممكن أن يتحصل المرء على أعداء من دون أن يريد بالضرورة قتلهم . أناضل ضد بعض الأفكار، ولذلك قاتلت . لدي أعداء سياسيون مثل بيرلسكوني، أو فلاسفة، مثل هيدغر . ومع ذلك، أعزو إليهما بعض الصفات الطيبة .
* العدو، أيضاً، هو الذي يذكي المؤامرات، التي بينتها في “بندول فوكو” و”مقبرة براغ” . كيف ترى هذه المؤامرات؟
– لا يستطيع الناس قبول الأشياء التي تتأتى “هكذا” . فكرة المؤامرة قاعدة كل عقيدة: من الضروري توفر الإرادة في أصل الأحداث، سواء كانت الهية أو بشرية . وبالتالي، الجريمة أو الكارثة الكبرى لا تحدث أبداً بالمصادفة، المؤامرة المكيافيلية خلف الأحداث ميتولوجيا طبيعية تجيب على الحاجة الإنسانية . وهذا ما يثير اهتمامي دائماً .
* ما علاقتك بالباطنية؟ في “بندول فوكو” بالضبط، كنت في قلب هذا النوع من التفكير . ألم تخش من فقدان الرشد؟
– سؤالك فضولي . . ذات يوم، طلبت من مكتبة متخصصة في علوم السحر والتنجيم في باريس: “هل تعتقدون في الكتب التي تبيعونها؟” . “في البداية لا، ولكن تدريجياً، بدأت أعتقد فيها، كما أجابني” . ما يثير اهتمامي، الانحرافات الذهنية التي تتحقق من الإخفائية (الإيمان بالقوى الخفية وإمكانية إخضاعها للسلطة الإنسانية) . هل كان نابوكوف بيدوفيليا لأنه كتب “لوليتا”؟ من الممكن أن يهتم المرء بالكذابين، ويكتب كتباً بأكملها عن الكذب بينما هو الرجل الأكثر جدية في العالم . 
* حينما كشف “إدوارد سنودن” عن قوة الرقابة الإلكترونية الأمريكية، ألم يعمل على تغذية نظريات المؤامرات الأكثر جنوناً؟
– المؤامرات سهلة المعرفة، فقط حينما تكون ناجحاً . أستطيع أن أمضي حياتي كلها في حياكة مؤامرات ضدك وأنت لا تعرف شيئاً عنها، ولكن ما الفائدة؟ لا يوجد سوى البسطاء الذين اكتشفوا أن السفارات لها وظيفة واحدة تتمثل في الاستعانة بالهوائيات من أجل الأنشطة السرية، وبالتالي، ليس هناك مؤامرات .
* ولكن ربما كان هناك الأخ الأكبر؟
– في (رواية) ،1948 كان الأخ الأكبر الرجل الوحيد الذي يراقب الشعب من خلف شاشته الصغيرة . اليوم، أنه منتشر في كل مكان وفي اللا مكان . مؤسسة بطاقات الائتمان تعرف متى سلكت الطريق ،66 وفي أي نزل أقمت، وحتى كم من مرة اتجهت إلى شارع سان-دوني لكي أشتري فيلماً بورنوغرافيا . وماذا بعد؟ جملة العناصر الخاضعة للمراقبة لا تفيد في شيء . ولا تمكن من السيطرة على خمسمئة مليون من الأوروبيين .
* ماذا عن غزارة المعلومات السرية؟
– لست في حاجة إلى معلومات سرية . لم تكن التحقيقات الستالينية في حاجة إليها . لقد تم اختراعها، ثم كان الإعدام . بالمقابل، لتحطيم العدو في وقتنا الحالي، مثلاً، كتبت صحيفة بيرلسكونية عن قاض بأنه يدخن السجائر في حديقة صغيرة ويرتدي أحذية زرقاء فاتحة . هذه تفاهة، وبالتالي يقومون بطبع فكرة غريبة في عقل القارئ . عن نفسي، قالوا إنني تناولت الطعام برفقة غريب في مطعم صيني – في الحقيقة، صديق عجوز، ولكنه مجهول لدى الصحفي .
* في فصل آخر من كتابك، تتكلم عن وضعية الكنيسة إزاء المسائل الأخلاقية . ولذلك نشعر، حينما نقرأ لك، أن سان أغسطين كان أكثر مرونة من البابا بونوا السادس عشر . هل أصاب عصرنا على وجه الخصوص التشدد؟
– لا، ليس أكثر من عصور أخرى . تشدد الكنيسة غير جديد . ما قمت بنقده، طريقة استخدام (البابا بنديكت السادس عشر) راتسينغر لمفهوم “النسبوية الأخلاقية” كسلاح حربي . نستطيع أن نصف البابا فرانسوا بالنسبوي، لأنه يريد السماح للمطلقين بتناول القربان إذا كانوا من المؤمنين الطيبين . وهكذا، أصبح الطلاق نسبياً وتابعاً للأوضاع البيسكولوجية عند الضرورة . أقول إن هذا لا يتأتى من النسبوية وإنما من التفاوض، لست معارضاً بصورة مطلقة، ولكنني ضد هؤلاء الذي يفرضون قيماً مطلقة .
* ما علاقتك بالإيمان؟ هل أنت مؤمن؟
– أنا كاثوليكي متحمس حتى كتابتي لأطروحتي عن توما الاكويني . وأحتفظ بعاطفة عميقة داخلي إزاء هذا العالم . أعرف نفسي بكوني غنوصياً .
* كيف ترى البابا فرانسوا؟
– إنه ثوري . لديه شعور العبقرية: ابن بوينس آيرس أول من سعى إلى تغيير عشرين قرناً من التاريخ . سوف نرى ما يستطيع فعله، وكيف ستتفاعل الكنسية معه . ربما تكون مرحلة، ولكن على أي حال، إنه شخصية استثنائية أدركت ضرورة تغيير طريقة الكلام مع المؤمنين .
* هل من المهم دراسة التاريخ؟
– تتمثل تراجيديا عصرنا الحالي في تسطيح الحاضر . لا يمتلك الجيل الحالي مفهوم الكثافة التاريخي، الذي يسمح بفهم الحاضر . وتلك مشكلة رهيبة في عصرنا: لا نفكر في ماضينا . إذا كان بوش الابن قرأ تقارير الغزوات البريطانية والروسية في أفغانستان لما أرسل قواته إلى هناك لاختباره عدم إمكانية انتصاره . واذا فكر هتلر في تجربة نابليون، لكان تخلى عن العمل على احتلال روسيا . التاريخ معلم الحياة، كما قال القدماء، وكان الحق معهم . إذا كنت أرتكبت خطأ في سن الثلاثين، أتذكره وأعمل على عدم تكراره . ولذا نجد أن العجائز أخبث من الشباب .
* بطاقات العالم القديمة شغفك الكبير . بعضها، الذي يرجع إلى العصر الوسيط، يتبدى مخالفاً للصواب وقليل الأهمية . ولكنك تمتلك وجهة نظر أخرى .
– نعم، أحب هذه البطاقات التي تصور الإعجاب بالخرافات والأساطير . تعتبر، من الناحية العلمية، خاطئة، وعلى الرغم من أنها تتغذى على الاستيهامات التي تجرى على الأرض الغريبة، إلا أنها قامت بدور في الاكتشافات الواقعية، وبالتالي، إذا لم يكن استيهام الأرض المجهولة مهيمناً علينا، هل قمنا باكتشاف أستراليا؟ هناك رابطة قوية بين الاستيهام، الخطأ والاكتشاف . البطاقات تحتوي على أحلامنا وأحكامنا المسبقة ورغباتنا . مثلاً، شغفت دوماً بمملكة الأب جون: ولدت “بخطأ حرفي” جرى خلال القرن السابع . تخيلوا وجود مملكة الأب جون في إفريقيا، وهكذا تأسست المستعمرة البرتغالية على هذا البحث . وفي آخر الأمر اعتقدوا أنهم وجدوها في مملكة الحبشة القبطية (يريد إكو القول بالحبشة الأورثوذوكسية كدلالة على انتماء الكنيسة الحبشية إلى الكنيسة المصرية وقتذاك وحتى أواخر الستينات) . كان لدى الأب جون استيهاماً تحول إلى حقيقة . مثلما جرى مع هبة قسطنطين التي حققت السلطة البابوية خلال قرون أو بروتوكولات حكماء صهيون التي غذت معاداة السامية . التاريخ، أيضاً، نتاج الخطأ . أقول أيضاً إن الجغرفيا الخيالية أكثر ضرورة من الجغرافيا الواقعية، لأنها حققت أحداثاً .
* كيف نحلم بالجغرافيا الخيالية، بينما أن كل جزء من العالم مكتشف ومصور عبر الأقمار الصناعية؟
– مثلث برمودا؟ طالما أننا غير راضين عن الواقع، نستمر في الحلم . فكروا في الجزر، التي من الممكن أن تختفي من على الخريطة، وتغمرها المياه . حتى القرن الثامن عشر، كانت استيهامية لأننا لم نتوصل بعد إلى إيجادها . مثلاً، ظللنا طويلاً نصور جزيرة (تابروبان) على الخريطة على أنها جزيرة سيلان، لأننا كنا نعتقد بكونهما جزيرتين مختلفتين .
______
*الخليج الثقافي

شاهد أيضاً

فتح باب الترشح لجوائز فلسطين الثقافية 2018

عمان – أعلنت “مؤسسة فلسطين الدولية” عن فتح باب الترشيح لجوائز “فلسطين الثقافية” الدورة السابعة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *