الرئيسية / قراءات / حنان الشيخ: «عذارى لندنستان» دعوة إلى التصالح مع الدين

حنان الشيخ: «عذارى لندنستان» دعوة إلى التصالح مع الدين


*سمير ناصيف

يتساءل قارئ رواية «عذارى لندنستان» بيروت، عن فحوى هذه الرواية. وأول ما يتبادر إلى الذهن أن الشيخ، وكما في رواياتها الأخرى، تتحدى المجتمع الشرقي التقليدي، وربما هذه المرة تتطرق إلى مسألة دور الدين في حياة الإنسان العربي العاطفية والجنسية، في قالب وأسلوب مبالغ فيهما.

وبالتالي، تنطرح اسئلة عديدة ازاء هذا الأمر: أكانت المؤلفة تتحدى تربية وقيم الرجل العربي المسلم ازاء علاقته الحميمة بالمرأة وتحاول أن تحرره لكي يكتشف نفسه ويعيش حياته الخاصة بحرية، متجاوزا أي عقائدية متحدرة؟ أو هل سعت الشيخ، كما فعلت في كثير من كتبها الأخرى إلى وصف التفاعل بين الحياة في مجتمع شرقي محافظ مع العيش في مجتمع غربي متحرر للفتاة العربية المهاجرة؟ ولماذا ركزت الكاتبة بشكل واضح في فصول روايتها على قول الأمور بصراحة متناهية وكما هي (وكما يقال بالعامية بالمشبرح) عن تفاصيل اللقاءات الحميمة لشخصيتي روايتها الرئيسيتين؟ هل فعلت ذلك للإثارة أو للفكاهة أو لسبب آخر؟ وهل تسعى الشيخ إلى إبلاغنا بأن الأدوار بين الرجل والمرأة في الحيز العاطفي قد تبدلت في مطلع هذا القرن، حتى في المجتمعات المحافظة نسبيا؟
كل هذه الاسئلة وغيرها ارتأينا أن نطرحها على حنان الشيخ في لقاء معها قبل كتابة أي عرض أو نقد لكتابها. وقد تم هذا اللقاء في لندن مؤخراً.
أكدت الشيخ في اللقاء أن روايتها لا تشكل تحديا للدين، ولكنها تشجع الإنسان على عدم الخوف من دينه، وعلى اكتشاف عنصر الحب والتسامح في علاقاته وتدعوه إلى الاستمتاع بالحياة، وبما وهبته الطبيعة له، وكلها أمور يشجع عليها الدين، خصوصا الإسلام، أي أنها تدعو الناس إلى الخروج من قوقعة الخوف كلما ارتبط رجل وامرأة بعلاقة حميمة، وإلى تجاوز ضرورة الخضوع للوصفات المسبقة التي تعرقل الحب والتفاعل الحميم. وهذا ما حاولت شخصية هدى فعله مع شخصية هشام، الشاب التقليدي المتمسك بالقيام بالأمور على الأصول.. في لقائها الحميم معه في لندن. 
تقول الشيخ إن روايتها تحكي عن كيف صار الإنسان يخاف من دينه ومما قد تؤدي أي علاقة حميمة له بامرأة من انعكاسات سلبية على معتقداته ومصيره في الآخرة، وبالتالي صار يخاف الحرية في علاقته مع المرأة. ولكن عندما يكتشف هذه الحرية على حقيقتها قد يتحول إلى إنسان آخر.
أما بالنسبة إلى تركيزها على الجنس والعلاقات الجنسية بتفاصيلها، تقول الشيخ، إن هذا الأمر لا يشكل بالنسبة إليها أي تحد. فهي لا تعتقد بأنه يجب إطلاق صفة التحدي على الجنس عموما. الجنس برأيها هو «شيء طبيعي في حياتنا وقيمنا وتعاليمنا، ولماذا نريد أن نعطيه أهمية أكبر من حجمه ولما نريد أن نوصد أبوابه ونسكّرها؟ الجنس هو حب الإنسان لاخيه وللمجتمع، وهو أساس استمرار البشرية، فلماذا نحن نبالغ بوضع القيود عليه؟».
«الشابة هدى في الرواية أقامت علاقة جنسية مع هشام (الذي أطلقت عليه اسم تأبط شراً) ليس لأنها اشتهته فقط، بل لكونها أرادت أيضا أن تلقنه درسا وتخرجه من قمقمه التقليدي المتحجر، الذي لم يخرج منه، مع إنه عاش في لندن لسنوات، فيما خرجت هي وصديقتها ايفون منه إلى حد ما. وقد أصبحت خلال هذه العلاقة وكأنها هي الرجل وهو المرأة، فصارت تديره كما تشاء. ووقع هو في حبائلها وصار يطلب منها المزيد ويلاحقها (فيما بعد) فيما تهربت هي منه.
تقول الشيخ إن هدى في الرواية أرادت أن يكون هشام كأبيها رجل الدين المتمسك بدينه الإسلامي، ولكن المنفتح أيضا على مساعدة النساء اللواتي يقعن في مشاكل، كالامرأة التي أرادت العودة إلى مطلقها، ورفضت أن «يجحشها» فوّال الضيعة! فابلغها الوالد الشيخ بأنه بإمكانها مضاجعة البحر عبر السباحة، ثم العودة إلى زوجها، فالبحر في هذه الحالة يشكل رجلا اقامت علاقة معه وبالتالي انقذ زواجها. وتؤكد الشيخ أن مثل هذه الواقعة حدثت بالفعل في جنوب لبنان حيث نشأت هي وترعرعت في كنف عائلة متدينة (خصوصا والدها) ولكنها منفتحة إلى حد ما.
وتقول الشيخ في هذا المجال إن والدها، صحيح أنه لم يكن رجل دين، ولكنه كان متدينا جدا وكان يطلب منها ومن اختها أن تضعا غطاء للرأس (الايشارب) على رأسيهما كلما خرجتا من المنزل، ولكنه لم يعاقبها عندما رآها مرة خارج البيت من دون غطاء الرأس.
ترفض الشيخ الفكرة القائلة إن شخصيتي هدى (المسلمة) وايفون (المسيحية) ارادتا في علاقاتهما الحميمة في لندن، وقبل ذلك في إيطاليا، الانتقام من المجتمع الشرقي التقليدي. ولكن الكثير من العقد الجنسية التي ورثناها عبر تربيتهما القاسية في لبنان زالت خلال سكن الأولى في لندن والأخرى في كندا حيث دخلتا قطاع العمل من دون أن تزول كليا.
وفي سؤال حول ما إذا كانت هدى وايفون تمثلان الطبقة المتوسطة السفلى في المجتمع اللبناني في تصرفاتهما ورغبات أهلهما بزواجهما المبكر وبعض مبالغات أهلهما الأخرى التي تصفها الكاتبة بدقة، أجابت حنان الشيخ أن الطبقة الاجتماعية التي اتت منها هدى وايفون هي الطبقة التي عاشتها هي في صغرها وسني مراهقتها، قبل انتقالها إلى العيش في بيروت وبعد ذلك في لندن، وهي طبقة تحلى فيها الاشياء، كما هي، وتوجد فيها تفرقة بين الصبي والبنت لدى المسلمين والمسيحيين والمنتسبين إلى هذه الطبقة، وليس الدين وحده هو الذي يقرر العادات والتقاليد فيها.
وتضيف بأن الطبقة الغنية لا تجذبها لكي تكتب عنها. وكل من احتكت بهم من الطبقة الغنية في حياتها الحالية هم أشخاص بنوا نجاحهم في الحياة على مجهودهم.
وعن الجرأة في الكتابة عن الأمور الجنسية وإدراج التفاصيل التي قد يعتبرها البعض «وقحة» تقول الشيخ: «أنا اعتقد أن كثيرا من الكتاب العرب أجرأ مني في هذا المجال. التراث العربي فيه الكثير من المخطوطات التي تتضمن التفاصيل الجنسية وتتحدث عنها بإسهاب، وتذكر هذه المخطوطات الأشياء باسمائها. والجو الذي نشأت أنا فيه في جنوب لبنان تتحدث فيه النساء عن الجنس بصراحة ويلقين النكات حول هذه المواضيع بحرية».
وعما اذا كانت تتمنى أن تتحول روايتها إلى فيلم سينمائي أو مسرحية تقول الشيخ: «يا ريت.. يا ريت.. هناك مخرجون شباب اتصلوا بي في هذا المجال، ولكن المطلوب كاتب سيناريو قادر على نقل ما ورد في الرواية إلى الحيز السينمائي او المسرحي بشكل صادق ومحترف. وانا أرحب بأي اتصال معي في هذا الشأن».
وأكدت في نهاية اللقاء أنها، وفي كل رواياتها، تحاول قلب المعايير الاجتماعية، ولكنها تسعى أيضاً إلى التغلب على عنصر الغربة في العلاقات الإنسانية الذي فُرض على الإنسان في العالم العربي والعالم عموما، بسبب إساءة فهم التقاليد والانحراف في تطبيقها.
الرواية
الفتاتان في رواية «عذارى لندنستان» هدى (المسلمة) وايفون (المسيحية) هما في اواخر ثلاثينياتهما وتتشابهان في شخصيتيهما في كثير من الأمور.
هدى، ابنة شيخ مسلم كان ينصح الأزواج والزوجات في منطقة ريفية في جنوب لبنان في كيفية معالجة مشاكلهما الزوجية، وايفون تأتي من خلفية لبنانية منفتحة نسبيا بالنسبة للعلاقات بين المرأة والرجل، ولكن وسواس العثور على زوج (عريس) لها موجود بقوة لدى أهلها، خصوصا والدتها. كما أن والدة هدى كانت قاسية جدا معها كلما شعرت بأن براعم الشعور الجنسي بدأت تنبت لديها. وكانت تعاقبها كلما تلاحظ هذا الامر بفرك وجهها وأماكن حساسة من جسدها بالفلفل الحار نمى لديها، عندما كبرت، شغفا متزايدا باكتشاف مكامن جسدها المكبوت في الطفولة عبر ممارسة الجنس بعد النضوج، فيما كانت ايفون وهي صديقتها منذ سني المراهقة، تسعى بدورها إلى اكتشاف نفسها عاطفيا وفي الوقت نفسه تتمنى العثور على الزوج الذي يرضي رغبات امها.
تبدأ الرواية بوجود الشابتين في ايطاليا. ويعتبر بعض النقاد أن هذه الرواية هي تكملة لرواية اخرى كتبتها حنان الشيخ بعنوان «امرأتان على شاطئ البحر»، منذ سنوات، فيما تفضل الكاتبة فصل الروايتين عن بعضهما مع أن الشخصيتين استمرتا في الاثنتين.
وهناك مقاطع في الرواية الجديدة تثبت ما قالته الشيخ في المقابلة، بحيث يظهر تحرر ايفون النسبي في قولها لنفسها بعد لقاء جنسي مع شاب ايطالي: «يا عالم انظروا، أنا انثى مرغوبة، انا امرأة جميلة وإن كنت أكبره ببضع سنين». وتضيف الكاتبة أن ايفون شعرت بالخيبة عندما ضاجعها الشاب الايطالي بطريقة متسرعة وخاطفة، حرمتها اللذة التي توقعتها ثم تركها والتحق باصدقائه وصديقة اخرى له فقالت لهدى: «الله ينشف ريقه حتى يطق ويموت. أكل وشرب وبال علي مثل الكلب وهرب».
وفي العلاقة الحميمة بين هدى وشاب ايطالي آخر يسألها هذا الشاب بعد لقائهما الحميم: «آسف يا هدى اذا كررت السؤال عليك، هل انتِ المسلمة أمْ ايفون؟ لقد اختلط عليّ الامر.. انك متحررة أكثر من اي امرأة غربية.. انك مسلمة وعظيمة في العملية الجنسية».
وتؤكد هدى في الرواية أن طعم الفلفل وحرقته على شفتيها وجسدها (من جانب امها) لازماها طويلا، وهي تشعر بهما كلما وجدت نفسها مع رجل بحيث تشتهي اطفاء هذه الحرقة عبر اللقاءات الحميمة.
وهنا يظهر أسلوب الكاتبة المضحك والمحزن في الوقت عينه، لأنه يشير إلى نتائج الكبت في التصرف الانساني. وهذا الأسلوب يبلغ ذروته في لقاء هدى الجنسي مع الشاب هشام المتعصب دينيا والذي تعرفت به في «سبيكرز كورنر» في لندن عندما كان ينهر كل من حوله ممن ينحرفون عن موقفه المتزمت.
وفي هذا اللقاء تشبع هدى رغبتها الجنسية ولكنها وفي الوقت عينه تستخف به وبعاداته وتشعره بانها تماشيه فيها بينما هي تسخر منه وتحتال عليه.
ومن المقاطع اللافتة ما أوردته الكاتبة بعد المواجهة بين هشام المتعصب (الذي سمته هدى لاحقا تابط شرا) وباقي المشاركين في ندوة «سبيكرز كورنر»، حيث تقول ايفون لهدى: «أردتك أن تصيحي في وجهه كما فعلت.. إنه كريه.. يظن أن الدين مُلك له وحده.. ويتحدث مع الآخرين وكأنهم ذباب، لو أنني مسلمة لكنت لكمته وادميته». فتجيبها هدى: «هل عليك أن تكوني مسلمة حتى تؤدبيه؟».
هذه الدردشات في الرواية هي خفيفة الظل وعميقة في الوقت عينه. وهذا ما يتميز به أسلوب حنان الشيخ النقدي والمسرحي، الذي يشبه أسلوب الكاتب ـ المخرج والممثل الامريكي الساخر وودي آلن عندما ينتقد التعصب الديني في قالب فكاهي وعميق، في الوقت نفسه.
وتجلى استمرار العقدة الشرقية التقليدية في تصرف ايفون في مجال العثور على الزوج عندما حاولت وهي في عرس دعيت اليه في بريطانيا تبديل مقاعد الجلوس حول طاولات العشاء لتجلس على مقربة من شاب بريطاني وسيم اسمه جيمس شعرت بانه «العريس» المناسب لها.. وفشلت هنا ايضا.
ولعل المشهد الجنسي بين هدى وهشام (تأبط شرا) هو الأقرب إلى مشاهد من افلام وودي آلن. فهدى تحاول فيه إيهام هشام بانها عذراء تمارس الجنس للمرة الأولى كلما قاما بالعملية الجنسية، فيما هو يصرّ على الزواج الكلامي معها كلما كرر مجامعتها. وفي كل مرة كان يطلب منها الاغتسال (وخصوصا غسل شعرها) بعد المجامعة، فيما كانت هي تخدعه المرة تلو الأخرى. وكل ذلك يتم في الرواية بشكل كاريكاتوري ساخر نجحت الشيخ في خلق أجوائه الناقدة والمضحكة معاً.
لا شك في أن كثيرين سينتقدون حنان الشيخ على اختيارها موضوع هذه الرواية وعلى جرأتها في معالجته وتحدي العادات والتقاليد المتزمتة المنتشرة في مجتمعاتنا بكثافة هذه الأيام والمتزايدة بشكل واضح.
ولكن قالب هذه الرواية المبتكر يعبّر عن تطور جديد في نتاج الكاتبة، وهو انتقال فني مرحب به، خصوصا أن الشيخ سعت في مناسبات سابقة إلى الكتابة المسرحية ولكنها نجحت إلى درجة أكبر في كتابة الرواية. أما هنا في «عذارى لندنستان» فالأسلوبان تساويا في تميزهما الفني وسلاستهما والمطلوب كاتب سيناريو حساس ومخضرم..
_______
*القدس العربي

شاهد أيضاً

هذا الحبّ المُستَحدث

*د. شهلا العجيلي يتحدّث (ويل ديربيشاير) في مقدّمة كتابه الذي يحمل عنوانَه مقالي هذا ( …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *