الرئيسية / نصوص / قصّتان إسكندينافيَّتان

قصّتان إسكندينافيَّتان


*ترجمة: عبد السّلام الغرياني


أناس طَيِّبون

ياري ترفو (1)
صاحب المحلّ ركض وراء السارق وقبض عليه. الأشخاص الموجودون في موقف السوق أحدثوا جلبة. شلّ الرعبُ السارقَ عندما وجد نفسه مقبوضاً عليه من قفا عنقه، بيد رجل كأنها يد لاعب بيسبول. شَدَّ صاحب المحلّ السارق من بطنه، واستعاد كتل لحم الخنزير. 
تلعثم السارق، أخذ يتباكى، شعر صاحب المحلّ بأسف شديد بعد نوبة البكاء للسارق، وتأسَّف أكثر لكون ذراع السارق معلَّقة، وملابسه قذرة. أخلى سبيله مع رفسة. أُصلِحُ أن أكون صاحب محلّ، فَكَّرَ بينه وبين نفسه شاكراً إطراء الناس وتصفيقهم، ثم أعاد قطع اللحم إلى الرفّ، إذ كانت ربة بيت قد اشترتها. 
رَبّة البيت كانت قد زارتها أمّها، واشترت هذا اللحم، لكنها تريد إزالة الشحم غير المرغوب فيه، لكن أمّها تشتهيه، هي- إذاً- صفقة موفّقة. تقلي هي اللحم و…، وعندها فقط تذكَّرت عادات وأنماط صديق أمّها. الخنزيرة عاشت حياة نابضة بالحيوية. 
صديق أمّها له الجرأة لأكل المزيد. أكل ملء فمه الشريحة الثانية. لفّت ربّة البيت الجزء الباقي في لفافة الألمنيوم بناءً على طلب أمّها. فكَّرت ربة البيت بمكر صديق أمّها الشاب. حاول خداعها بجلبه وروداً لها. 
في الحافلة غاصت الأم في مزاج سيّئ لأن امرأة أمامها وهي أخصائية في العناية بالأقدام ترتدي تنورة غير لائقة. الأم شكّت بأن صديقها يصاحبها من أجل مالها. فاحت رائحة قطعة اللحم. صديقها ضغط برأس الأم على ذراعه. مَسَّدَ شعرها وهو يطري على حذائها وعلى شخصها. كلاهما كان معجباً بالآخر، وفي الوقت نفسه ينظر إلى أفخاذ الأخصائية. في الشتاء أشياء مثل هذه نادرة. بينما هما نازلان من الحافلة أخذت الأم صديقها من يده، وهكذا نُسيت قطعة اللحم. كان على صديقها أن يأكل نبات الهليوم الزنبقي المعلَّب، التقطت الأخصائية قطعة اللحم في نهاية محطّات الحافلة، أقبل عليها السائق. أحدهم نسي هذا، قالت، سوف أسلمها للقنوات الرسمية، قال السائق بصوت حاد مستذكراً الجملة من الأخبار. أذناك مُتَّقدَتان، قالت الأخصائية. 
مناوبة السائق انتهت. في الحجرة المقفلة بدّلَ ملابسه. نسي قطعة اللحم في جيب بذلة العمل الرسمية، عاملة نظافة وجدت القطعة، وضعتها في حقيبتها. خطّطت أن تسخِّنها في المايكروويف، وتضيف صويا قوية وثوم. بعد ذلك لن تفيد الصودا زوجها الخائن البدين. سيتدحرج على بسط غرفتَي الشقة من الألم. خارج البناية بحثت عاملة النظافة عن المفتاح، أخرجت من حقيبتها قطعة اللحم، وسرعان ما خطفها كلب الاسبتز الفنلندي في وثبة سريعة. 
ابتعد الكلب بلفّة اللحم. إنها تثير شهيّته. جرى بها عبر المدينة إلى ضاحية البيوت الخاصة على أرضية حديقة رائعة، أدخل خطمه في لفّة الألمنيوم باحثاً عن اللحم، عندما فُتحت هجم عليها كلب ألماني، والرسن في رقبته، لكنه كان قادراً على سرقة اللحم. احتفظ كلب الاسبتز بالقليل، وركض بعيداً. 
التهم الكلب الألماني اللحم، لكنه دخل في مزاج سيّئ لأنه كان أكولاً، واستعدّ للنوم، كان واضحاً أن لا شيء يسدّ جوعه. وضع خطمه بين براثنه وحدّق في عظمة أمامه يلعقها مرّة بعد أخرى. إذ ذاك كان ثمة رجل يمشي في الجوار، حنَّ على الكلب وخمّن أنه كان يلهث وراء طعام، أخذ الرجل رزمة من مقانق فرانكفورت كان يحملها معلّقة بطرف حزامه، فتحها وأعطى خمساً منها للكلب. 
نظر صاحب المتجر من نافذة حجرته، مستمعاً إلى موسيقى فيفالدي، ورأى في هذا البرد الذي يلفّ المكان رجلاً يطعم كلباً عند ضوء المرآب. في ذاك المساء كان مدير الوحدة قد رفض منحه ديناً إضافياً، الغبطة لَيَّنت وجعه من المشهد الذي أمامه.
مازال ثمّة أناس طيبون في العالم، هتف صاحب المتجر بصوت عال. زوجته لم تعلِّق. 
———

المصوِّر الفيلسوف

أوغست سترند بيرغ (2)
يُحكى أنه كان ثمة مصوِّر رائع، يصوِّر المناظر الطبيعية والوجوه بكل أحجامها، وصور جانب الوجه أيضاَ، إنه يحمّض الأفلام ويُعدّل ألوانها، ومن ثَمّ يطبعها. كان مصوِّراً رائعاً. 
لكنه كان دائم السّخط، فإلى جانب مهنته هذه كان فيلسوفاً، فيلسوفاً عظيماً ومستكشفاً، رأيه أن العالم يعيش الفوضى، ومثال هذا الرأي واضح على شريحة الفيلم عند التحميض، فكلّ شيء كان عن يمين الأصل يظهر الآن إلى اليسار، وكل شيء كان لونه داكناً يصبح لامعاً، واللامع يصبح قاتماً، والأزرق يتحوّل إلى الأبيض، والأزرار الفضية تبدو مطفأة كما الحديد. 
العالم يعيش الفوضى. 
كان للمصوِّر شريك، رجل عادي تماماً، ضيَّق الأفق والتفكير، يدخِّن السجائر طوال اليوم، لا يغلق الباب، يضع السكين في فمه بدل الشوكة، يرتدي قبّعته داخل الحجرة، ينظِّف أظافره داخل الأستوديو، وفي المساء يتجرَّع ثلاثة أقداح من البيرة. إنه مليء بالعيوب. 
في المقابل كان الفيلسوف مُتَّزناً، لهذا يداري استياءه من شريكه التافه، أراد فكّ الشراكة بينهما، لكنه لم يستطع، لأن العمل مرتبط ارتباطاً وثيقاً بينهما، استياء الفيلسوف من شريكه تحوَّل إلى كره مفرط ومخيف. 
مع حلول الربيع قرَّرا الاستجمام في أحد المصايف، ذهب الشريك لإيجاد سكن في أحدها، وفي يوم وافق السبت استقلّا الباخرة. 
جلس الفيلسوف على سطح الباخرة يتجرَّع شراب «البنش» طوال اليوم. كان بديناً يعاني جملة من الأمراض: كبده ليست بخير، وأقدامه في وجع دائم، ربما من الروماتيزم أو مرض مشابه. عندما وصلا عبرا الجسر صوب الشاطئ. 
– هل هذا هو المكان؟ (سأل الفيلسوف). 
– سَيْر قليل ونصل، (أجاب الشريك). 
مشيا في طريق منخفض انتهى بسُلَّم عليهما تسلُّقه، ثم طريق صخري مشيا فيه، والفيلسوف يشكو من قدميه، لكنه نسي كلّ ألامه عندما وصلا إلى سُلَّم آخر، بعد ذلك اختفى كل أثر للطريق، واصلا سيرهما على صخور بين أشجار التوت وشجيرات أخرى. 
خلف السياج الثالث يوجد ثور، أخذ يطارد الفيلسوف حتى السياج الرابع، وكان العَرَق ينزّ من كلّ مسامات جلده، وعندما عبرا السياج السادس تراءى لهما البيت، دخل الفيلسوف البيت واتَّجه مباشرة إلى الشرفة. 
– لماذا كل هذه الأشجار (سأل): إنها تحجب المنظر أمامنا. 
– والمكان يبدو كباحة كنيسة. لماذا يقف المنزل وسط غابة الصنوبر هذه؟ 
– إنها بقعة صحّية (أجاب الشريك). 
فكّرا في السباحة، لكن، ليس ثمة مكان ملائم للسباحة، ليس ثمة مكان مناسب بمعنى الكلمة، هكذا يرى الفيلسوف: فقط أرض حجرية ووحل. 
بعد السباحة شعر الفيلسوف بالعطش، أراد أن يشرب من المياه المتدفِّقة، لكن المياه كانت بنّيّة محمّرة، ولها مذاق غريب ولاذع، ليست صحّية، ليس ثمة شيء صحّي هنا، واللحم غير متوافر، ليس هناك غير السمك. 
داخلت الكآبة الفيلسوف فجلس عند ثمرة القرع يندب حظّه. لكن، ليس له خيار، يجب أن يبقى لأن شريكه عاد إلى المدينة لمتابعة العمل في غياب صديقه. 
بعد ستة أسابيع عاد الشريك إلى الفيلسوف، قابل عند الجسر شاباً رشيقاً بخدّين حمراوين ورقبة متوهِّجة بفعل الشمس، إنه الفيلسوف، متجدِّد بالكامل، ومعنوياته عالية، قفز فوق السياج السادس وأخذ يطارد الثور. 
عندما جلسا في الشرفة، قال شريكه له:
تبدو بصحّة جيّدة، أيّ ضرب من الوقت قضّيت؟
– أوه، وقت ممتع (قال الفيلسوف)، الأسيجة أذابت الدهون عني، والصخور مسّدت أقدامي، وحمّامات الوحل عالجت الروماتيزم، والغذاء البسيط عالج كبدي، وأشجار الصنوبر تكفَّلت برئتيّ، أتُصدِّق؟ الماء البني المندفع يحتوي الحديد، تماماً مثلما كنت أرغب. 
– حسناً، أنت فيلسوف قديم (قال الشريك)، ألا ترى أنه من السالب يخرج الموجب، القتامة تصبح مضيئة مرة أخرى؟ 
«إذا أخذت الصورة الإيجابية عني فقط، وجدت الكثير في هذا السياق، ولن تكرهني كل هذا القدر، فكِّر فقط: أنا لا أَسْكَر، لهذا أنا قادر على إدارة العمل، لا أسرق، لم أتناولك بسوء من ورائك، لم أتذمَّر، لم أجعل الأبيض يبدو أسود، لم أكن فظّاً مع الزبائن، أنهض باكراً، أنظِّف أظافري كما أنظِّف المعمل، أبقي قبعتي على رأسي حتى لا يتساقط الشعر على الأرضية، أدخِّن كي أطهِّر الهواء من الغازات السامة، أبقي الباب موارباً لكي لا أحدث ضجيجاً داخل الأستوديو، أشرب عند المساء لكي أهرب من غواية الويسكي، وأضع السكّين داخل فمي لكي لا أؤذي نفسي بالشوكة. 
– أنت حقّاً فيلسوف عظيم، (قال المصوِّر)، من الآن فصاعداً سنكون أصدقاء مدى الحياة.
1 -كاتب فنلندي، ولد عام 1959، قصصه يغلب عليها النثر، وأحياناً الحبكة البوليسية، وكثيراً ما تشمل عناصر من السيرة الذاتية
2 – مسرحي وروائي وقاصّ سويدي (1849 – 1912)، وهو من معاصري إبسن وتشيخوف، وبه يكتمل الثلاثي الرائد الذي قاد المسرح الحديث منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى مطلع القرن العشرين.
_______
*الدوحة الثقافية

شاهد أيضاً

هل التاريخ لا نهايةٌ من الطّرائد؟

*أدونيس 1 – تعِبَ الأفقُ في عالمنا، من ثِقَل الأجنحة التي تحمل حقائب البريد، الآتية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *