العتمة


*إبراهيم جابر إبراهيم

كأن وباء اسمه “العتمة” يجتاح هذا العالم.

يسوقه الجهل أمامه، ويُعمل في الضوء ذبحاً، فيما البشرية كلّها تقف مصدومة أمام هذه اليد السوداء الكبيرة التي تمتد لتطفئ ضوء الكون.
من أين جاء كل هذا الجهل وكيف تدفَّق كلّه مرة واحدة، كأنَّ سدّاً كبيراً انزاح من أمامه ليغرق الأرض ويجرف كل شيء في وجهه: البشر والدين وكل منظومة الأخلاق وأبسط معايير الانسانية، داسها كلها بقدمِ وحشٍ هائلٍ، فلم يترك بيتاً مضاءً، أو هانئاً.
وباء جشعٌ وجائعٌ، يأكل كل أخضر أمامه ويفترس كل روح، لا عين له ولا قلب، يحمل السكّين بيد ويلوّح بكلام الله المقدس بالأخرى، يسوق الناس أمامه كالقطيع الى جنّته وناره، يوزّع صكوك غفرانه على من شاء، وينبذ من شاء في قبوٍ رجيم.
من أين جاؤوا؟
ـــ من بيوتنا!
علينا ان لا نكون مصدومين الى هذا الحدّ، نعم.. جاؤوا من بيوتنا، حين أغلقناها. حين صنعنا عتمات صغيرة على قدّ كل عائلة، امتدت العتمة وتلاصقت لتغطّي السقوف كلّها. فرَّختهم العتمة وتلاقحوا فيها وتكاثروا، حين لم ننتبه.
من العقول التي فرَّقت بين الولد والبنت، فجعلته يحلم بها كحور عين في الخيال، من العقول التي صوَّرت الدين كجلاد ولم تقرنه سوى بعذاب القبر والأفعى الهائلة والسبعين ذراعاً، من العقول التي ازدرت العلم وأعلت من قيمة “الخراريف”، من العقول التي ربَّتهم ليوم وقيعةٍ وقلَّدتهم الألقاب وسيَّدتهم على المنصّات والمنابر.
من الآن يستطيع أن يعرف عدوَّه على وجه التحديد.
وسط هذه العاصفة الهوجاء من الدم التي لطَّخت وجه العالم في السنوات الأخيرة، قلّة مِنّا التي استطاعت أن تعرف حقَّاً من العدوّ.
لكن قلَّةً أقلُّ منها بكثير، هي التي استطاعت ان تقول ما عرفته!
نحن الآن نعود بخطوات واسعة ومرعوبة الى الخلف، الى زمن تكميم الأفواه، ومنع الكلام، ولكن هذه المرَّة ليس من الحكومات؛ بل من “أبناء ” لنا، ناموا في فِراشنا، وأكلوا من طعامنا، ودرسوا معنا في نفس الصفوف، وليسوا “مندسّين” أبداً أو من خارج مجتمعاتنا “النقية” و”الملائكية”، بل هم صنيعة أخطاء جوهرية في ” التربية” و”التعليم” و”البيت” و”صلاحيات إمام المسجد” الذي لا أعرف كيف أضافته مجتمعاتنا ــ في غفلةٍ منا ـ الى قائمة المقدسات والمحرمات التي يمنع تناولها!
آن لنا أن ننتبه، وان نعرف ماذا يحدث لأولادنا في المدارس، ومن الذي يسمح لمعلم المدرسة الحكومية ان يحوّل حصة اللغة الإنجليزية لدرسٍ عن عذاب القبر، لأنها لغة الكفّار، ومن الذي يسمح لشاب درس سنتي شريعة في كلية تجارية أن يصعد منبر رسول الله ويتعامل مع المصلّين كخليفة ويخطب فيهم كعالِم!
علينا أن نعرف من الذي يربّي الفكرة المتطرفة ومن يرويها ومن يتولّاها بالرعاية، علينا أن نعرف.. لأننا آخر الأمر من سيدفع الثمن.
الأمر لم يعد ترفاً كما كان قبل سنوات، ينبغي علينا كمجتمعات وحكومات أن نأخذ الأمر على محمل الجد والخوف، والمسؤولية، وأن نضع حدّاً لتغوّل الجهل وتسرّبه من كل الشقوق؛ الشقوق التي في المناهج، والشقوق التي في الإعلام، والشقوق التي في الخطاب الديني، وعلينا أيضاً أن نراجع هذه الحصانة التي منحها المجتمع لكل شاب اطلق لحيته وحفظ سورتين من القرآن فلم يعد أحد بإمكانه ان يجادله في خطأ نحوي في خطبته!
لا حصانة لأحد حين يصير دم الناس مهدوراً بهذه السهولة، وأرواحهم بهذا الرخص، وعلى الجهات المعنيّة في المجتمع، إن كانت “معنيّةً” حقاً، أن لا تقف متفرجةً على المتطرف وهو يكبر أمام عينها، وأن لا تترك مجالاً لتغذية هذا “الفكر”، رغم أنها غلطة كبيرة ان يوصف “العماء” بـ “الفكر”.
على المتنورين من رجال الفقه والدين، في المجتمع ان ينهضوا للدفاع عن الاسلام، الاسلام الذي تختطفه عصابات، وتتحدث باسمه.
_____-
*الغد

شاهد أيضاً

مناخوليا

*د. ابتهال الخطيب ثارت الزوابع منذ أيام قلائل في إثر زيارة المفكر أحمد سعد زايد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *