الرئيسية / إضاءات / الأدب الأمازيغي والحركات الفكرية في شمال أفريقيا القديمة

الأدب الأمازيغي والحركات الفكرية في شمال أفريقيا القديمة


*سعيد بلغربي

يبدو جليا أن المؤرخين القدماء لم يكلفوا أنفسهم عناء تدوين الإنتاجات الأدبية الأمازيغية، حتى إن سجل بعضها في صفائح شمعية وألواح حجرية وخشبية وسبائك نحاسية.. فإنها إما تلفت لوجودها في أمكنة غير مناسبة أو بيئات غير ملائمة للحفظ والتوثيق؛ أو نهبت كما هو حال العديد من النصوص التي نقلت من لغتها الأصلية (الأمازيغية) إلى الإغريقية واللاتينية الكلاسيكية وغيرها من اللغات الاستعمارية الأخرى، الممتهنة لسيكولوجيا النصب والاحتيال، في هذا المعنى يقول ابن الرقيق (بداية القرن 11 ميلادي) 

مؤكدا: «أن الرومان طمسوا العناوين والحروف القديمة التي وجدوها في أفريقيا عندما احتلوها، ووضعوا مكانها عناوينهم وحروفهم حتى يخلّدوا وحدهم»( لمارمول117)، ويضيف (جعيط) «أنه من بين المصادر الوطنية ينبغي أن نذكر ملاحظات يوبا الثاني وقد استغلها بلين القديم في كتابه التاريخ الطبيعي»( تاريخ أفريقيا العام). وهي نصوص تبرز بوضوح التطاول السلبي الذي مس الفكر والمفكرين الأمازيغ القدماء.
وفي الفترة المسيحية من الحكم الروماني عرفت سنة 303 م إصدار الإمبراطور ديوكلسيان لمرسومه الشهير ضد المسيحيين، حيث أمر بإحراق كتبهم. وتؤكد الكثير من الأدلة على أن هذا الأمر نفذ في كل أرجاء الإمبراطورية.. فقد كان بعض الأساقفة يفضلون الذهاب إلى الموت على الاستسلام لهذا المرسوم.. ولدينا أسطورة تقول إن الأسقف فوتدانوس من نوميديا حظي بحظ أفضل، فقد سلّم هذا الأسقف الكتب المقدسة إلى ممثل السلطة لكي يحرقها، وحين أراد هذا القاءها في النار هطل المطر من السماء الصافية ليطفئ النار وينقذ الكتب المقدسة (الكسندر 105). إلاّ أن العديد من هذه القراطيس واللفائف لم تسلم من لهيب نيرانهم. 
إبتداء من عام 305 م، اتجهت أغلبية الطبقات الشعبية من المجتمع الأمازيغي، التي قهرتها سياسة القمع وغياب العدالة بمستوياتها المختلفة وقساوة ظروف العيش التي فرضها النظام الاستبدادي الروماني في ربوع شمال أفريقيا، إلى اعتناق المذهب «الدوناتي» المسيحي نسبة إلى القديس والمفكر الأمازيغي دوناتوس، الذي انتشر بشكل واسع وعلني في أوساط الطبقات الدنيا؛ من المقهورين والمستضعفين والمنبوذين الذين شكلوا ما سمي بـ»ثورة الفلاحين»، للدفاع عن حقوقهم المستلبة، «ومن أعظم أسباب هذا الهيجان العظيم هو النظام الاستعماري الروماني الذي ملك الأرض بيد ثلة منتفعة وحرم منها عامة الناس» ( المدني 115). 
ويشار إلى الحركة الدوناتية في كتابات المؤرخين القدماء على أنها حركة دينية مناهضة للسلطة وللكنيسة الرسمية المتواطئة معها، ولقد برزت في صورة تيار ديني مستقل رفض جميع أشكال التعاون مع السلطة، ممتنعا عن الامتثال لأوامر الإمبراطور الذي استغل المسيحية لأغراض سياسية»(التحولات الحضارية في شمال أفريقيا 25). فمعرفتنا للحركة الدوناتية ـ يقول جعيط ـ إنما تعتمد أساسا على تهجمات أكبر مناوئيها القديس أوغسطين (354 ـ 430م). 
هذا الأخير الذي كرس جزءا كبيرا من اهتماماته الدينية في محاربة ومجادلة الدوناتيين، ولأوغسطين عدة مؤلفات كتبها ضدهم، ومن أهمها: «أعمال مؤتمر قرطاج» وهو تقرير حول حوار دار بقرطاج خلال عام 411 م بين الضوناتيين والكاثوليكيين. وكتاب «ضد گاودنتيوس»، وهو موجه إلى أحد الضوناتيين الذي كان أسقف تيمگاد التي كانت معقلا للضوناتيين بجبال نوميديا القديمة في الفترة التي عاش فيها أوغسطينوس (بن ميس 199 ـ 200).
إلى جانب مؤلفات أخرى أنصبّت كلها حول آراء نقدية معارضة للفكر الدوناتي. 
استَعابَ الأهالي وبأعداد كبيرة هذا التوجه الديني التحرري الذي كانت مبادئه تناهض بشكل صريح الاحتلال الروماني للمنطقة، مما حدا بهذه السلطات إلى استنفار أجهزتها القمعية واصدار مراسيم صارمة تبيح طمس معالمه ومحاربته بأي وسيلة، فسارعت الديكتاتوريات الرومانية إلى «إعلان اللائحة ذات الاثني عشر بنداً التي تحظر على الكُتَّاب التعريض من قريب أو بعيد بالإمبراطورية، أو القادة أو الأغنياء أو الأسر العريقة أو مؤسسات الدولة ( هاملتون: 09.). وذلك من أجل إفشال أفكار كانت تبدو مقلقة للآخرين، وهو أمر يبرره اغتيال وتصفية رواده وإحراق الكتب المحضورة الحاملة للفكر الدوناتي. 
ومن أبرز رواد التوجه الدوناتي نجد «الفيلسوف المغاربي القديم المعروف باسم تيكيونيوس الأفريقي، وهو كاتب وفيلسوف ومجادل كبير.. إزداد بأفريقيا البروقنصلية حوالي 330 م. يصفه القديس أوغسطينوس بكونه شخصا ذكيا وفصيحا رغم كونه من أعدائه»( بن ميس:181).
إلى جانب عدد آخر من «المناضلين» والمفكرين الكبار المدافعين عن هذا الحزب الشعبي أمثال: «بارمينيانوس الذي كان أسقف قرطاج (392 م) « (نفسه: 200). 
بقطع النظر إلى ما كانت تحويه هذه الكتب الدينية من أفكار وملل، فهي ممارسات تخريبية لا يمكن تبريرها تحت أي تصرف، فالمجازر التي ارتكبت في حقها تعد جرائم إنسانية مست بشكل سلبي التراث الديني والأدبي الأمازيغي القديم، والذي سقط بفعلها الشيء الكثير من تاريخه وذاكرته.
كاتب أمازيغي ـ المغرب/ القدس العربي

شاهد أيضاً

كيف نقاوم وباء التضليل الماحق؟

*حبيب سروري تناولت، في مقالي السابق، إحدى مصائب عصرنا التكنولوجي الجديد: “ما بعد الحقيقة”، وشكليها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *