الرئيسية / إضاءات / فصول من السيرة الذاتيّة لـ”كولن ويلسون”/11

فصول من السيرة الذاتيّة لـ”كولن ويلسون”/11


*ترجمة وتقديم: لطفية الدليمي


أرسلَني غولانز مرّة لغرض التقاط صورةٍ لي للأغراض الصحفيّة العامّة و كنتُ حينها أرتدي بلوزةً ذات رقبة من النوع الّذي كنتُ أرتديه أثناء عملي في المستشفى الغربيّ Western Hospital ومنذ ذلك الحين صرْتُ مغرماً بهذا النوع من البلوزات و التقطْتُ صورةً لي في محلٍّ يقعُ في شارع هارو Harrow Road و رغم أنّها لم تكن بالجودة المرغوبة لكنها كانت تظهرُ دوماً أثناء أيّة مناسبة صحفيّةٍ تخصّني أو عند تناول نشاطاتي العامّة . كانت تلك أيّاماً جميلةً رأيْتُ فيها الكثير من الناس و أمضيْتُ خلالها أيّاماً طويلة و أنا أتحدّثُ إلى صديقي بيل هوبكينز و حضرْتُ بعض أجمل الحفلات في حياتي كما عملْتُ في بعض الأعمال الغريبة عندما كنتُ على حافّة الإفلاس : فقد عملْتُ لبضعة أسابيع في مقهىً يقعُ في نورثمبرلاند ، وعملْتُ لبضعة أسابيع أخرى في صنع الأعلام لبعض المنظّمات الطلّابيّة لمناسبة يوم العَلَم Flag Day و لم تكن جوي أقلّ إفلاساً منّي آنذاك فقد أخبرتْني يوماً أنّها ذهبت للعمل وهي تتضور جوعاً لأنّها لم تملك ما يكفي من المال لشراء طعام بسيط !! و كانت تعملُ حينها نادلة في مقهى يقعُ في كينغزواي Kingsway . فشلت صداقتي الّتي توقّعتُها آنذاك مع إلياس كانيتي في أن تنمو كما أردْتُ لها : فعندما علم غولانز بأمر لقائي مع كانيتي طلب إليّ الكتابة إليْه و سؤاله إن كان لا يُبدي ممانعة في كتابة مُراجعةٍ لكتاب اللامنتمي بعد أن ينشر ، و هكذا مضيْتُ بناءً على رغبة غولانز و كتبْتُ رسالةً إلى كانيتي بهذا الشأن و لكنّني تسلّمْتُ رسالة جوابيّة قاسية اللهجة من زوجته تقولُ فيها أنّ زوجها لا يراجعُ كتاباً لأحدٍ و بأنّه يرى في طلبي نوعاً من الخطأ الفادح غير المسموح به .
عندما حلّ يوم السبت 26 أيار كان موعد النشر المتوقّع لكتاب اللامنتمي هو الإثنيْن القادم و قرأتُ في واحدةٍ من الصحف المسائيّة ذلك اليوم خبراً يشيرُ إلى أنّ عدد الاوبزرفر القادم سيحتوي مقالةً بعنوان “هل العباقرةُ كائناتٌ لامنتمية ؟ ” ، و في صباح اليوم التالي هرعْنا أنا و جوي و اشتريْنا الصحيفتيْن الأدبيّتيْن الأكثر شهرةً أدبيّة يوم الأحد : الأوبزرفر و الصنداي تايمز وانطلقْنا إلى غرفتي و بدأنا بالقراءة هناك : قرأتُ في الأوبزرفر مراجعةً نقديّة لكتاب اللامنتمي كتبَها فيليب توينبي Philip Toynbee وضعَني فيها موضع المقارنة مع سارتر وختم مراجعته بقوله أنّه يفضّلُ أسلوبي و طريقتي في الكتابة ، و في الصنداي تايمز كتب سيريل كونوللي Cyril Conolley مقالةً يُشيدُ فيها بالشاب ذي الأربعة و العشرين عاماً و الّذي أنتج الكتاب الأكثر جودةً بين الكتب الّتي قرأها كونوللي في حياته ،،، ثمّ مضى إلى القول ” لهذا الشابّ ذكاءٌ بديهيّ سريع و قدرة على التحليل المنطقيّ يمكنه استخدامها مع حالاتٍ مختلفة من الوعي تستعصي على التحليل ،،،،” ثمّ خلص إلى القول “ينبغي عليكم أن تُبقوا أعينكم مفتوحةً على السيّد ويلسون و ليكن أملُكم راسخاً في أنّ عقل السيّد ويلسون و حيويّته و آلته الكاتبة ستبقى مُصانة ،،،، ” ، و بينما كنّا أنا و جوي نقرأ هذه التعليقات جاءني أحدهم من سرداب المبنى الّذي نُقيمُ فيه ليهنّئني على المراجعة الّتي قرأها عنّي في صحيفة ( إيفنينغ نيوز Evening News ) و كان الناقد جون كونيل John Connell كتبّ فيها مراجعةً بعنوان ” كاتبٌ كبيرٌ و هو لا يزالُ بعمر الرابعة و العشرين ” ، و تتالت طلباتُ الحديث معي عبر الهاتف و ظلّ هاتف جاري غير المحظوظ يرنُّ في طلبي بلا انقطاعٍ لأسبوعٍ كامل ، و في يوم الإثنيْن الّذي نُشِر فيه اللامنتمي تجمّعت لديّ كومةٌ عاليةٌ من الرسائل : فقد أراد كلّ من أعرفُهُ من الأصدقاء أن يكتب تهنئة لي حتّى أنّ مدير مدرستي الثانويّة كتب لي تهنئةً حارّة يقولُ فيها ” أصابَني الذعرُ و أنا أقرأ مقالة سيريل كونوللي عنك و الّتي ابتدأها بالسؤال ( من هو كولن ويلسون ؟ ) “. كانت تتملّكُني آنذاك رغبةٌ ملحّة في السفر فجر اليوم التالي بالقطار إلى ليستر ورؤية أحد أحلام يقظتي الطفوليّة وهي تتحقّق : إذ لطالما حلمْتُ و أنا أقضي معظم وقتي عندما كنتُ صبيّاً في تفحّص الكتب بمكتبة ميدلاند التعليميّة Midland Educational Book Store أن أرى غلاف أحد كتبي معروضاً في واجهة المخزن ، و لكنّ النجاح المدوّي لكتاب اللامنتمي مع ما ترتّب عليه من التزاماتٍ كثيرة في لندن وقف بوجه إتمام زيارتي هذه . كان أسوأ ما حصل آنذاك أنّني دعوْتُ زوجتي السابقة بيتي – الّتي كانت تبحثُ عن شقّة لها آنذاك – إلى لندن والمكوث في غرفتي بينما كنتُ أعدّ العدّة للسفر إلى ليستر يوم الإثنين 28 أيّار و هو ذات اليوم الّذي نُشِر فيه الكتاب ، فجاءت بيتي لتجدني وسط دوّامةٍ من النجوميّة و الإطراء لم تكن لتتوقّعهما أبداً إذ كانت طلباتُ المحاورة و الحديث عبر الهاتف لا تنفكّ تنهالُ عليّ و كانت بيتي لا تزال زوجتي ولم نكن تطلّقْنا بصورة قانونيّة و الحقّ أنّها كتبت لي قبل بضعة أسابيع من نشر اللامنتمي لتقول أنّها لا تزالُ تأملُ في مواصلة العيش معاً كزوْجيْن ، و عندما رأت معالم النجاح المدوّي لكتابي شعرَتْ أنّ من الإنصاف مُشاركتها لي ببعض ثمار هذا النجاح و لكنّني عشْتُ مع بيتي كزوْجٍ لمدّة ثمانية عشر شهراً فقط بينما كانت علاقتي مع جوي تمتدُّ لسنتيْن و نصف السنة ، فهل كانت بيتي تتوقّعُ منّي أن أذهب إلى جوي و أقول لها ببساطة ” جوي ، أنا آسفٌ ، سأعودُ إلى زوجتي السابقة بيتي !! ” ، و هكذا ثلم شعوري بالذنب تجاه بيتي من طعم النّجاح المدوّي الّذي تحقّق مع نشر اللامنتمي . 
طلبتْ إليّ صحيفة الصنداي تايمز أن أقوم بمُراجعاتٍ منتظمة للكتب فيها لقاء أربعين جنيهاً لكلّ مراجعةٍ و عندما سمعْتُ بعرضها هذا حبسْتُ أنفاسي لأنّ العرض كان مجزياً للغاية فوافقْتُ على الفور بالطبع ، كما طلبَت إليّ قناة الـ BBC و بعضُ القنوات المستقلّة تسجيل برامج حواريّة معي و كان مُراسلو الصّحف يطرقون بابي بمعدّل أربعةٍ كلّ يوم ، و تناولْتُ وجبتي الفاخرة الثانية في مطعمٍ بصحبة جيوفري سمث من صحيفة الصنداي تايمز كما اتّصلت بي مجلّة لايف Lifeو طلبت تعريفاً وافياً عنّي مع صورٍ فوتوغرافيّة مناسبة . 
حصل بمحض المُصادفة أنّ مسرحيّة جون أوزبورن John Osborne المسمّاة ( أنظر وراءك بغضب Look Back in Anger ) عُرضت للمرّة الأولى على مسرح القاعة الملكيّة قبل أسبوعٍ من نشر اللامنتمي ، و ظهرت مُراجعاتٌ بشأن العمليْن في ذات الوقت على صفحات الصنداي تايمز كما خصّنا الناقد جي. بي. بريستلي بمقالةٍ مشتركة في صحيفة نيو ستيتسمان New Statesman ، و كانت صحيفة التايمز استخدمت توصيف ( الشباب الغاضب Angry Young Men ) و سرعان ما تلقّفت الصحافة هذه العبارة و حوّلت هؤلاء الشباب إلى جماعةٍ شبيهةٍ بالطوائف الدينيّة المغلقة و مضت العبارة تتكرّرُ في الصحافة على نحوٍ مزعج طوال الصيف حتّى غدا الجميع متطيّراً منها ، و كان السبب المباشر وراء كلّ هذه الضجّة الصخّابة هو أنّ النقّاد لطالما اشتكوا لسنواتٍ من غياب جيلٍ جديد من الكُتّاب المبرزين في أعقاب الحرب العالميّة الثانية و كانوا يُحاججون أنّ العديد من الكتّاب الّلامعين ظهر بعد الحرب العالميّة الأولى : جويس ، إيليوت ، باوند ، هيمنغراي ، فولكنر ، دوس باسوس ، ويندهام لويس ، فيتزجيرالد ، ألدوس هكسلي ،،،،، و مضى النقّاد إلى القول أنّ نهاية الحرب العالميّة الثانية لم تشهدْ انفجاراً مماثلاً في الكتّاب النوابغ باستثناء عددٍ منهم يعدّ على الأصابع : آنغوس ويلسون ، كينغزلي أميس ، آيريس مردوخ ،،، و هكذا عندما نُشرَ عملي وعمل أوزبورن في ذات الأسبوع التقطت الصحافةُ الحدث لتُبشّر بولادة الجيل الأدبيّ الموعود الّذي طال انتظاره !! . كان أوزبورن حالةً شديدة الخصوصيّة : كان ممثّلاً شابّاً متعجّلاً ذا ميلٍ طبيعيّ في إثارة الآخرين و إيقاع الأذى بهم ، و كان يكنّ كراهيّة عمياء لوالدته و لم تكن كراهيّته لزوجته الممثّلة لتقلّ عن كراهيّته لوالدته ، و كانت له عادةٌ – شبيهة بموهبةٍ طبيعيّة متأصّلة فيه – و هي القدحُ بالآخرين و بخاصّة من المقرّبين منه : فقد أخبرَني إحدى المرّات أنّه يتمنّى أن تضاجع غوريللا مصابةٌ بالسفلس إحدى الفتيات من اللواتي كان يكرههنّ كراهيّة تفوقُ المألوف ، و كان أوزبورن على العموم رجلاً مفتقداً للانضباط و النقد الذاتيّيْن . عندما دعاني أحد الأصدقاء لمشاهدة مسرحيّة أوزبورن صحبة جوي في الأسبوع اللاحق لنشر اللامنتمي كرهتُها إلى حدّ بعيد : رأيْتُ في المسرحيّة خليطاً من إشفاقٍ مرضيّ على الذات مقترن بمزاج سيّئ ، و كان متوقّعاً أن يرى فيها النقّاد عملاً فقيراً في هيكليّته و يفتقد الانضباط المسرحيّ المطلوب . ولكن حصل أنّ ناقداً أكسفورديّاً لامعاً يدعى ( كينيث تينان Kenneth Tynan ) أراد أن يشيّد لنفسه اسماً نقديّاً ذا سطوة في عالم النقد فراحَ يكتبُ عن المسرحيّة باعتبارها فرصةً للتعبير عن مقته الشديد للحضارة الرأسماليّة لأنّ الرجل كان من مُحبّي برتولد بريخت Bertold Brecht فاندفع في كيْل عبارات المديح بحقّ مسرحيّة أوزبورن !! ، و من جانبٍ آخر كتبَ أحد نقّاد الجيل الأقدم من تينان – و هو الناقد المسرحيّ لصحيفة التايمز هارولد هوبسون Harold Hobson – نقداً هادئاً مهذّباً و موضوعيّاً بخصوص مسرحيّة أوزبورن و خلص إلى حقيقة أنّها كانت تحكي عن لاشئ !! و لكنّ أثبتت عبارات تينان المفخّمة سطوتها و غلبتها لأنّ أيّ تعبيرٍ عن التحفّظ تجاه المسرحيّة وقتذاك و بأيّ شكلٍ من الأشكال كان سيُفهمُ منه أنّ كاتبه محضُ رجعيّ قديم يبعثُ على الضجر . طلبت صحيفة الديلي إكبريس من الثلاثيّ ( جون أوزبورن ، كولن ويلسون ، و الكاتب المسرحيّ ذي الثمانية عشر عاماً مايكل هاستنغز ) كتابة سلسلة مقالاتٍ لها تحت عنوان ( الشباب الغاضب ) لبيان الأسباب الّتي دعتْهُم إلى الغضب ، و الحقيقةُ الصارخة هي أنّني لم أكنْ غاضِباً طيلة حياتي باستثناء تلك السنوات الّتي كنتُ أعملُ فيها في اعمالٍ غير محبّبة إلى روحي ، كما أنّني اليوم صرْتُ كاتباً مْعترفاً به و ليس ثمّة من سببٍ وجيه لغضبه ولكنّ الديلي إكسبريس كانت تدفعُ لكتّابها بسخاءٍ لذا لم أجدْ غضاضةً في الكتابة إليهم وهكذا ساهمْتُ عن غير وعيٍ أو قصديّة مسبّقة في تأسيس أسطورة الشباب الغاضب و لم تكن لديّ حينذاك فكرةٌ عن حجم الكراهيّة الّتي سأحملها تجاه هذه الأسطورة لاحقاً.
_________
*المدى

شاهد أيضاً

كيف نقاوم وباء التضليل الماحق؟

*حبيب سروري تناولت، في مقالي السابق، إحدى مصائب عصرنا التكنولوجي الجديد: “ما بعد الحقيقة”، وشكليها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *