الرئيسية / إضاءات / حلبجة.. المدينة الفراشة

حلبجة.. المدينة الفراشة



*فاطمة بن محمود

( ثقافات )

تشتهر المدن بحدائقها المعلّقة أو بأسوارها التاريخية أو بمجسّماتها العملاقة أو بأبراجها الضخمة ولكن ثمّة مدن تشتهر بالمجازر التي عاشتها و ذلك هو شأن مدينة حلبجة..
كنتُ في كوردستان لحضور فعاليات الدورة 18 من مهرجان كلاويز الأدبي أستمتع باكتشافي لبلاد جميلة لم يخطر ببالي يوما أن أزورها، كنت كل يوم أُسْقِطُ عني ما قد عَلُقَ في ذهني من أحكام مسبّقة تجانب الصواب عن هذه البلاد و أهلها من جرّاء تشويه الإعلام لهم من جهة وجهلي بهم من جهة أخرى و في كل خطوة كنت أعلّق في ذاكرتي إنطباعات جميلة عنهم وأنا أكتشف جمال المدينة و روحها وألامس طيبة أهلها و نضجهم .. راقني أن أجد البلاد فسيحة و نظيفة و في كل شارع ورشات بناء تُنْبِت بناءات جميلة وأبهرني حضور المجتمع المدني في مجتمع يتشكّل بخطى حثيثة خاصة وجود المرأة التي تحاول أن تساهم في بناء هذه البلاد القديمة التي تضرب في عمق التاريخ و يحيل إسمها ( كوردستان ) إلى أن هذه الأرض تنتمي إلى الكرد ولا أحد غيرهم ( تعني لفظ كوردستان المشتقة من كرد و ستان بلاد أو أرض يسكنها الكرد ) 
جرح غائر :* 
من حظي الجميل أن وافق اليوم العالمي لمناهضة التعذيب ضد المرأة فعاليات مهرجان كلاويز و تمّ التنسيق بين إدارة مهرجان كلاويز و المقهى الثقافي الذي نظم إحتفالية نسوية بهذا اليوم دُعيت إليها المفكرة المصرية الدكتورة نوال السعداوي و من ضمن البرنامج الإحتفالي كان ثمة زيارة إلى مدينة حلبجة..
كانت فرصة رائعة أن أزور أحد الجروح الغائرة في كردستان ..
حلبجة اشتق هذا الإسم من مدينة حلب تيمّنا بجمالها وهي مدينة صغيرة في حجم فراشة جثم عليها تنّين خرافي خرج من كهف الحقد الأعمى و سحقها بالغاز الكيمياوي، كان يمكن لهولاكو النظام البعثي أن يختار طريقة أخرى للموت ويمكن للموت أن تكون له طرقا أكثر إنسانية وأقل عنفا ولكن هولاكو إختار طريقة ماكرة إذ يكفي أن يشمّ الناس الغاز الكيمياوي بنكهة التفاح حتى يسقطون صرعى في أماكنهم.
عمر خاور :* 
كان عمر خاور رجلا بسيطا من أهالي حلبجة كانت أجمل أمنياته أن ينجب ولدا بعد أن امتلأ صخب البيت بسبع بنات و عندما رقّ الله لحلمه وكان له ما تمنّى طلع عليه هولاكو النظام البعثي في العراق فلَمْ يلاعب عمر صغيره ، لم يلاغيه، لم يضمّه إلى صدره جيدا، لم يقبّله كثيرا .. الاله حقق أمنية عمر خاور و هولاكو سرق حلم الرجل فقتله وقتل كل الأطفال و العصافير و الأشجار.. كانت الريح السامّة التي أرسلها هولاكو تستلّ الأرواح بسرعة قياسية ..وعمر يحضن ولده يريد أن يحميه من الموت و لكنه سقط على عتبة البيت و لم ترحم الريح رضيعه الذي فتح فمه للغاز يملأ بطنه الصغيرة و أغمض جفنيه على صورة أب يعشقه.. عمر خاور مات وهو يعتقد أن الموت سيرفّق برضيعه فيتركه و يتلهّى بالصخور يفتتها، عمر خاور مات ولم يدر انه تحوّل إلى رمز مدينة في حجم فراشة وتستحق الحياة، ثمة إمرأة ماتت أيضا و الخبز على التنّور نَضُجَ و لم يجد يدا تحركّه، ثمة أطفال صرعى في ساحة البيت و الدُمَى شاهدة عليهم، ثمة صَبِيّة ماتت تحضن ثوب عرسها، ثمة أطفال سقطوا على كراساتهم و درس الإملاء لم ينته بعد، ثمّة هاربون إلتحق بهم الموت و نكّل بهم لأنهم أصرّوا على الحياة..
!! ثمّة إله يتابع ما يحدث بصمت مريب..
قطع بلّورية :*
لم أتمالك نفسي و أجهشتُ بالبكاء و أنا أرى أسماء !خمسة آلاف شهيد في قطع بلورية وتَعكسُ الضوء.
إنهرتُ وأنا أرى كل تلك المجسّمات الفظيعة والصور القاسية التي تمعس الرّوح وتذيب القلب ..
المتحف كبير يضمّ أقساما مختلفة تخلّد المجزرة قِسم للمجسّمات، قِسم للصور الفوتوغرافية، قِسم للتوثيق الصوتي حيث يطلع صوت علي الكيمياوي متحدثا عن أوامر هولاكو بقصف حلبجة و إبادة أهلها وقاعة كبيرة للندوات، كنتُ أجلس بجانب الدكتورة نوال السعداوي وهي تتحدث عن إنطباعها الموجوع لهول المجزرة واكتفيت بتحية صغيرة تنزّ ألما و قصيدتين لكوردستان كان صوتي يرتعش خجلا مما حدث لمدينة صغيرة في حجم فراشة وجميلة ، كنتُ أجهد نفسي لإخفاء دموعي حتى لا تفضح ضعفي أمام تلك الصور الرهيبة التي تكشف مدى توحّش الإنسان تجاه الإنسان. 
كانت مشاعري متلاطمة بين فرح أن أزور حلبجة وصدمة أن أكتشف هول المجزرة وألم أن ألمح الحزن الساكن نظرات الأهالي ولم يسقط الشجن عنهم إلى الآن والإعتزاز أن هنا شعب لا يموت..
شعب لا يموت :* 
الشعب الذي عاش أكبر مظلمة في التاريخ عندما قُطِّعت أوصاله الأربعة و وزّعت صَدَقَة على الجيران دون إستشارته .. 
الشعب الذي هُجِّر و أبيد و ناله من جحيم الهولاكيين الكثير و لكنه بعد كل مجزرة ينبعث من تحت الرماد ويحتفي بالحياة، يبدو شغف الكرد بالحياة في هذه الألوان الزاهية التي تلتحف بها النساء والفتيات في حفلات الأعراس المنتشرة في الحدائق العامة، في لذائذ الأكل وأصناف الطعام في التعلّق بالطبيعة و الإحتفال بالرّبيع وعشق الورود و الأشجار ومحاكاة الجبال و في كل ذلك يتأثر الكرد بالطبيعة فيأخذون منها طبائعهم. لذلك لا تتفاجئ إذا وجدت رفض الظلم أحد السّمات البارزة في الشخصية القاعدية الكردية و لذلك إنبهر العالم بالنساء المقاتلات في كوباني ( عين العرب ).
النساء الكرديات لم تختبئن في البيوت و لم تُغَلِّقْنَ الأبواب دونهن وهن يرتعشن من شدة الخوف بل ذهبن إلى الجبال و حملن السلاح في وجوه عصابات داعش لتدافعن عن شرف وطنهن .. 
شاعرات و مقاتلات :*
انبهرتُ عندما وجدت من نساء المدينة من كن في جبهة القتال مثل الشاعرة و المترجمة دلشا يوسف التي اختارت أن تؤجل حبها لفتاها ( الشاعر لقمان محمود ) و تختار حبها لوطنها ثم تعود من الجبهة لتحارب من خلال قصائدها.. و تفاجأت أن النساء حولي لا يميزن كثيرا بين الجهاد في جبهة الحرب وبين العمل في مؤسسات المجتمع المدني لذلك التقيت نساء نموذجيات مثل جرو شهاب و بليسة فرمان و هلالة رافع وأمل جلال محمد و بهرة عثمان و سوزان شهاب و صبيحة شير و جنور محمد أمين وغزال خضر و غيرهن كثيرات .. منهن من اختارت العمل السياسي ضمن هياكل المجتمع المدني و منهن من اختارت العمل الإبداعي .. و كلهن خلفية لصورة المرأة الكردية المقاتلة التي تحسن التعامل مع الكلاشنكوف و تضع طفلها في حجرها أثناء إستراحة القتال لترضعه حب الوطن، إمرأة مقاتلة لفتت إنتباه العالم إلى قضية شعبها ويرفع لها الجميع قُبعة الإعجاب ..
أعتقد أن من أكثر البلدان التي إنطبعت في وجداني و ذاكرتي هي كوردستان التي أحببتها من خلال جراحها و موسيقاها التي يسكنها الشجن وألوانها التي تضج بالحياة و النظرات الحزينة التي تخفي حكايات موجعة و الجبال الشاهقة التي لا تنهزم والأشجار العالية التي لا تطأطأ..
بلاد عميقة :*
عدتُ إلى بلادي و قد أدمنت تنسّم أخبار المقاتلات الكرديات اللاتي أشعر بوقع خطاهن في كبدي و على أوراقي، أشعر بتأثيرهن في نظرتي للحياة، هذه الحياة اللاّتي لا تستلقي الكرديات على الأرائك ينتظرنها لتأتي على طبق ذهبي وإنما تعجنّ الحياة بطريقتهن و تطوّعنها على شكل كلاشينكوف للقتال و ناي للغناء و وردة تغرسها بجانب بيتها..
عدتُ الى تونس و أنا أشتهي لو تمطّطت أيامي في كردستان لم أكن أحبّ أن أغادرها، ليس من السهل أن تتخلى عن بلاد جميلة و ساحرة و عميقة و طيبة و حنون.
كوردستان حلم لا يخطر ببال .. 
عندما دخلتها كانت في ذهني مجرد فكرة غائمة ولكن غادرتها و أنا أحمل حقيقة عنها : إنها هويّة مستقلة بذاتها في لغتها في ألوانها في روائحها في سحرها. غادرتها و أنا على يقين أنها بلاد متفرّدة في جراحها في نكبتها، في الشجن الذي يسكن موسيقاها في طيبة أهلها و في جمال نسائها ..
و أخجل لإكتشافاتي الحديثة من بلاد قديمة تعني الأرض التي يسكنها الكرد والتي تُبنى الآن بشكل حثيث لتصبح عنوانا جديدا للحرّية تصنعها النساء على قدم المساواة مع الرجال.
أكتب الآن و أستمع إلى صوت ناي تعزفه كردية في ساحة الحرب بعد أن هدأت أصوات الكلاشينكوف .. كأني أستمع إلى الناي لأول مرة كأني اكتشف شجنه العميق وهو يخترق الفضاء ويمتدّ في إتجاه الأيام القادمة.
أستحضر الآن كل لحظاتي في كوردستان و حنين شديد يهزني إلى شوارعها إلى ألوانها إلى روائحها .. حنين يشدّني إلى حلبجة مدينة صغيرة في حجم فراشة و تستحق الحياة.
!!أكتب و لا أريد أن أنهي مقالتي .. كم أحببت تلك البلاد.
______________
شاعرة وإعلامية من تونس*
المقال نُشر في الملحق الثقافي لصحيفة ” الشرق ” القطرية* 

شاهد أيضاً

وجوه الحب الثلاثون..الحبُّ كالزمن.. لا ينقسمُ ولا يُقاس

*علي حسين أراد له والده أن يصبح محامياً، في الوقت الذي تمنت فيه  والدته  أن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *