الرئيسية / كتب / رواية ” مايسترو ” للأديبة التونسية آمال مختار

رواية ” مايسترو ” للأديبة التونسية آمال مختار


( ثقافات )


ننشر تاليا رواية ” مايسترو ” للروائية التونسية آمال مختار هدية لأصدقاء ” ثقافات ” :


الكتاب: مايسترو
المؤلف: آمال مختار
النوع الأدبي: رواية
الطّبعة: الأولى
تصميم الغلاف: رياض الغربي
الناشر: دار سحر للنشر
المطبعة: المغاربيّة للّطباعة والنّشر
ر. د. م. ك: – 28 – 9973
الثمن: 7.5 د.ت
سنة النشر: الثلاثية الأولى 2006
جميع الحقوق محفوظة للناشر

إلى الذّكر النائم في أنوثتي.

آمال

1

سألني صوت: “ألم تكن تدري أنّ الله قد حرّم قتل النّفس؟”
ضحكت. أين أنا، بل من أنا؟
ثمّ قلت له:
(دقّت أجراس الكنيسة في الفضاء ليلامس رنينها القلوب فتلبي النداء …
وحدي أنا لم أكن أقدر في تلك الصبيحة الشتائية الباردة على الحراك.
كانت رأسي ثقيلة. وكان جسدي يتآمر ضدّي مع التّعب جرّاء السّهر والمتعة التي ظللت أعبّها طوال اللّيل حتى تركت الجسد الذي منحني إيّاها أشلاء…
جسد تلك السّمراء التي أينعت في رغبتي مذ رأيتها تتجوّل على سطح الباخرة…
رميت يدي أبحث عن جسدها الذي سكنته في اللّيلة الماضية. لكنّني لم أجد لها أثرا.
لا شيء إلاّ رائحتها تملأ روحي، ووجهها يعاني سكرات المتعة ظلّ موشوما في ذاكرتي. نادرا ما تترسخ في ذاكرتي وجوه النّساء اللاتي ضاجعتهن. بل تبقى منهنّ أجزاء… من هذه عنقها، من تلك مؤخرتها المنحوتة نحتا، من الأخرى ابتسامتها التي أوقعت بي. ومن غياهب الطفولة أصابع الجارة المشقّقة والقذرة التي تلاعبت بجسدي الخاضع لسحر صوتها المبحوح وهي تهمس بدهشة: “هاهو عندك يا مقصوف”.
منذ تلك القيلولة التي تلمّست فيها الذّكورة ظلّ كلّ صوت مبحوح يثيرني وظلّت أصابع النساء تسند وتدي فلا ينكسر ولا تتكمّش خيمة لذّتي أبدا…
ظننتها في الحمّام، هممت بمناداتها. يا ربّ كيف أنسى اسم ذلك الجسد الذي منحنى كلّ تلك السّعادة وكل ذلك الإنتشاء حتى أنّ رأسي ثقلت من فرط الانغماس فيه ذاك الأسمر الممشوق؟
هكذا هي ذاكرتي دائما تسجّل كل ما يروقها من صور وتسقط كلّ ما لا تحدس أنّه ذو أهميّة. أما الأسماء والأرقام فأنا لا أسعى لمعرفتها أصلا، إذ لا موقع لها في ذاكرتي.
تحاملت على نفسي ونهضت وقد تعتعتني المتعة. انتابني إحساس بجوع فظيع. واشتهيت أن آكل كسكسيّا بالخضر ولحم الضأن. اصّاعد بخار الكسكسي حتى غمر أنفاسي عابقا برائحة فاطمة والدتي.
كانت أمّي طبّاخة ماهرة، تجيد طبخ كلّ أنواع الأكل، المالح منه والحلو. أمّا الكسكسي فيظل أهمّ إختصاصاتها التي ورثت عنها حذقها حتى أنّني فكرت ومازلت أفكر في أن أنشئ مطعما مختصا في طبخ الكسكسي بجميع أنواعه: كسكسي ربعي بالخضر، كسكسي صيفي بالحمص والبصل الأحمر والقرع، كسكسي بالمناني، كسكسي بالبوري، كسكسي الأفراح بلحم الضأن والحمص والزبيب، كسكسي بالخرشوف، كسكسي بالفول الجاف والقديد…
بلغت غرفة الحمام، دخلت كمن يريد أن يغتسل بعد التهام وليمة. لم أجدها. استغربت انسحابها بكل هذه البساطة. عدت إلى الغرفة أبحث عنها لعلّها تركت لي ورقة تضمّ بين طيّاتها كلمة منها أو عنوانها أو طريقة الإتصال بها. بحثت في كل مكان… في جميع الأدراج… في الحمّام… لم أعثر إلاّ على الخيبة. انقبض قلبي.
لأوّل مرّة تنفلت من بين اهتمامي إمرأة وقد تعودت عليهن جميعا متشبثات بي وقد سحرتهن حتى الخدر. كنت كثيرا ما أعاني من التخلّص من ملاحقاتهن ممّا دفعني غالبا إلى أن أكذب في تقديم معلومات عن شخصي.
غير أنّ هذه السّمراء التي شدّتتني إليها بسحر خاص فاجأتني باختلافها عن الأخريات…
تطلعت في المرآة إلى وجهي وصدري العاري بغابة شعره السّوداء الكثيفة. مرّرت كفّي على لحيتي، الزغب خدش مخمل بشرتها.
هل أحلقها اليوم؟ أم أتركها حتى أعود إلى “الجزيرة العائمة”؟
ظلّت كفّي تروح وتجيئ على خدّي في حركة لاإراديّة، في إحدى الحركات بقي خدي مجذوبا إلى أعلى. عدت إلى ملامحي أحاول تصليح الخلل فيها. لو يُرفع الجلد في زاوية وجهي فيمّحي ذلك الانكسار في طرفي عيني الضيّقتين وحاجبيّ.
قبضت على أنفي بسبابتي وإبهامي. لو خففّت من حجم هاتين الأرنبتين، لو قلّلت من طوله، لو رفعت عنه هذه الحدبة. لأصبح أكثر انسجاما مع بقية ملامحي.
لا بدّ أن أعترف بأنّي قبيح الوجه بل لا بدّ أن أعترف أنّي بشع. لو أعترف بذلك سأخفّف من هذه العقدة التي تسكنني منذ طفولتي!
أولئك النسوة ما الذي يدفعهنّ إلى أحضاني وأنا بمثل هذه الملامح البشعة…؟
غير أنّ الضحكة التي انفجرت في فمي فاجأتني بالسخرية من ملاحظتي. هل مازالت العقدة من قبحي تتسلّل إليّ من الثنايا السريّة؟ كيف أسمح بذلك وأنا في أوج إحساسي بعنفوان الشباب، بصخب الرّغبة الهادرة في إلتهام الحياة … الحياة!!!لم أشبع منها بعدُ… لن أشبع…!
وهذا القبح الذي ولدت به كيف سيصبح بفعل السنوات والزّمن؟ وهذا الأنف الطويل والغليظ؟ وهاتان الشفتان الزرقاوان المتدليّتان؟ وهاتان العينان الضيّقتان اللّتان لا تكادان تبرزان من تحت غابتي حاجبيّ الكثيفين؟ فقط هذه الأسنان المرتبة النّاصعة هي التي يجب أن تقاوم الزّمن، فهي التي أنقذت ابتسامتي وضحكتي اللتين أجمعت كل النّساء اللائي عرفتهن وسأعرفهنّ على أنّها بوابة السقوط في فخاخي التي لم أفكّر قط في نصبها.
أصدقائي… لا عفوا، ليس لي أصدقاء… معارفي من الرّجال هم الذين كانوا يشدّدون على ذكر قبح وجهي: “قل لنا سرّ وصفتك يا عفيف؟ قل لنا كيف تسحر النساء؟ هل هو قبح وجهك أم جمال روحك؟”. لم أكن أغضب، فأمّي زرعت في أعماقي إحساسا بالجمال جعلني أعتقد دائما أنّني أجمل رجل وُجد على وجه الأرض، بل لعلني أثناء سكراتي بمتع الأجساد التي سقطت في أحضاني كنت أحسّ بأننّي يوسف.
كنت يوسف لدى الذين يدّعون صداقتي بل أخوّتي وبينما كنت أصدّقهم في لحظات الاستمتاع بكلامهم المعسول.كنت في عمق ذاتي شديد اليقين من أنهم يكذبون ومن أنهم يربّون الذّئاب في معسول الكلام ومن أنهم ما فتئوا يحاولون تحويل وجهتي صوب البئر لأسقط، لكن المعجزة كانت دائما تنقذني.
أيقظ برد الماء جميع حواسي فاستفقت من خدر اللّيلة الماضية التي انطبعت فجأة في كتاب ذاكرتي واضحة جليّة. انفلتت زخّات الماء من الدشّ قويّة، سال الماء يخز أكتافي ثم ينزل مع استدارات الجسد فينسدل الشعر الذي يكسو الصدر والبطن.
مرّرت المنشفة على ظهري ثمّ على ذراعيّ. عندما أنزلتها من على وجهي إلى رقبتي وصدري انتبهت إلى أن السّلسلة الفضيّة التي كنت أعلّقها لم تكن حول عنقي.
ضاعت يد فاطمة. تقاطر وجع مرّ في أحشائي.

2

أرقد الآن بسلام. وأشتاق إلى ملاقاة الله الذي آمنت به وعبدته طوال سبع وخمسين سنة. هي كلّ السنوات التي عشتها في انتظار الموت. ها أنّي الآن في هذا المكان الضيّق أنتظر يوم البعث، أتطلّع بلهفة إلى رؤية ربّي، ولقاء أهلي وأصدقائي.
أتململ ضجرا وألما. لقد أكل الدّود لحمي وتعبت عظامي من الرّقاد الدائم حتى يوم لا أعلم متى سيجيئ.
قضّيت عمري أعبد ربّي وأصلّي له وأعيش حياتي في انتظار الموت وها أنا الآن أنتظر مرّة أخرى. أنتظر اليوم الموعود الذي آمنت به بل تلهفت وأتلهّف إليه الآن.
أنا الحاج الطاهر بالقايد أتمدّد تحت حجر اللّحود أتفرّج على حياتي التي عشتها. الآن لديّ من الوقت الكثير حتى أمرّر الشّريط كيفما شئت وأتوقف عند المشهد الذي أريد، وأدقّق في المنظر الذي يشدّني، فأتفحّصه وأعيد قراءته.
طوال الحياة وأثناء الانشغال بها وبمتعها لم يكن لديّ الوقت للتفكير فيها. كنت مشغولا بها عنها. الآن وسط هذه العتمة المطبقة لدي كل الوقت.
هاه… ثمّة خطوات قادمة. فلأصمت الآن. إنّي أسمع وقعها يقترب، إنّها خطوات رقيقة، هي خطوات امرأة. عرفتها. إنّها خطوات زوجتي، أرملتي فاطمة، هاهي تجلس على قبري. اليوم هو الجمعة، لم تنقطع عن زيارتي منذ يوم وفاتي، كانت في البداية تزورني يوميّا… وتظلّ تبكي وتبكي. كان ذلك يوجع روحي، كنت أخاطبها وأصبّرها وأعدها بأنّ يوم اللّقاء لقادم، لكن… هل كانت تسمع خطاب روحي لروحها؟
إنّها لوفيّة هذه المرأة التي اخترتها وعشت معها ما يناهز الثلاثين سنة. لقد كانت مخلصة لي ولعائلتها وابننا عفيف الذي أكرمنا الله بإنجابه بعد سنوات عجاف ملأناها بالصّبر الطويل.
ظلّت أرملتي مواظبة على زيارتي كل يوم جمعة وستظلّ كذلك حتى يوم وفاتها ورقدتها في قبر مجاور لقبري.
كانت أثناء زياراتها لي في حياتها تجيئني متعطّرة تفوح منها رائحة المسك. كانت تلك عادتها منذ زواجنا: الذّهاب إلى الحمام التّركي كل يوم خميس لتكون ليلة الجمعة ليلة عرس جديد. ليلة أخرى أكتشف خلالها مواهب زوجتي الطبيعية في مجال المتعة.
تزوجتها وهي بكر في الخامسة عشر من عمرها. منذ اللّيلة الأولى اكتشفت أنّها جمرة تحت رماد الحشمة. في الفترة الأولى من زواجنا كان الخجل يعْقِلها لكنّني علّمتها أن لا حياء في الدِّين وذكرت لها أنّ الله أمر في قرآنه بأن “نساءكم حرث لكم”.
ثمّ أصبحت فاطمة امرأة فنّانة، فكانت تنطلق في كل مرّة على سجيّتها لتكتشف هي نفسها أنّ جسدها يفاجئها دائما بالمزيد من الحماسة والموهبة. تحرّرت فاطمة بعد أن اطمأنت لي. تأكدت أنّ ذلك يتمّ في إطار زواج شرعي، غير أنّني كنت نهما، فلم تكن مواهب فاطمة وفنّياتها قادرة على إشباع ذلك النهم الذي سكنني منذ شبابي الأوّل.
كنت طالبا في جامع الزيتونة عند بلوغي، أحفظ القرآن وأقبل على الدّروس في الفقه وفي الحياة…
ذات يوم ناداني أحد أساتذتي إثر إنتهاء الدّرس وطلب أن يتحدّث إليّ. فاجأني الشيخ بأنّه كان مطّلعا على سريرتي إذ كان الموضوع الذي تحدث فيه يخصّ نهمي الجنسي الذي لم أكن لأعترف به بيني وبين نفسي. لقد كنت أشعر بميل أو – في الحقيقة – بانجذاب كبير، كأنّه المغناطيس إلى أيّة امرأة تمرّ أمامي. لكنني لم أكن أدري أن ذلك هو ما يسمّى الشبق أو النّهم كما قال لي الشيخ وقد اعتبره مرضا يجب أن أعالجه وإلاّ دمّر حياتي. ونصحني الشيخ بأن أغوص في عبادة المولى عزّ وجلّ والصّلاة وقراءة القرآن وحفظه حتى ينشغل بالي وأتجاوز محنتي كما سمّاها. في قرارة نفسي لم أكن مقتنعا بأنّي في حاجة إلى علاج.
كان كلام شيخي منطقيًّا، إذ كان يدعو إلى سلامتي من المتاعب التي تلوّح لي من بعيد بغبارها. حاولت في بداية شبابي أن أتّبع نصيحته فغرقت فعلا في ملكوت الله حتى تفوّقت في دراستي وأصبحت على صغر سنّي شيخا مدرّسا في الجامع إلى جانب شيوخي. غير أن ذلك الانجذاب الشديد إلى الأنثى لم يفارقني لحظة واحدة، بل اشتدّ وعظم حتى أصبح هو سبب حياتي ووتد كياني.
ها… ها إنّي أسمع شطفا على سطح قبري. لا بدّ أنّها أرملتي تنظفه كما تعوّدت أن تفعل في كل زيارة، ثمّ تملأ وعاء الماء المحفور في الرّخامة التي تغطّي سطحه والتي كُتب عليها اسمي وتاريخ ميلادي وتاريخ وفاتي مع دعاء وآيات قرآنية. هذا قبري… قبر الشّيخ الإمام الحاج الطاهر بالقايد وهذه المرأة التي تجلس عند رأس القبر هي أرملتي الحاجة فاطمة التي لا شكّ ستموت بعد سنوات وتأتي لتجاورني في مقبرة “الجلاّز” التي يشرف عليها بتونس “سيدي بلحسن الشاذلي”.
أمّا الآن فها هي توزّع الحلويات صدقة وترحّما على روحي، وهاهي تدعو المقرئ ليتلو بعض السور القصار وبعض الأدعية.
أمّا هي فإنّها ستتلو معه في سرّها ما تيسر من الآيات التي حفظتها.
طوال حياتي معها دأبت على تعليمها مبادئ الدين الحنيف وتحفيزها على حفظ القرآن الكريم. كنا خلال سهراتنا نتجادل في كثير من المسائل الدّينية، وقد أبدت فاطمة نباهة متميزة وفطنة كبيرة دلّت على ذكائها. هي تلك الفطنة التي أسعدتني وأتعبتني في ذات الوقت في علاقتي بحبيبتي فاطمة.
أسعدتني فطنتها ونباهتها لأنّهما ساهمتا كثيرا في تيسير الحياة بيننا. كانت سريعة الفهم، لبيبة، تتعلّم أعقد الأمور في لمح البصر.
وأتعبني ذلك إذ جعلها قادرة على قراءة أفكاري وأسراري.
أعترف لكم ولها الآن وقبل أن أعترف أمام ربّي بأنّي رغم حبّي الشديد لها كنت أخونها. لا أريد أن أسمي ذلك خيانة فالله منح الرجل حق التمتع بأكثر من امرأة. لكن في إطار شرعي…
كنت أخفي عن فاطمة كل زيجاتي. كنت ومازلت أحبّها إلى درجة لم أقدر فيها على خدش كبريائها بإعلان زواجي بأي إمرأة أخرى. كنت في نفس الوقت أدرك جيدا أنّ زواجي بأي إمرأة غير فاطمة هو مجرّد نزوة. هو مجرّد تلبية لنداء غريزيّ فيّ. كنت أحتاج إلى أكثر من إمرأة. كنت أحتاج إلى كل النّساء. فكان الزّواج السريّ هو الحلّ الوحيد. لم أكن مستعدا لعصيان ربّي وتلويث أخلاقي بالإعلان عن شبقي ولم أكن مستعدا للفت النّظر إليّ. فأنا الشيخ الإمام الوقور الذي لا يرفع نظره في النّساء فيغضّ بصره دائما. في الحقيقة كنت أفعل ذلك في البداية ثم تنتصر عليّ رغبتي فأسترق النّظر إلى الوجوه الحسنة وعندها تتهاوي قلاعي فأدعو صديقي عمر.
تجلجل ضحكة عمر في المقهى ويقول وهو يلملم أنفاسه: “أشم رائحة طلاق ثم زواج يا شيخ”.
أتنحنح وأتماسك حتى لا أخدش هيبتي وأردّ بوقار: “كعب ساقها الذي رأيته تحت “السفساري” مذهل، أنا متأكد أنّ صاحبته ستكون مذهلة!”. تظل ضحكة عمر بل قهقهته تتواتر، فيتردّد صداها في عتمة قبري.

3

لست أدري ما الذي يشدّني إلى زيارة تونس؟ بل ما الذي يسحرني فيها فأجدني أحبّها وأميل إليها أكثر من وطني إيطاليا.
زرت تونس أوّل مرّة رفقة أمّي التي حدّثتني طويلا عنها. وعندما تجوّلت في شوارعها لأوّل مرّة كنت أحسّ في أعماقي بأنّي أعرف هذه الشوارع. لكأني رأيتها سابقا. لكأنّ سحرا ما يربط بيني وبين هذه الأرض القريبة إلى نفسي أكثر من أرض جنوة بلدي.
أنا الآن لا أستطيع أن أعدّ المرّات التي زرت فيها تونس، ثمّ إنني لم أعد أسكن الفنادق كما كنت أفعل في بداية علاقتي بهذا البلد بل أصبحت أستأجر منزلا دائما أقيم فيه كلّما جئت تونس الساحرة التي ألفتها نفسي بل عشقتها كما عشقت نساءها المتوهجات.
النساء؟ أحبهنّ: السمراء، الشقراء، البيضاء كالحليب. السوداء كالقهوة، أمّا “الكابتشينو” فهي مقتلي.
أحبّ النساء والقهوة ولا أعتقد أنّ الحياة حياة دون نساء وقهوة.
تقول أمّي فالاريا مندهشة: ” لا بدّ أنّك ورثت ذلك عن والدك، فأنا لا أشرب القهوة”. ثمّ تقهقه ساخرة…
ينقبض شيء ما في أعماقي. تتقلّص عضلاتي ويتوتّر جسدي. فجأة يتحوّل خاطري إلى كابوس. وتطفو على السّطح كل تلك الأسئلة التي أشقتني وأشقت أمّي من غير أن نعثر لها على إجابة.
“من يكون والدي؟” سؤال حملته شرخا في هُويّتي.
فأنا “ألفريدو” أو “فريدو” كما يحلو لأمّي أن تناديني. كبرت دون أن أعرف لي أبًا ككل الأطفال في الدنيا.
كنت أسأل أمّي وأنا في رياض الأطفال فتقول إنه مات قبل أن أولد.
بعد ذلك تغيرت الرواية فأصبحت تقول إنّها طلقته قبل أن أولد وإنهما افترقا فراقا أبديا. فهو لم يترك لها عنوانا أو دليلا تستطيع بواسطته أن تعثر عليه في زحام الحياة. حملت سؤال الهوية شظيّة في رأسي. حتى أن “مخّي” لم يستوعب شيئا من الدراسة التي كانت أمّي حريصة عليها.
بلغت السنوات الأخيرة من التعليم الثانوي بتعب شديد.
ذات يوم رأيت الصباح أكثر ضياء. فنهضت باكرا على غير عادتي. أعددت قهوتي وجلست في “فيراندا” منزلنا المشرف على البحر. أطلقت بصري مع امتداد البحر وتهت في مدّ وجزر مع أمواج المتوسط.
قل لي يا بحر من أنا؟ قل لي يابحر من أكون؟
هل صحيح ما تقوله أمّي؟
أنا أحسّ بأنّها تكذب. وما تعدّد رواياتها إلا دليل على عدم صدقها.
قل لي يا بحر! أنا ابن من؟ أنا أحمل لقب أمّي، ولقب عائلة عريقة في جنوة. ألا يكفي ذلك لكي أكون؟ ألا يكفي جاه جدي واسمه وماله لكي أفخر بنسبي؟
لماذا تتقاطر عليّ الأسئلة؟؟ لماذا يقذفني بها رشّاش؟؟؟
ينغرز الرّصاص في صمت أمّي.
تتساقط الكلمات أشلاء.
تدخل أمّي بجسدها الفارع وسمرتها اللامعة كممثلة تدخل المشهد بلا استئذان.
كان آداؤها واثقا هذه المرّة. قالت لي وقد أصبح الإيقاع في صوتها مدوّرا كبالونات العيد في السماء: “فريدو! حبيبي! سأهديك سفرة جميلة إلى تونس. تونس بلد جميل، قريب مناّ ولا يختلف عنّا كثيرا. سنتحدث هناك طويلا. ربّما نصبح أصدقاء وندفن هناك هذا التشنّج الذي نعيش فيه كبِئْر معتمة ومهجورة”. وخزني وجع في صدري، غير أنّ هذه الوخزة مختلفة، والإحساس بها باذخ نشر في جسدي لهفة إلى هذه الرحلة الغامضة.
هاهي أمّي تزداد غموضا إذ تنشد الوضوح. هل تفلح حقّا في كسب ثقة قلبي المشروخ وكبريائي المجروح بالكذب الذي أشّمه في كلامها كرائحة الشواء؟
هل تفلح حقا في ترميم هُويتي المتصدّعة؟
لم يعلق في ذاكرتي الموصدة أمام التعليم سوى كلام الأستاذ عن شكسبير الذي يعتبره عظيما وعن قولته الشهيرة: “أكون أولا أكون! ذلك هو السؤال!”.
نعم! ذلك هو السؤال الذي دمّر وجودي منذ أن وعيت ومنذ أن أصبحت أسمع غصبًا عنّي ما يقال حولي: ثرثرة أصدقائي في المدرسة، حديث الرّجال في الحيّ، أسئلة الجارات السامّة والملبّسة بأحلى الكلام.
أقف أمام المرآة وأتطلع إلى أنفي الكبير والغليظ فأكره وجهي وأكره نفسي وأحقد على أمّي التي لا تردّ على سؤالي بوضوح.
كلّ أجوبتها عائمة في الشكّ. تقول لي: “أعتقد أنّ أنف والدك كبير. أعتقد أنك ورثت عنه هذا الأنف”.
تعتقد؟ كيف يمكن لامرأة ألاّ تتذكر جيدا وجه الرجل الذي تزوّجته وأنجبت منه ولدا؟ أمرّر كفّي آلاف المرات على ملامحي، أغمض عيني وأتحسسها كالأعمى. لا شيء من أمّي سوى سمرتها ولون شعرها الأسود، أمّا أنا فأنا ابن أبي. لكن أين هو، أين؟ ومن هو أبي؟؟
هل هرب من أمّي؟
هل مات حقا كما ادّعت في روايتها الأولى؟
هل رفضته عائلتها لأنه فقير؟
هل تورّطت معه أمي ثم هربت منه؟
هل كان تاجر مخدّرات مثلا؟
هل كان بحّارا؟
هل كان رجلا مهمّا؟
هل كان… هل كان… هل كان…؟
هناك أسئلة تحوّل أمّي إلى تمثال، فتتجمّد على كرسيّها، وتتكلّم بصمتها بينما تظل عيناها الجميلتان الواسعتان ثابتتين على وجهي. كأنها تستنطق ملامحي أو تستقرئ سرّا خطيرا.
ماذا كان سرّها؟
هل يعلم جدّي به؟ جدّتي؟ أخوالي؟ هذه العائلة العريقة، عائلة فورتيني التي تتباهى بأصلها وبانتمائها لجنوة؟
تكبر كرة الأسئلة حتى أقف أمام سؤال أكثر خطورة: من يكون جدّي لأمّي؟ يروي دائما في سهراته الشتائية، حول المدفأة، أو الصيفية، ونحن في الحديقة نشوي السّمك، أنه من عائلة فوريتني التي سكنت على الشاطئ منذ قرون طويلة، إنّها العائلة التي اشتهرت بالثروة بعد أن ملكت البحر، وسمك البحر. يتباهى جدّي باولو بأن أوّل باخرة بمحرّك كانت ملك عائلته.
كيف استطاعت هذه العائلة أن تحقّق هذه الثروة الطائلة؟ من أين جاؤوا ليسكنوا شاطئ جنوة؟ هل جاؤوا من داخل إيطاليا أم جاؤوا من خارجها؟
أحيانا عندما يستبدّ النبيذ الأحمر برأس العجوز باولو فيدخل منطقة الهذيان يقول كلاما مختلفا. يدّعي أنّ جدّ جدّه عندما نزل من السفينة الشراعية لم يصدّق أن ساقيه وطئتا الأرض وأنه بعد كل تلك الأهوال التي عاشها في البحر مايزال حيّا يتنفس. يثرثر باولو فيضيف: “لقد ظلّ هذا الفزع يتنقل من هذا الجدّ الأوّل إلى كل ذرّيته، الفزع من البحر. لذلك لن تجد أحدا من عائلة “فورتيني” يركب البحر. لكنّهم ظلوا يثأرون من هذا البحر بأن وظّفوا إمكانياتهم لاسخراج خيراته وهاهم، في جنوة ملوك البحر”.
أحاول في مثل هذه الفرص التي تتيحها ذاكرة باولو المتوهجة بفضل النبيذ أن أتسلل بأسئلتي: فأقول مستنتجا “إذن جدّنا الأوّل لم يكن إيطاليًّا. بل إنّه قدِم من المتوسط ليتمركز على شاطئ جنوة…؟”.
عندئذ تنطّ جدّتي صوفيا كمعزاة فتقضم كلماتها قائلة: “نحن إيطاليون منذ أوّل الدنيا. أصولنا رومانية. أما أنت فابحث عن أصلك، ابحث عن عائلتك”. ينسكب عليّ الصمت الفاجع فأغرق في قهوتي السوداء، في عزلتي على الشاطئ بينما تجيئني موجات الرّيح بأشلاء من صوت أمّي فالاريا وهي تخاصم أمّها وتشتمها لأنها جرحتني.
لقد تعوّدت على شتيمة صوفي التي تلجأ إليها دائما لأنّها سلاح فعّال لإخمادي. هي لا تستطيع أن تكتم أنفاسي إلاّ بذلك الكلام. فيتقلّص حجم وجودي وأتراجع خطوات إلى الوراء.
بعد أن أكون قد تناسيت الأمر لساعات قليلة تعود لي شخصية سويّة منطلقة.
تعرف ماذا تريد وتعرف كيف تعيد إليّ ثقتي بنفسي.
لقد اعتادت صوفي أن تراني أعرج الشخصية، لذلك فإنّها ما أن تحسّ أنني تعافيت قليلا، وأن لساني بدأ يطول حتى تسرع فتعيدني إلى عاهتي.

4

تتقدّم السفينة متهادية باذخة أرستقراطية، وسطح بحر هادئ مستكين كصفحة زيت.
تركت موقعي في غرفة القيادة وغمزت القبطان مستأذنا بعض لحظات للغياب.
تمشيت على سطح “الجزيرة العائمة”.
يجلس بعض الرّكاب المسافرين هنا وهناك مستريحين في حمامات الشمس يحلمون – ربّما – بعرائس البحر اللاتي قد تقفزن إلى شاطئ “الجزيرة العائمة” حيث جلست أنا على كرسي طويل وأطلقت العنان لذاكرتي.
كم مرّة قمت بهذه الرحلة بين ميناءي حلق الوادي وجنوة؟
سنوات عديدة، لم أقدر خلالها على عدّ هذه الرحلات. فمنذ أن وطئت قدماي سطح “الجزيرة العائمة” لأعمل فيها عتّالا أنقل الحقائب من رصيف الميناء إلى قاع السفينة، منذ ذلك اليوم بدأت رحلاتي على ظهر “الجزيرة العائمة”. و حاولت مرارا أن أعدّ تلك الرحلات فلم أفلح.
وما حاجتي إلى عدّ رحلاتي في “الجزيرة العائمة” مادمت قد أصبحت واحدا من سكانها؟ فهل يعدّ صاحب المنزل الليالي التي يقضّيها في بيته؟
قال لي القبطان في أوّل لقاء لمحني خلاله وأنا على الميناء أحمل إحدى الحقائب: “أنت أيها الشاب تعال هنا”.
توقّفت. وضعت الحقيبة الثقيلة على الأرض. نظرت إلى عمق عينيه الرماديتين. لأوّل مرّة في حياتي أرى عينين رماديتين. سرت خطوتين. تقدّمت إليه. صرت أمامه تماما. قلت “تفضل سيدي”. حزرت أنّه القبطان من خلال لباسه وهيبته التي دغدغت في ذاكرتي هيبة والدي الشيخ الطاهر “الله يرحمه”. ربّما لو ارتدى والدي يوما ما بدلة قبطان لكانت له نفس هذه الهيبة.
سألني القبطان بثقة عسكرية: “ما اسمك؟”
“عفيف” قلت.
لفّني القبطان بنظرة فاحصة مفكِّكة لكل ما قد تنطوي عليه الذات البشرية. نظرة حكيمة ماكرة. ثمّ قال: “وهل أنت عفيف حقا؟”
لا أعتقد أن السؤال فاجأني لذلك أجبت فورا: “ربّما، أو لنقل: أحيانا”.
كأنّي رأيت طيف ابتسامة على ملامحه القاسية، ربّما كانت ابتسامة سخرية أو ابتسامة إعجاب أو ابتسامة ازدراء، غير أنه سرعان ما ابتدرني سائلا: “ماذا تجيد غير عمل العتالة؟”.
أحسست كأنّه يسألني أن أعطيه شيئا منّي فقلت بسخاء كبير بدا في إيقاع صوتي وربّما على ملامحي الخشنة القبيحة: “أجيد كلّ ما تريد”.
أفصح عن ابتسامته وربّت على كتفي وقال: “يبدو أنّك الشاب الذي أبحث عنه، اتبعني.”
دعاني القبطان “فارس الأسود” الذي عرفت اسمه فيما بعد إلى كابينته الخاصة.
سألني ماذا أشرب. عندما أجبت: “قهوة” رأيت بعض الاستغراب على جبينه لكنّه لم يعلّق بل صبّ لنفسه كأس فودكا، وأعدّ لي قهوة سريعة في فنجان أبيض كبير.
وضع الفنجان أمامي وجلس قبالتي. أعاد تفحصي بنفس تلك النظرة التفكيكية وقال: “غريب، لقد ذكّرتني ملامحك بشخص عزيز عليّ. هل لديك قرابة بالشيخ الطاهر بلقايد؟”.
فاجأني سؤاله هذه المرّة. بسرعة رددت: “هو والدي. هل تعرفه؟”.
عاد طيف الابتسامة يرفرف على محياه ذي الملامح النييلة وقال: “منذ أن لمحتك حدست أنّك ابنه أو أخوه. لكأنّني أراه أمامي الآن – رحمة الله عليه- لقد كان زميلي في الدراسة. درسنا سوية في جامع الزيتونة. هو واصل دراسته وتخصّص في علم الفقه وأصبح إماما شيخا. أمّا أنا فقد طوّح بي حلمي بأن أكون قبطانا إلى باريس لأنظم إلى المدرسة البحرية وأتخرّج منها قبطانا”.
بهرني الرجل بكلامه عن طموحه الذي حقّقه فقلت: “هل من السهل على الإنسان أن يكون أو يحلم بأن يكون قبطانا أن يدرس في معهد ويتخرج قبطانا؟”.
” أعرف أنّ حدسي لم يخطئ ” هكذا قال لي وهو يرمي بما في كأسه في جوفه دفعه واحدة… ثمّ وضع الكأس في حركة بهلوانيّة لمحترفي الشراب وضحك.
بدت أسنانه صفراء. بل بنيّة. وبأكثر دقّة بدت بلون الصديد. أفسدت ضحكتُه ملامحه النبيلة. قال: “أنت حقا ولد ذكيّ، مثل والدك تماما!.. فعلا ياعفيف. أعترف بعد هذه السنوات الطوال بأنّ أعمال القيادة هذه لا يمكن أن تدرس في معهد. ولا يمكن أن تعطى فيها الشهائد لكي تصير قبطان سفينة أو قائد فيلق عسكري أو… أو… القيادة موهبة يمنحها الله من يشاء وبعدها تأتي الدراسة لتصقل هذه الموهبة وتهذبها وتدعمها.
أنا كنت أعرف أنّ بداخلي قائدا يحبّ أو يتوق إلى أن يكون قبطان سفينة. عندما كنت أحدّث الشيخ الطاهر بذلك كان يقول لي ضاحكا: ” أنت فارس، فاكتف بذلك على البرّ، ما الذي يدفعك إلى أن تحلم بأن تكون فارسا في البحر. البحر خطر ومغامرة. أنا لا أغامر إلاّّ في البرّ.”.
زمّ القبطان شفتيه وأضاف في سؤال إنكاري: “هل كنت تعلم في أي مجال كان والدك مغامرا …؟
سيّد عفيف، سيّد عفيف …
عفيف، عفيف … عفيف …
تكرّر النداء حتى أصبح اسمي يصلني صدى قادما من أعماق سحيقة، متواترا على إيقاع موسيقى تبدأ هادئة، ناعمة كنسمة صيف وتنتهي متوحشة مثل نمر يثب ويهجم.
هزّت كتفي أصابع فانتفضت واستويت واقفا. كذلك تعلمّت أن أتصرّف منذ أن انتميت إلى “الجزيرة العائمة”.
فتحت عينيّ لأغمضهما توًّا. فقد أعشاني وهج الشمس.
وصلني صوت: “عفوا سيدي! كنت أناديك، لكنك لم ترد. يبدو أنك نمت، فاضطررت لإيقاظك! سيادة القبطان يطلبك على عجل.”
كالأعشى مشيت عائدا من قاع ذكرياتي في “الجزيرة العائمة” متوجّها نحو غرفة القيادة. ما إن دخلت حتى صاح بي القبطان: “أين أنت يا عفيف؟ غبت طويلا. تعال، يبدو أنّ متاعب تنتظرنا. لقد أعلمونا في مركز الإرصاد الجوي بأن عاصفة تقترب. ربّما نلتقي بها في المساء. يجب أن نستعد.”
ابتسمت في خمول. قلت: “هي عاصفة ككلّ العواصف التي مرّت. سنصل بسلام. هذا أكيد.”
حدجني القبطان. قبض على دفّة القيادة وأرسل نظراته إلى الأفق.

5

ما أجمل هذا الهدوء.
ما ألذّ هذا الصمت.
ما أمتع هذا السلام.
هذا قبري، سكني منذ سنوات طوال، لم أجده كما كان يصفه الناس في الحياة. فلا هو مرعب ولا هو مفزع. إنّه المكان الوحيد الذي أسترخي فيه وأرتاح حقا من مرارة الحياة اللذيذة.
كان يتهيّأ لي ونحن في الحياة أنني لن أقدر على العيش خارجها ولو لحظة واحدة. يوجعني الفراق حتى الموت.
والحقيقة أنّ كل الإشكال يتمثل في الفراق!
يصعب علينا أن نفارق من نحبّ. ويصعب علينا أكثر أن نفكر في الفعل قبل وقوعه. وبدل أن يصبح الفعل أشقّ من القول يصير القول هنا أشقّ من الفعل.
أجل! إنّ التفكير في الموت أشقّ من الموت.
إنّه رعب يسكننا عندما نكون في الحياة متعلقين بها حتى العبادة.
أنا الشيخ الطاهر بلقايد، الذي تضلّع في الفقه، أعترف الآن، بعد كل هذه السنوات الممتدة في عزلتي الباردة في عتمة قبري، بأنني لم أكن مخلصا لديني كما يجب أن يكون الإخلاص. صحيح أنّ صورتي التي انتشرت بين الناس والتي عشت بها عمري كله كانت صورة مشرقة لرجل ورع ومثال للأخلاق الفاضلة، غير أنني لم أكن كذلك حقيقة.
الآن وقد تلاشت الرهبة من برد عتمة القبر، وبعد أن طاب لي المقام واستأنست بالسكن الأبدي، وبعد أن أنهى الدود مهامّه فلم يبق منّي سوى الهيكل ممدّدا كمومياء فرعونية بينما ترفرف الروح في فضاء القبر في سلام دائم وحقيقي…
الآن، وقد أخذت نفسا طويلا بعد رحلة الركض في الحياة، وفي انتظار لقاء وجه الله سأبدأ بمحاسبة نفسي، سأتدرّب على الصدق حتى أكون طليق اللسان وأنا أعترف أمام ربّي بكل ما اقترفت.
لم يكن هيّنا عليّ، أنا الشيخ التّقي الذي حصّنني الدين، أن أحمى نفسي من غواية الشيطان الذي نجح في أن يزيّن لي الكثير والكثير من أفعال الشرّ فرأيتها خيرا بعيني إبليس الذي كان يحلّ في جسدي أحيانا.
فاغفر لي يا ربّي ولتغفر لي فاطمة زوجتي وحبيبتي التي أخلصت لي ولم أخلص لها. خنتها، نعم خنتها، حتى وإن كانت كل زيجاتي شرعية وكما نصّ عليها الكتاب والسنة. إلاّ أنني ظللت أحمل عبئا ثقيلا على كتفي وروحي طوال حياتي معها. يكفي أنّها لم تكن تعلم. يكفي أننّي سعيت جاهدا إلى أن أخفي الأمر عنها.
أمّا هي فأعتقد أنّها كانت تحدس أن شيئا ما يحدث من ورائها. ربّما لم تكن تعرف ما هو تحديدا. لكنّها كانت تشمّ رائحة المرأة في الأفق. ذلك أنّ رائحة الأنثى فواحة وحضورها في الجسد فضّاح.
لم أخلّ يوما بحقّ فاطمة. كانت سيدة بيتها وسيدتي. كنت أدلّلها وأحقق لها كل ما تشتهي. لكن شهوتها الوحيدة التي كنت أراها في عينيها وأحسّها طلبا مؤجّلا دائما على حافة لسانها هي أن أكون لها خالصا ومخلصا. غير أنني لم أقدر على ذلك قط.
لأجل عيني فاطمة حاولت كثيرا أن أطرد شيطان الغواية من تحت عباءتي. كنت أفلح في ذلك خاصة عندما أعتصم بالله وقرآنه فأقضي الساعات الطوال في الجامع أرتل القرآن وألقي دروس الفقه على الطلاّب ثم ألقي خطب الجمعة. تهدأ سريرتي وتخرج مني الأنثى فلا أزور زوجتي الثانية التي تعيش في منزل سرّي لأسابيع.
خلال تلك الأيام أحسّ بخفّة عجيبة وأحسّ بالأمان في عيني فاطمة.
فاطمة التي لا يمكن لكل نساء الدنيا مجتمعات أن يكنّ في مثل لمسة من لمسات يدها الحريرية، ولا في نفس طيّب من أنفاسها ولا في رقصة من رقصاتها…
لقد كانت فاطمة أنثى حقيقية تجيد الطبخ فلا ألذّ من طبيخها، وتجيد الرقص على إيقاعات أغاني صليحة، فلا أجمل وأمتع من هزّة خصرها، وتجيد الرقص في السرير فلا أمتع من التواءاتها ولهاثها فرسا صهباء في براري اللّذة.
الإنسان طمّاع نزق، فكلّما نال ما طاب له طلب المزيد، وكلّما طلب المزيد سقط في الغواية.
كذلك كان يحدّثني عمر، أو ربّما كذلك كان يعيد عليّ كلامي.
كذلك عشت في مدّ وجزر بين شاطئ الأمان عند ربّي وعبادتي وزوجتي فاطمة وبين موجات اللّهو العاتية في منزلي الذي اشتريته بعيدا عن المدينة العتيقة التي حافظت فيها على منزل الأجداد حيث ولدت ونشأت ومتّ.
لا أدري إن كانت روح فاطمة في قبرها قادرة على التقاط اعترافاتي هذه أم أنّ ذلك سيؤجّل إلى يوم الحساب؟
أحسّ الآن ببعض الضيق والتعب. لقد كرهت نفسي واحتقرتها وأنا أشاهد شريط حياتي. فاسمحوا لي أن أغفو قليلا حتى أنسى!
النسيان رحمة.
لكني سأعود.
بالتأكيد.

6

انتظرت موعد الرحلة إلى تونس كمن ينتظر الفرج. شعرت أن فالاريا كانت تبالغ في الاهتمام بهذه الرحلة وتعلّق عليها آمالا لست أدري كنهها.
كانت رحلة القطار من جنوة إلى روما رحلة الصمت. لم نتبادل خلالها سوى كلمات التعامل العامة. كانت فلاريا متهيّبة كمجرم في ممرّ الإعدام. أنا أيضا كنت متهيبا. ماذا يمكن لأمّي أن تقول لي؟
هل ستكذب من جديد؟ ربّما لن تقول شيئا مثيرا. فقد يكون هذا السرّ الذي تخفيه وهما صنعته أنا وأغدقت عليه الكثير من الغموض والإثارة؟
من مطار روما أقلعت الطائرة وخلال الرحلة القصيرة التي لم تتجاوز الساعة ونصف الساعة قلت لها: “لماذا كل هذا العذاب؟ سفر بالقطار ثم الطائرة؟ لماذا لم نسافر عن طريق الباخرة فـ”الجزيرة العائمة” تقوم برحلات متتالية بين جنوة وتونس كذلك الباخرة الإيطالية. ألم يكن ذلك أمتع وأسهل بالنسبة إلينا نحن أبناء جنوة؟”
كأنّها لم تستمع إليّ. واعتقدت وهي ملقية برأسها على مسند الكرسي أنّها نامت. غير أنّها بعد لحظات ودون أن تفتح عينيها قالت: “سافرت مرّة واحدة على متن الباخرة وكانت الرحلة متعبة جدا. أصابني دوار البحر فكرهت السفر بالباخرة.”
لم أعلّق على إجابتها. يبدو أنّها تحمل ذكرى سيئة عن البحر والسفينة.
عدت أتفرّج على كتل السحاب البيضاء التي تبدو كندف القطن التي تدعوك إلى ملامستها أو قطفها.
كاتينيا صديقتي التي تعرفت عليها في آخر يوم تركت فيه المعهد بدون رجعة رغبت أن ترافقني في هذه الرحلة. كنت أرغب في ذلك أنا أيضا، لكن رغبتي في الانفراد بأمّي خلال هذه السفرة جعلني أعد كاتينيا بأننّا سنسافر سويّة حالما أنهى مهمتي هذه مع فالاريا.
تضحك كاتينيا عندما أسمّي أمّي باسمها. أنسى الموضوع وأنخطف بسحر ضحكتها.
تنزعج فالاريا كلّما صادفتني رفقة صديقة جديدة. يبدو ذلك جليّا على ملامحها التي تنقبض فتصبح كجلد فيل هرم. أمّا عندما ترافقني صديقة ما إلى المنزل فإنّها تغضب وتهدّدني بالطرد منه إن أنا كررت ذلك.
لم أكن أفهم سبب سلوكها بل إنني لم أكن أعثر له على مبرّر.
ربّما تكره أمّي الرجال، فهي لم تتزوج بعد والدي ولم أصادف أن رأيت رجلا في حياتـها. هي لا تعرف شيئا آخر سوى العمل في شركة والدها، فهي المديرة المسؤولة عن كلّ شيء .
أمّا أخوالي فإنهم يشتغلون على الميدان، يراقبون بواخر الصيد ويهتمون بكل مشاكل الصيادين.
حاولت فالاريا كثيرا أن تستقطب اهتمامي نحو عملها، لكنني كنت أرفض.
صحيح أنني ابن بحر وأنني أعشق البحر لكن عمل البحّار لا يغريني أبدا.
في طفولتي كنت أرافق خالي الأكبر إلى الميناء ننتظر عودة باخرة الصيد. كان منظر الصيادين وهم يقفزون على الكورنيش يخيفني. كانت حركة قفزهم تصيبني بالفزع، فأشعر بأنهم سيهجمون عليّ. لكنّهم كانوا يهجمون على المطعم/الحانة كالصعاليك. كان خالي ينفرد برئيسهم ثم يصعد معه على متن الباخرة. أمّا هم، هؤلاء الصيادين الأجلاف الذين لم يتعلموا من البحر سوى القوة والعنف، فإنهم يتدافعون إلى المطعم. كنت أقف قرب الباب الكبير للمطعم، الباب ذو اللون الأزرق وأظلّ أسترق النظر إليهم وهم يهجمون على أطباق الأكل وكؤوس البيرة الكبيرة.
كان المطعم مزدانا بكل ما له علاقة بالبحر: سقفه مغطّى بالشباك، تدلّت منها مجسّدات بلاستيكية لأنواع من السمك وسرطانات البحر في حين ألقيت الإسفنجات البحرية فوق الشباك، على جنبات النافذة البلّوريّة الكبيرة المطلة على الميناء، عرّشت نباتات خضراء فبدت على الزجاج كأنها تسلّقت الضوء.
يعجبني جوّ المطعم قبل أن يهجم عليه هؤلاء البحّارة. إذ سرعان ما يحوّلونه إلى خليّة تعج بالضحكات العالية الخليعة والنكت البذيئة.
كانت الرائحة تفوح شهيّة، وكانت طريقتهم في الأكل تفزع هذه الشهوة منّي فتتلاشى ويحلّ مكانها قرف فأهرب. ذات مرّة رأيت فالاريا تجلس مع هؤلاء الهمج، كانت بملابس رجالية، ذلك السروال وتلك الجاكيت التي تحرص على ارتدائها دائما فهي لا تكاد تغيّر ذلك النمط من اللباس إلاّ نادرا، وفي بعض المناسبات أو عندما تسافر.
كانت تبدو مثلهم، مثلهم تماما. تشرب البيرة بنفس تلك الطريقة المتعجرفة، وتتحدث بلغة سوقية مثلهم، حتى حركاتها الناعمة تتحوّل إلى حركات عنيفة تماما مثل أولائك الصيادين الذين قتل البحر فيهم النعومة والتربية والثقافة وأعادهم إلى بدائيتهم: قساة بلا مشاعر. ذهلت عندما رأيت أمّي تشاركهم إحدى جلساتهم. كيف تفعل ذلك وهي من رئيستهم في العمل؟ كيف تنزل من موقعها وتختلط بهؤلاء؟
لم أحتمل أنْ أراها في مثل تلك الجلسة. لم أقدر على سماع كلامها السوقي أمام أولائك الرجال القساة.
فأجأني ذلك الوجه الخفي فيها. لم أكن أحسب أنّ أمّي ذات الجمال الساحر والأنوثة العارمة يسكن بداخلها ذكر جلف.
لقد حزّ في نفسي ذلك المشهد حتى أني بكيت في الليل على وسادتي. ربّما لأن الصورة المثالية التي كنت أحملها عنها انهارت تماما.
بعد أيام، جلست إليها في صالون منزلنا. كانت قد خرجت لتوّها من الحمام مرتدية بيجاما حريرية بلون نبيذي. بدت لي وشعرها الأسود منسدل على كتفيها فاتنة. تذكرت ذلك المشهد المرعب الذي رأيتها فيه في مطعم البحارة بالميناء.
قلت لها بغتة: “فلاريا لماذا لم تتزوّجي بعد والدي.”
انزعجت كثيرا من سؤالي الذي نزل عليها لطمةً مفاجئةً. غضبت مني وصرخت في وجهي: “لا تتدخل في شؤوني الخاصّة! هذه أمور لا تعنيك ولا تعني أحدا سواي، أفهمت؟ لا تكرّر ذلك مستقبلا.”
تركت فنجان شايها على الطاولة يتصاعد بخاره ويتلاشى أمام نظري. تركتني مندهشا لا أفقه من تصرّفاتها شيئا.
لِمَ هي متقلبة المزاج؟ لِمَ هي حنون في لحظات، وقاسية في لحظات أخرى مثل أولئك البحارة الذين ترافقهم في جلساتهم الوقحة؟
أحبّها وأكرهها.
أخافها وأودّ أن أجتمي بها وأسكن في قلبها لأحسّ بالأمان.
الغموض الذي يلفّها فهو سبب تعاستي.
فلاريا!
أمّي!
حبيبتي!
لماذا كتب عليّ أن تكوني أنت بالذّات أمّي؟

7

اهتزت “الجزيرة العائمة” في عرض البحر. تقاذفتها الأمواج العاتية.
انتشر الرعب في قلوب الجميع. وحدنا أنا والقبطان فارس كنّا نتصرّف كعادتنا بهدوء وحكمة.
لقد خبرنا العواصف والأنواء. تعلّمنا كيف نتصرّف وكيف نحتاط وكيف نهدّئ من روع الركّاب المسافرين.
عند الفجر تجاوزنا العاصفة بسلام. ذهب القبطان إلى قمرته. لاذ الآخرون بغرفهم. اندسّ بعضهم في المقهى.
أخذت فنجان قهوتي الساخنة. وقفت على سطح السفينة أتفرّج على هذا البحر العجيب. بعد سويعات سنصل إلى ميناء حلق الوادي.
سأعود إلى منزلي وأنام. سأنام كما لم أنم من قبل. حاجتي ليست للراحة بقدر ماهي حاجة إلى نوم عميق.
رشفت من قهوتي. بقيت أنظر إلى هذا الامتداد الأزرق. كأنّه بساط من حبّ.
إنّه البحر يا عزيزتي! البحر الذي يكتم أسراره كما تكتمين أنت أسرارك.
إنّه البحر المتقلّب كما تقلّبت أنت في لحظة خارقة، لحظة مثّلت المنعرج في حياتي.
آه لو أعثر عليك! آه لو أقبض عليك لأسجنّنك في قفصي عصفورة لن تطير أبدا من بين أنامل رغبتي!
لماذا هربت مني؟ ألم يعجبك اللقاء الذي جمعنا في لحظات مازلت أتلمّظ طعمها حتى الآن؟
أنا أعرف النساء جيّدا. وكنت في تلك الساعة متأكدا من أنّك كنت سعيدة بوجودك بين أحضاني.
لقد كنت كطير مذبوح، تخفقين بجناحيك وتطيرين في رقصة شرقية مثيرة، تموتين بعدها وتهمدين، تنقطع أنفاسك ثم فجأة تنبعث فيك الحياة وتعودين ناعمة وينطلق العزف من جديد. تبدأ السنفونية في الإرتفاع ثم تتخمّرين وتتحوّلين إلى نمرة شرسة وتنشبين مخالبك الحمراء في كتفي وتعاودين رقصة الطائر الذبيح.
كم مرّة فعلت ذلك؟
لا أذكر!
لقد مرّت سنوات طويلة وأنت أيّتها الغريبة مازلت تسكنينني بسمرتك اللامعة وشعرك الأسود الطويل وشفتيك المكتنزتين وقدّك الطويل كنخلة في الجنوب.
كم مرّة صعدنا إلى قمّة جبل المتعة الشاهق؟ كم مرّة تسلّقت هضابك؟ كم مرّة تسلقت فيّ؟
كم مرّة سقطنا؟
كم مرّة ضحكنا؟
كنت سعيدة. أذكر وجهك جيدا. بل إني أراه أمامي جليّا. فما الذي جعلك تهربين؟ هل كرهت وجهي؟ هل أزعجك قبحي؟
في حانة “الجزيرة العائمة” قلت لي: ” أنت مثير بما تعتقد أنه قبح”.
سكبت ما تبقى من البيرة في جوفك. كم تمنّيتُ لو كنت تلك الجرعة الأخيرة في كأسك.
لم نكن قد تعارفنا.
كنت أكره لحظات التعارف مع النساء مخافة ملاحقتهن لي، وإذا بي أندم لأننا لم نتعارف.
لم أسألك ما اسمك ولم تفعلي.
لم أسألك من تكونين ولا أين تسكنين ولا من أي بلد أنت في إيطاليا؟ ولم تفعلي.
بقيت ابتسامتك التي كانت دليلي إليك وحدها هويتك عندي. ابتسامتك العريضة بأسنانك اللامعة وشفتيك المكتنزتين! ذكرتني ابتسامتك بالممثلة صوفيا لورين التي عشقتها طويلا وأنا مراهق أذهب للسينما لأجلها.
لعلني فرحت لأنك كنت مختلفة، لأنك لم تحقّقي معي كما تفعل النساء عادة. إنّه الفضول الأنثوي. تراك لأوّل مرّة وتعرف أنّها ستكون الأخيرة لكن ذلك لا يمنعها من التدقيق معك في الأسئلة. فهي تودّ أن تعرف عنك كل شيء : اسمك وأصلك وفصلك واسم أمك وأبيك وإخوتك وأصدقائك وجيرانك إن أمكن، وماذا تحبّ وماذا تكره ، تودّ في لحظات معدودات أن تختزل تاريخك وشخصيتك وحكايتك وتعرف أدقّ تفاصيلها. كلهن كذلك، تختلف طريقة كل واحدة منهن في طرح أسئلتها لكنهن جميعا يسألن.
أنتِ كنتِ مختلفة. كنت صامتة. كنت مبتسمة تنظرين بعينيك الواسعتين إلى كلّ شيء، إلى وجهي، سألتك: “أفزعك أنفي؟”
رددت: ” مطلقا، لا، في ملامحك تناسق.”
حدست أنك امرأة مختلفة. لذلك فضّلت أن ألتقي بك في فندق في جنوة، بعيدا عن “الجزيرة العائمة”.
كانت تلك من المرات النادرة التي أنام فيها في فندق أثناء استراحة السفينة لمعاودة الرحلة من الغد إلى تونس.
انتظرتك في فندق داخل المدينة. فضّلت أن يكون ذلك بعيدا عن الميناء حيث يعرفني الكثير. رحّبت باقتراحي وقلت: “يبدو أنك تعرف جنوة جيدا.”
ابتسمت وقلت: “تكاد تكون بلدي الثالث بعد تونس وبعد الجزيرة العائمة!”.
ظهر الاستغراب على محياك الجميل الأسمر، ثمّ قلت: “أتعتبر السفينة التي تعمل فيها بلدا؟”.
“بالتأكيد” كذلك أجبت. حرّضتني رغبة عنيفة على أن أشرح لك علاقتي “بالجزيرة العائمة” لكني كبحت جماحي. فأنا أحبّ النساء لكني لا أثق فيهن.
كنت وددت أن أقول لك عزيزتي أيتها الغريبة التي مرّت في حياتي كشهاب، كنت وددت أن أقول إن “الجزيرة العائمة” هي القارّة الوحيدة التي ناسبت مزاجي، فأنا أكره الارتباط، أكره الروتين، أكره الثبات. لا أريد شيئا من هذه الدنيا غير حرّيتي. لذلك عندما أخذني صديق لي لأعمل عتّالا على “الجزيرة العائمة” لم أتردد. أعجبني اسم السفينة فقلت: هي غايتي! المهم أن أنتمي إليها و قريبا سأسكنها.
كانت بي رغبة جامحة للانطلاق إلى المجهول، إلى المغامرة.
عندما توفي والدي الشيخ الطاهر بلقايد، وأنا مراهق لم أتجاوز بعد الثانية عشرة من العمر، قلت لأمي إني أكره الدراسة ولا أحبّ هذا الحبس في قاعة مغلقة أمام معلِّم يقدّم العلم وهو غير سعيد بدوره، بل إنه يبثّ فيّ الإحساس بأنه يقدم لي جميلا يجب ألا أنساه ما حييت.
غضبت أمي الحاجّة فاطمة. أقامت الدنيا ولم تقعدها. قالت “ستجعل كل النّاس يشمَتون بي وبالمرحوم والدك! كيف ينقطع ابن الشيخ، شيخ العلم والفقه، عن دراسته؟ يجب أن تكون مثل والدك فتشرّف عائلتك. هاهم أبناء عمومتك قد تخرجوا أساتذة ومحامين وأطباء، وأنت مازالت في سنواتك الثانوية الأولى وتريد أن تنقطع عن الدراسة؟ يا لسوء حظك يافاطمة! ألم يكن من الأجدر ياربي لو تركتني عاقرا أفضل من أن تعطيني هذا الابن الذي سيكون وصمة عار في العائلة؟
اسمع ياعفيف إن انقطعت عن الدراسة فلا أنت ابني ولا أنا أمك، بل إنس تماما أنك ابن الشيخ الطاهر.
أمّا أنا فليعطني الله الصبر فيك وفي والدك”.
لأجلها فقط واصلت دراستي حتى الثانوية. في تلك الفترة كنا نجتاز الامتحان هذه الشهادة على مرحلتين، اجتزت الجزء الأول بامتياز وكنت أعرف أنّي سأنجح. سأنجح لأجلها هي فقط. لأنّها أمي.
قبل أن أجتاز المرحلة الثانية بأيام مرضت أمّي. انتابتها الحمى، أسرعت بها إلى الطبيب فقال إنها مصابة بالتهاب رئوي حاد. أكّد أنها لا تعاني من مرض السلّ. وأنها ستتجاوز الخطر. غير أن تلك النظرة التي ألقت بها عليّ وأنا أغادر المستشفى أكّدت لي أنّها الأخيرة وأنني لن أحدّثها ثانية. عدت إليها. ألقيت برأسي على صدرها المتعب، تشمّمت رائحتها ملأت رئتيّ بها، قبّلتها وغادرت، كنت أعلم أنه آخر لقاء بيني وبينها. كانت تلك أوّل مرّة أبكي فيها!
وآخر مرّة!
في الأثناء غيّرت رأيي وذهبت إلى ذلك الشارع، الشارع القذر في المدينة الذي أصبحت من روّاده.
يعجبني هناك وضوح العلاقة. وتعجبني علانية قوانينها. لا رياء ولا أقنعة ولا أسئلة. خذ ما تريد وادفع واذهب في حال سبيلك دون أن تتعرّض لجلد الضمير أو الخوف من الابتزاز أو من الوقوع في شرك الحبّ.
كآبة رماديّة كانت تخيّم على ذلك الشارع وعلى النسوة الواقفات أمام أبواب بيوتهنّ العتيقة. يبدو الشارع المغلق الذي لا يدخله إلا الرجال كأنّه سوق، تماما مثل بقية الأسواق العتيقة، غير أنّ هذه السوق تبيع المتعة ولا شيء غير المتعة.
تزدحم السوق بالوجوه البائسة والتقية، الوجوه المتعبة التي تحمل أوزار الحياة في جيوب منتفخة تحت أجفان متهدلة أرهقها السهر والخمر الرديء والسجائر الأردأ. شباب يجيء هناك فيكتشف الجسد اللغز.
كهول جارت عليهم.
شيوخ أتى بهم الحنين. سماسرة ووسطاء تشتعل عيونهم مكرا.
أجساد مزركشة بألوان الغواية معروضة في واجهات رخيصة.
عجوز شمطاء طال بها العمر تجلس في ركن معتّم كديكور ضروري لهذا السوق.
هناك أشاهد المجتمع على حقيقته: مجتمع فجّ حيواني بلا أقنعة. فلا ثقافة ولا أخلاق.
أكره أن تقترن متعتي بالأسماء. لذلك أكره أن أعرف الأسماء إن حدث وأن أعلنت أحداهن اسمها فإني ألقي به بئر النسيان.
قصدت يومها تلك التي لا تتكلم. ذلك أهمّ ما يعجبني فيها. قليلات هنّ النساء غير الثرثارات. هي لم تكن جميلة، لكنها كانت آسرة. ربّما بذلك الحزن الذي يتقاطر من نظراتها كأنه دموع غير مرئية. ربّما بذلك الشجن في كلماتها القليلة، وربّما – لمن جرّبها – بذلك الألم الذي يغطي وجهها عندما تدرك أن حريفها بلغ غايته.
في ذلك اليوم لم تكن لديّ رغبة في الجنس بقدر ما كانت لديّ رغبة في ولوج ذلك المكان. عندما دخلت غرفتها بعد أن انتظرت دوري، وجدتها تعطّر الفضاء من زجاجة عطرها.
سألتها: “لماذا تفعلين ذلك؟” قالت بصوتها الأبحّ الممتلئ شجنا: “أحسّ أنك نظيف، لا أريدك أن تشمّ رائحة من سبقك”. لأوّل مرّة أرى الإنسان في مثل هؤلاء النسوة.
لم أردّ. جلست على حافة السرير. وضعت النّقود على الطاولة الصّغيرة. اقتربت منّي وبدأت تفتح أزرار قميصي. أمسكت يدها. فهمت أنّني لا أرغب فيها فتوقفت. كان الراديو مفتوحا، وكانت نعمة تغني “ما عندي والي”، رفعت في صوت الراديو قليلا كأنها أحسّت برغبتي في ذلك فنفّذتها دون أن أطلبها.
انتهت الأغنية. نهضت. نظرت في عينيها الحزينتين. رأيت دموعا في مقلتيها. ارتمت في أحضاني. عانقتها طويلا. أحسست بأنفاسها بالرغم من أني التقيت بها العديد من المرّات. لحقت بي عند الباب ووضعت النّقود في جيب جاكيتي.
مشيت في الشارع بل في السّوق المزدحمة أتساءل: “ماذا تفعل مثل هذه المرأة في مثل هذا المكان؟”.

8

تصفّر الريح. يقوى الصفير فأسمع الأشجار خارج القبر ترتعد. يرتفع نشيجها خوفا من أن يشتدّ غضب الريح فتتحوّل إلى إعصار يقلعها.
أنا هنا في قبري في أمان. لا ريح تصلني ولا أمطار تبللني ولا شمس تحرقني. أنصت فقط إلى أصوات إن كانت هناك أصوات مثل الريح، مثل زخّ المطر، مثل وقع الأقدام. أما بقيّة الأشياء فإني أحدسها.
لا أحد في مثل هذا الطقس الردئ يزور المقابر. غير أني سمعت وقع أقدام. بل إنه وقع أقدام حميمة. بعد لحظات انقطعت الخطوات. سمعت شهقة ما، شهقة أعرفها، أعرفها تماما. هذه لا يمكن أن تكون سوى شهقة عفيف… ابني الوحيد الذي جاء إلى الدنيا بعد صبر طويل.
نصحني عمر صديقي أن أعلن زواجي بإحدى اللاتي تزوجتهن. لكني رفضت. لا أريد أن تكون لي ذريّة إلاّ من فاطمة. هي الوحيدة التي أثق بها. هي الوحيدة التي أحبّ أن أرى خلفا لي منها.
كنت أعرف أن الله، بعد كل ذلك الصبر، سيرحمني. سيمنحني ما أريد. رفضت طوال ثمانية عشر عاما من الزواج بفاطمة أن تذهب زوجتي إلى الحكيم. كنت أرفض بشدّة أن يتكشّف أحدهم على امرأتي حتى وإن كان الحكيم الذي سيعالجها. صبرت فاطمة معي واستسلمت لإرادتي. إنّها لا ترفض لي طلبا مطلقا، إلى أن جاءت رحمة ربي فأعلمتني ذات صباح مبارك بأنّ الدورة تأخرت عنها ما يزيد عن الشهر.
توضّأت وصلَّيت ركعتين حمدا لله إذ استجاب لدعائي الذي كنت أختم به كل صلاة.
بعد ثمانية أشهر ولد عفيف. كان ذلك ذات صيف وتحديدا في منتصف شهر أوت. جاء ابني الذي سيخلّد اسمي وسيواصل مسيرتي.
عندما متّ، تركته على أبواب المراهقة. لم يمنحني ربّي الفرصة لأواصل معه رحلة الحياة فأساعده على كشف أسرارها وأعطيه من خبرتي وعلمي ما أمكن. شاء الله أن يكبر عفيف وحيدا مع أمّه فاطمة. وكنت أعرف تماما أنّ فاطمة ستواصل رسالتي وستقف إلى جانبه مثلي تماما أو أحسن. إنها تحبّه حبّا خرافيا حتى أنّني في بعض اللّحظات كنت أحسّ بالغيرة منه.
كنت كلّما رأيتها تدلّله وتلاعبه وتقبّله أنهره قائلا: “انهض يا ولد وابتعد عن حضن أمك! أنت الآن رجل ولا يعقل أن يتمرّغ الرّجل في حضن أمّه. اكْبُر ياولد.”
كانت فاطمة تضحك بغنج عندما يغيب عفيف وتقول لي في دلال: “اتّق ربّك يا رجل إنّه ابنـي!”.
لم أكن أتخيّل قط أن يلمس أي ذكر طرف فاطمة حتى إن كان هذا الذكر ابني الصغير. كانت الدماء تشتعل في عروقي، فأتخيّل المشهد وقد تحوّل فيه عفيف إلى رجل آخر، فيغلي مرجل الغضب والغيرة وأنهر عفيفًا دون أن أدرك أو دون أن أنتبه إلى أنه ابني.
ها. هذه شهقة أخرى أسمعها رغم صوت الريح الذي يعلو وينخفض. ترى هل هو عفيف حقا كما حدست؟ لا بد أنه شاب الآن. لقد مرّت سنوات طويلة. كانت فاطمة في زياراتها لي تحدّثني عنه دائما: عن كلّ تفاصيله، عن كلّ ما يحبّ ويكره. وكم أفرح عندما تقول إنه كلما كبر ازداد شبها بي. تضحك فاطمة وهي تقول: “حتى أنفه – سبحان الله! – لقد أصبح يشبهك تماما! والله لا أدري لماذا ورث عنك هذا الأنف الغليظ الذي يملأ وجهه ولم يأخذ مني أنفي الدقيق والجميل.”
آه يا عزيزتي فاطمة! كنت تقولين ونحن في الحياة أن أنفي هو سرّ مهابتي! آه ياحبيبتي هل بدا لك أنفي قبيحا بعد أن رحلت؟”
هاهو الصوت يعلو. هاهي الشهقة تتحوّل إلى نحيب. نعم! إنّه هو عفيف ابني. ما الذي دفعه إلى زيارتي وهو الذي لم يزر قبري إلاّ نادرا؟ تكلم حبيبـي! قل لي ما الذي يؤلمك؟ إنّي أسمعك جيدا، فهل تسمعني أنت؟
مرّت فترة صمت صفّرت خلالها الرّيح عاليا حتى خلت قبري سيقلع من مكانه. ثمّ وصلني صوته متقطعا.
تكلم صغيري ولا تؤجّج وجعي عليك أكثر مما فعلت. تكلم! أنا أبوك الطاهر! إني أسمعك. فبُح لي بما يشقيك.
أخيرا بدأت كلماته تتوضّح رغم صفير الريح. يتماسك ويقول: “والدي العزيز جئت لأعلمك قبل أن تفاجأ غدا بموت أمّي. نعم لقد رحلت لتلحق بك وتتركني يتيما بأتمّ معنى الكلمة.
ماتت أمّي بعد مرض ألمّ بها. أخذتها إلى المستشفى حيث أقامت أيّاما وليالي. واليوم عندما ذهبت لزيارتها والاطمئنان عليها، أعلموني بالخبر. ضاقت الدنيا في وجهي فجئت إليك. أتسمعني؟ لقد رحلت أمّي وبقيت وحيدا في هذه الحياة التي أكرهها الآن بقدر ما كنت أحبّها. لن أبقى في تونس. سأسافر إلى أي مكان آخر في العالم لأعيش فيه بعيدا عن هذا البلد الذي ضاق بي وبأحلامي. لا شيء يشدّني إلى هذه الأرض. أنت تركتني وأنا صغير فلم أشبع منك. أمّي تركتني وأنا وسط الطريق لا أدري ماذا أفعل. لا أخ ولا أخت ولا ضوء في المنزل بعد رحيلها ولا دفء. سأترك المنزل لأبناء عمومتي. لطالما تخاصموا مع أمّي مطالبين بحقوقهم فيه باعتباره منزل الأجداد.
أمّا أنا فلا أريد شيئا. لا منازل ولا أملاك ولا أموال: أنا أريد حرّيتي فقط. أريد أن أعيش كما أريد وحيث أريد ومع مَن أريد…
ربّما تكون هذه آخر مرّة أزورك فيها يا أبتي! فأنا أكره الموت وأكره المقابر وأكره زيارة الموتى. ليس ذلك لأني أخاف. بل لأنّ ذلك يؤكد الحقيقة التي أكره أن أعترف بها: للحياة مهما امتدّت نهاية، ونهايتها هنا في هذا المكان الموحش.
سأذهب الآن يا أبي. لا أدري إلى أين لأنّني لن أعود إلى المنزل بعد أن رحلت عنه. سأذهب …”
خيّم الصمت إلاّ من صفير الريح المتماوج. ثم سمعت بعض التمتمات وخطوات عفيف وهي تبتعد حتى غابت.
قرأ الفاتحة ترحّما على روحي وانصرف. غدا سيعود إلى المقبرة مرافقا والدته إلى مثواها الأخير بقربي.
تألمت لحزن ابني. لكنّي سُعدت أيّما سعادة بالخبر الذي أعلمني به. أخيرا! جاءت إليّ، أخيرا تركت الحياة ولحقت بي. انتابني إحساس عجيب بالطمأنينة. هاهي انتهت إلى الموت. فارقت الحياة ولم تتزوّج. لقد كان ذلك الهاجس يقضّ مضجعي هنا في قبري حيث يتيح لي الزمن الممتدّ في الانتظار أن أفكر في كل شيء، في كلّ هاجس ينتابني، في كل فكرة تخطر ببالي.
وكم سكنتني هذه الفكرة حتى أنّها نبتت في القبر كشوك أصبحت أرقد عليه.
الآن أنا متأكد من أنّها ستقيم قربي فلا مخافة من أي رجل قد يسلب لبّها. ذلك ما كان يرعبني، وذلك ما كان يجعلني كل يوم جمعة أنتظر زيارتها على نار. فأقول في نفسي إن غابت عن زيارتي: هل شغلها أحدهم عنّي؟ أمّا بقية المبررات، كالمرض أو سوء الطقس أو غيره، فلن تمنعها عنّي”.
هاهي ظلّت وفيّة لي حتى آخر لحظة في حياتها! أمّا أنت يا عفيف، فإنك رجل من ظهر رجل. لن أخاف عليك. لقد اشتدّ عودك الآن وأصبحت قادرا على مقارعة الحياة بكل نديّة. فقط أطلب منك أن تواصل دراستك. لا تترك أبناء عمومتك يسطون على المنزل. لا تسلّم منزل والدك بسهولة. إنّه منزلك. لقد اشتريت نصيب أعمامك، كل الأوراق والحجج تثبت أنه منزلي. إنه من نصيبك. أرجوك ولدي لا ترحل. لا تترك منزلك. المنزل في الحياة ستر فلا تترك أحدا يعرّيك.
أرجو أن تكون روحي قادرة على إيصال رسالتي هذه إليك. أرجو أن تحلم بي هذه اللّيلة وأنا أحادثك وأقول لك هذا الكلام.
أرجو ذلك من كل قلبي.
يبدو أن هذه الريح لن تهدأ هذه الليلة. لا شكّ أنّها زادت المقبرة من الوحشة ما جعل عفيفًا يذهب هاربا. هو الذي لاذ بي. لكن ما باليد حيلة يا بنيّ. لقد شاء الله أن أكون بعيدا عنك وأنت في مثل هذه الأزمات التي تؤثّر بالتأكيد في عودك الذي لم يشتدّ بعد مثل عود الرجال. لكنّي أعرف أنك ستكون رجلا حقيقيا. رجلا بأتمّ معنى الكلمة.
أمّا أنا فإنني سأستعدّ لاستقبال حبيبتي فاطمة غدا. سأستقبلها بجواري. لن أقدر على زيارة قبرها. ولن أقدر على وضع “حبّ الزيوان ” للعصافير ولا الماء على قبرها. ولن أزرع لبلابا عند رأسها كما وعدتها عندما كنّا في الحياة. ولكني سأقرأ القرآن ترحما على روحها الطّاهرة التي سألقاها في الجنة إن غفر لي الله ذنوبي.

9

جليلة كأنّها آلهة.
نضرة كأنها الصبا.
نديّة كأنها الصباح.
خضراء كأنها الحديقة.
إنّها تونس الخضراء. هكذا يقولون عنها. وهي كذلك حقّا. قدّيسة. خضراء ملقاة على شاطئ المتوسط كشال حريريّ ملقى في غير عناية. كذلك رأيت شالات أمّي مرميّة على سريرها فيزداد الشال جمالا وإثارة.
غير أنّ فالاريا لم ترتد في تونس أيّا من الشالات التي جاءت بها ولا أيّ شيء من طواقم الثياب الفاخرة التي تضعها في حقيبتها وتتكفّل بمشاق حملها دون أن تتمتع بأناقتها التي تظلّ محبوسة في الحقيبة مدّة السفر لتعود بعد ذلك إلى قواعدها في خزانة الملابس سالمة نظيفة.
خلال الأسبوع الذي قضيناه سويّا في تونس ظلّت طوال الأيام مرتدية تلك البدلات شبه الرجالية التي تعشقها فلا تكاد ترتدي سواها. تبرّر اختيارها بأن تلك النّوعية من اللّباس أكثر راحة أثناء الحركة والمشي.
مرّة واحدة خلال رحلتنا هذه ارتدت فالاريا تايورا أسود أنيقا ووضعت مكياجا على وجهها وحملت حقيبة بيضاء مع حذاء أبيض. أمّا شالها الأبيض والمزركش بتعريشات سوداء فقد زاد من أناقتها. حتى أنّني لما مررت عليها في غرفتها لننزل سويّا إلى بهو الفندق ثم نذهب إلى المطعم الذي حجزنا فيه للعشاء، لم أكد أعرفها. لقد كانت تلك أول مرة أرى فيها أمّي وقد أبرزت مفاتنها. والحقيقة أنها فاتنة. ضحكت عندما قلت لها: “عفوا سيدتي يبدو أنّي أخطأت الغرفة”.
بخّت عطرا وراء أذنيها حيث وضعت أقراطا لاصقة بفصوص لامعة. أمسكت يدي. نزلنا.
كنت سعيدا. لا أدري لماذا؟ ربّما لأني شعرت بأنّني وفالاريا نتقدّم نحو أرض لعلّها ستكون أرض الثقة الثابتـة؟ ربّما لأنّني رأيت في عينيها بريقا لامعا لم أره من قبل؟ أو ربّما لأنّي حدست في معاملتها لي اعترافا برجولتي.
جلسنا في مطعم أنيق مشرف على البحر. أكلنا سمكا لذيذا. شربت هي نبيذا أبيض. أمّا أنا فقد طلبت ماء معدنيّا.
كان السمك لذيذا. وعلّقت أمّي: “لذيذ هذا السمك مقارنة مع أسماكنا. كأنّها لا تسبح في نفس البحر.”
منذ أن جلسنا كانت تتحدّث عن أوّل رحلاتها إلى تونس. قالت إنها جاءت على متن السفينة التونسية “الجزيرة العائمة” في إطار رحلة نظّمت إلى هذا البلد الذي عشقته واستمتعت فيه بأيام جميلة مع المجموعة التي رافقتها. ورغم الدوار الذي أصابها وهي قادمة فإنها استطاعت أن تتجاوز ذلك في رحلة العودة على متن نفس الباخرة، كان الجوّ رائقا فلم تهتزّ السفينة ولم تعش رعب الدوار. غير أنها عاشت دوارا من نوع آخر.
عندما وصلت إلى هذا الحدّ من حكايتها عن تلك الرحلة التي حدّثتني عنها سابقا، صمتت. كأنّها عثرت في حجر كبير عرقل مسيرة كلامها.
قلت لها حتى أساعدها على تجاوز عقبتها: “حدّثيني عمّا هو أهمّ من تفاصيل رحلتك الأولى إلى تونس!”.
لعلها حزرت ماذا أريد أن أسمع منها فقالت وهي تداعب قرط أذنها اليمنى: “صبرا يا فريدو، صبرا، ما هذه الرواية التي حكيتها لك سابقا إلاّ مقدمة لما أنوي أن أقصّه عليك. أردت أن أبوح بذلك في هذه البلاد التي قد تكون بلادك الحقيقية. لا تتعجب حبيبي . كل ما سأقوله لك الآن هو الحقيقة. هو الصدق”.
“لم أشأ أن أرمي بك قبل الآن في دوامة من الأسئلة قد تلهيك عن دراستك وحياتك. كنت قد اتخذت قرارا بأن أفصح لك عمّا حدث عندما تتخرّج من الجامعة. أما الآن وقد رفضت الدراسة ورفضت العمل في شركتنا واقتربت من العشرين فإني قدّرت أنّ الأوان قد آن لأطلعك على أمر يهمّك. هو ليس بالسرّ العظيم. لكنه أمر لم تكن لتتقبله وتتفهمه وأنت طفل يافع. الآن أعتقد أنّ لك من القدرة ما يمكن أن يجعلك متفهما فلا تظلمني. أنت الآن شاب. ولديك من الصديقات العدد الكثير على ما أرى. ويبدو أن والدك مثلك. كذلك استنتجت من لقائي الأوّل والأخير به. لا تستغرب. لكن تلك هي الحقيقة. لقد كنت شابة مقبلة على الحياة بنهم. وكنّا على متن تلك الباخرة التونسية مجموعة من البنات. كنت حينئذ على علاقة مع شاب إيطالي من بلدتنا، وكنا على وعد بالزّواج. لكنّي رأيت ذلك الشاب العربي على سطح الباخرة. كان الجوّ جميلا. وكنّا قد بدأنا نقترب من جنوة عندما خرجت من المقهى وحيدة. كنت أتمشّى سعيدة بأنّني لم أصب بذلك الدوار اللّعين، عندما وقف إلى جانبي على السور الحديدي للسفينة، شاب جريء. اتّكأ بأحد مرفقيه على حافة السور وظلّ ينظر إليّ، يتفحّصني، كان ينظر إلى كل جزء فيّ من أخمص قدميّ حتى أعلى رأسي إلى درجة تجاوزت الجرأة حتى أصبحت وقاحة.
أثار فيّ عنادا قويا. فلم أحرّك ساكنا. بقيت أنظر إليه وهو يقوم بتلك العملية الاستفزازية كأنّه يتفرّج على لقطة من شريط سينمائي. غير أنّني لم أتمالك من تجاوز عنادي ولا مبالاتي لأغطس في أعماقه من خلال نظرة حسبتها عابرة لكنّها لم تكن كذلك. حدث شيء غريب في تلك اللحظات. حدث ما هو عصيّ على الشرح والتحليل. ما هو أكبر من الكلام. من اللّغة.
حدث أن رأيت النار ملتهبة في أعماقه، لقد شاهدت ألسنة اللّهب تصّاعد في مرآة عينيه. أنا أيضا استعرت في أعماقي نيران حريق لم يحدث لي من قبل ولن يحدث بعد ذلك.
لم نتعرف على بعضنا البعض. لم نتحدث. لم يسأل أحدنا الآخر. بادرنا فورا ومباشرة إلى لبّ ذلك الشيء الغريب الذي انفلق بيننا كحبّة لوز. اكتشفنا أنّ بداخلها حبّتين ملتحمتين في عناق ربّاني. قال لي إنّ السفينة ستتوقف بعد سويعات في ميناء جنوة وإنّه يريد أن يراني في فندق. وافقت فورا وبلا أيّ سؤال. أعجبني أنّ الفندق الذي اختاره كان بعيدا عن الميناء المكتظ بمن يعرفونني جيدا ويعرفون العائلة. تركت أدباشي عند صديقة لي وذهبت إليه. قضينا ليلة خرافية. ليلة لا تقدر اللّغة على وصفها ولا على تصوير ما حدث فيها. ما حدث بيننا كان أجمل وأعمق وأعنف من أن يحكى أو يكرّر أو يقارن. كنّا حقّا قلبَيْ “لوز عَشَّاق” في قشرة واحدة.
لكن يبدو أن القدر شاء أن يفرّقنا.
كان لقاؤنا ذاك لقاء أمّ عثرت على وليدها الذي ضيّعته أهوال الدنيا. أو هو لقاء قفل كان قد ضيّع مفتاحه في زحمة الفوضى. أو هو لقاء قلب ملحد بنور الإيمان بالله.
لقد تحدّثنا في تلك اللّيلة بلغة الجسد التي كنا نتقنها نحن الإثنين حدّ الإبداع، إلى درجة لم نحتج فيها إلى لغة غيرها. لم نتكلم. لم نتساءل. كان كل شيء مكشوفا بيننا إلى حدّ لم يحتج فيه إلى ألفاظ تكمّل ما نقص أو توضح ما غمض، أو تشرح ما استعصى عن الاستيعاب.
ثمّ استسلم كل جسد إلى شقّه. دفنت رأسي في عنقه ونمتُ.
بعد إغفاءة، لا أدري كم استغرقت من الزمن، استفقت. كان يغطّ في نوم عميق. نظرت إلى وجهه طويلا. لم يبدُ لي قبيحا كما قال لي عندما استقبلني في غرفة الفندق مازحا: “أرجو ألاّ يرعبك قبحي وألا يفزعك أنفي الكبير فتهربي”.
رددت مبتسمة: “لا مطلقا، هناك تناسق في ملامحك” قبّلته على قمّة أنفه، وفي كل جزء من جسده الذي سكنني وكمّلني كأنه نصف جسدي الضائع. كانت حول عنقه سلسلة فضيّة، عُلِّق في طرفها شكل عرفت فيما بعد أنه عليقة تسمى “يد فاطمة” عند التونسيين. فتحت قفل السلسلة. سحبتها في هدوء. وضعتها حول رقبتي. لا أدري لماذا فعلت ذلك، حتى الآن لم أعثر على جواب لكنّي ضللت أحمل تلك السّلسلة منذ تلك اللّيلة، شاهدة على ما حدث”.
توقفت فالاريا عن الكلام. ظلّت تنظر إلى عينيّ كأنّها تبحث عن وقع حكايتها فيّ بينما راحت أصابعها تفتح الزرّين الأوّلين في قميصها وتكشف عن صدرها.
عندها رأيت السّلسلة. تدلّت على لوح صدرها الأسمر العريض في حين نامت العليقة بين ثدييها. سحبت الجزء النائم من السّلسلة فوق قلبها. فتحت القفل وسحبتها من عنقها. ثمّ أمسكت بها في الفضاء أمام ناظريّ وقالت في استسلام قدري “أعتقد أنّها لك. أنت الآن أحقّ بها منّي. عندما أخذتها من والدك، لم أكن أعرف أنني سآخذ منه جزءا آخر هو أنت. لم أكن قد فكرت فيما يمكن أن ينتج عن ذلك اللّقاء لكنّ الذي نتج هو أنت. عندما عرفت بعد أسابيع أنّي حامل، قطعت علاقتي بذلك الشاب الذي كنت قد فكرت في الارتباط به. فأنا بعد ذلك اللّقاء الخرافي لم أعد أستطيع أن أرضى بغير ذلك مرادا.
أعلمت صوفي بحملي وقراري أني لن أجهض. لقد كانت تلك اللّيلة أكبر من ليلة زواج وأكبر من عمر زواج وأعمق من عشرة طويلة بين زوجين. لقد اختزلت كل ما يمكن أن أعيشه طوال سنوات مع ذلك الذي كنت سأرتبط به. لم أعتبرك قط ابن لحظة مجهولة وعابرة، ولا ابن نزوة طائشة، ولا ابن غفلة، ولا ابن لهو وعبث. لقد اعتبرتك ابنا شرعيّا لزوجين أراد لهما القدر أن يلتقيا في لحظة خصب، في لحظة زرع، في لحظة كثّفت العمر وعمّقت التجربة.
لقد كان ذلك اللّقاء منعرجا في حياتي. وإذا بي أتقدّم متطوّعة لأساعد والدي في شركته حتى حللت شيئا فشيئا مكانه. لقد ماتت تلك الفتاة العابثة و حلّت محلّها امرأة ناضجة وجديّة استطاعت أن تنجح في إدارة شركة تعتبر من أصعب الشركات، فالعمل مع البّحارة والصيّادين ليس بالأمر الهيّن. مما اضطرّني إلى الدخول في عالمهم المغلق حتى أحسن التعامل معهم، فعالمهم مغلق على الرّجال العاديين فما بالك بالنّساء. لكني نجحت في اقتحامه بل إنّني أصبحت صديقتهم دون أن أفقد هيبة رئيس العمل. لقد اكتشفت خلال تجربة اقترابي منهم أنّ بداخلي ذكرا. صحيح أنّ أنوثتي عالية، لكنني معهم تعلّمت كيف أخفيها وأخرج الذَّكر الذي يرقد في أعماقي فيعربد مثلهم ويقول الكلام الفاحش. وكانت تلك وسيلتي الوحيدة للنّجاح في عملي.
كان جدّك فخورا بي وبنجاحي. كان يتباهى بي أمام أخوالك الذين رفضوا العمل معه في البداية لكنني شيئا فشيئا نجحت في استقطابهم. أعرف أنّك تتحرّق شوقا لتعرف من يكون والدك! صدّقني يا فريدو، يا عزيزي، إني لا أستطيع أن أجيبك. أنا نفسي لا أعرف. لا أعرف سوى أنه تونسيّ بالتأكيد وأنه صاحب هذه السّلسلة. حرّضتني أمّي صوفي، وأنا حامل بك على أن أبحث عنه، وأن أعود إلى السّفر في تلك السّفينة لكنني رفضت. اعتقدت حينئذ أن الأمر يخصّني وحدي. كنت متأكّدة أنّني اكتفيت من ذلك الرجل بما يغني عن كل الرّجال، وأنّي لم أعد في حاجة إليه. فلم ابحث عنه رغم أنّ ذلك كان ممكنا.
أعترف أنّي كنت أنانية. لم أفكر فيك، في حقّك، في الانتماء والهوية. لم أفكر أنّ تلك البذرة التي زرعت في بطني ستصبح إنسانا ذات يوم فيطلب منّي أن أردّ على أسئلة لم تكن تعنيني.
أنا أطلب منك الآن أن تغفر لي أنانيتي وأقول لك: حاول بنفسك أن تبحث عن والدك. ربّما عثرت عليه ذات يوم. سامحني يا ولدي…”.

10

نمت طوال يومين متتاليين، انتفى لديّ الإحساس بالزمن فلم أعد أفرّق بين اللّيل والنهار.
عندما أفقت كنت كمن يعود من العدم، لا أحلام ولا كوابيس، كأنّي ولدت في تلك اللّحظة التي أزحت فيها الستارة عن الشباك فسطع الضوء في عينيّ كصرخة الوليد.
أسرعت يدي في حركة لا إرادية لتقي بصري من هجمة الضوء تلك.
ثوان استأنست بعدها بضوء النّهار. فتحت باب الغرفة على مصراعيه، وجلست على كرسيّي الوثير المفضّل الذي وضعته قبالة الباب تماما.
يحلو لي الجلوس هناك لزمن طويل لا أحب أن أقدّره. تلك عادتي كلّما عدت من رحلة في انتظار رحلة أخرى ستأتي بالتأكيد.
أدلي بصنارتي في الغموض وأطلق الخيط إلى آخره وأترك له حريّة البحث عن القاع إن كان للغموض قاع.
هل للمجهول قاع؟ هل للذّاكرة قاع؟ هل للحياة قاع؟
أكره أن يكون للأشياء قاع. القاع نهاية وأنا أكره النهايات، لذلك أكره الموت وأكره قصص الحبّ والعشق. لا أريد أن أبدأ حتى لا أُضطر إلى النهاية.
هل يعود ذلك إلى مزاجي المتقلّب كالبحر؟
هل يعود ذلك إلى لجاجتي وعدم صبري على الأشياء؟
ربّما، فأنا أكره البطء. وأكره الصّبر وأكره الثرثرة والحكايات.
وها أنا أروي لكم حكايتي مع الحياة أيّها القراء، فمن كان منكم مثلي لجوجا وبلا صبر فليلق بها إلى القمامة إن وقعت بين يديه.
تتساألون ما الذي دفعني إلى هذه الثرثرة إن كنت أكرهها؟ إنّها هذه الكاتبة الروائية المجنونة. لقد خلقتني منها ودفعتني إلى أن أروي لكم حكاية، هي من المفروض حسب السرد الروائي حكايتي لكني حقيقة لا أدري حكاية مَن هذه؟ ولا أدري أنا تحديدا من أكون؟ هاهي آمال مختار تتسلّى بي، تؤثّث وقتها، المزدحم أصلا، بي. أهي مثلي تنتظر اللاشيء، فتصنع لنفسها مني ومن الكتابة تسلية؟ ربّمــا!
ماذا لو أثور عليها؟ ماذا لو أرفض مواصلة الدّور الذي أعطتني إيّاه؟ ماذا لو أخونها؟
لا! الأفضل أن أعاكسها. أن أوقع بها في شراكي.
ها أنا الآن وحيد وضجر. ماذا لو أدعوها إلى سهرة في بيتي؟ هل تقبل؟ بل عليها أن تقبل. ذلك شرطي الوحيد حتى أواصل الدور: دور عفيف بلقايد.
سأنتقم منها لأنّها جعلتني قبيح الشّكل. هل يعقل أن يكون زير نساء قبيح الوجه؟ ما بالها هذه الكاتبة؟ إنّها مجنونة حقا!
كيف سأنتقم منها؟
إنّها امرأة، ككل النّساء، يكفي أن أنظر إلى أعماقها، أن أوقظ جمرها الخانس تحت الرّماد حتى يعود اللّهب إليها. عندها ستأتي إليّ راكضة، لاهثة، تطلب ماء لإطفاء الحريق.
عندها سأقول لها: لا ماء في منزل عفيف بلقايد.

فعلا سأقطع عنك الماء يا عفيف. أيّها النّزق! ستنهض الآن من كرسيّك الوثير، ستذهب إلى الحمّام راغبا في حمّام منعش استعدادا للسّهرة التي قرّرتها لك هذه اللّيلة وستجد الماء مقطوعا.
ستسبّ وتلعن، وستظلّ كذلك على كسلك وعطشك حتى أشفق عليك فأردّ لك سيل الماء.
أمّا إذا تطاولت عليّ ثانية فتأكد أني سأقتلك. وأنت تعرف أنّك شخصية من هراء، من لغة، من ثرثرة ويكفي أن أطلق عليك فعلا من أفعال الموت الذي تكرهه حتى تموت. كأن تغرق “الجزيرة العائمة” أو تغمد في قلبك إحدى ضحاياك من النّساء سكّين المطبخ أو، بكلّ بساطة، أقطع عنك حبل الكلام فتتلاشى كما الضباب عندما تشرق شمس النهار.
سأستعدّ للسّهرة. يبدو أنّه لا مفرّ من مواصلة الثرثرة. من سأدعو لهذه السهرة التي سأقتل بها الملل؟ سأدعو القبطان فارس الأسود. ومن أيضا؟
لنقل كمال رئيس الفرع البنكي حيث حسابي، ومعزّ حبيبـي ورفيق دربي ودراستي الذي أتمّّ دراسته حتى تخرّج محاميا. سيتكفّل هو بتنشيط السّهرة بنكته الخليعة. إنّ ذاكرته بارعة في حفظ النكت وتدوينها بل وإضافة البهارات عليها فتصبح أكثر إثارة وقدرة على الإضحاك. آه، نسيت أن أضع في القائمة ماهر “العوّادجي” وهو ماهر حقّا في أداء الأغاني، بل إنّه يغنّي بصوت مميّز يطرب، خاصة عندما يبلغ في سُكْرِه قمّة الانتشاء، بل إنه يُطرب ألف مرّة أفضل من كل تلك الأصوات والأجساد التي تملأ شاشات التلفزيون. أنا أكره التلفزيون، بل إننّي لا أملك الجهاز في بيتي. لقد أهديته ذات سهرة لصديق قال إنه مغرم بمشاهدة النساء وأجسادهن في الكليبات، فقلت له: “إذن سأهديك جهاز تلفزيوني لتضعه في غرفة نومك. أمّا أنا فإنّي مغرم بأجساد النّساء وهنّ بين يديّ وأسنان رغبتي” .
سكبت كل الماء المعدني الذي يوجد في المنزل على رأسي.انتعشت واسترجعت عافيتي الذهنية. تلفنت للأصدقاء، وانغمست في المطبخ أعدّ أطباق الأكل.
فأنا أجيد الطبخ منذ طفولتي. كنت أقف دائما إلى جانب الحاجة فاطمة فأسرق منها كل حركاتها وهي تطبخ ألذّ أكل. في أحيان كثيرة وهي نائمة في غرفتها في القيلولة كنت أتسلّل إلى المطبخ، فأحاول إعداد أكلات من اختراعي، ثمّ أضعها في أطباق وأضفي عليها من الديكور ما يجعلها تبدو شهيّة.
كنت أرغب في مفاجأتها حتى تستريح من تعب إعداد العشاء. كانت تقبّل رأسي وتمتدح ذوقي في الديكور ثم تضحك وهي تحاول تذوّق طعم ما صنعت، وتقول: “والله لا أدري يا عفيف يا ولدي أهو مالح أم حلو.”
تلك المحاولات الفاشلة صنعت منّي طبّاخا ماهرا.
عندما سألني القبطان في لقائي الأوّل به “ماذا تجيد أكثر من عمل العتالة؟” قلت له ساعتها مستعرضا عضلات نباهتي: “أجيد كل ما تريد”. بعد ذلك علم أنّي أجيد الطبخ فحوّلني إلى مطبخ “الجزيرة العائمة”.
قضّيت سنوات طويلة أطبخ للمسافرين ألذّ الأكلات وأشهاهاز أما اليوم المخصّص لأكلة “الكسكسي” فكان يوما خاصا عند أهل “الجزيرة العائمة”. إنّها أكلتي المفضّلة وأكلة أمّي التي ورثتها عنها. ها أنا حتى الآن مازلت أحلم بفتح مطعم مختصّ فيها: “الكسكسي” بجيمع أنواعه وكما يطبخ في جميع أنحاء البلاد التونسية.
سأصنع للمطعم ديكورا خاصا. كأن أجعل فيه صالونات للاسترخاء وشرب الشاي بعد أكل “الكسكسي” الشهيّ. أمّا الميزة الثانية فستكون الاستماع إلى الأغاني التونسية: من صليحة وعلي الرياحي ونعمة وعليّة وصفيّة الشامية إلى لطفي بوشناق وعدنان الشواشي وأمينة فاخت.
تكدّست قناني “الوسكي” الفارغة إلى جانب ماهر وكمال، أمّا القبطان فهو يفضل دائما شراب الفودكا.
ازدهر جوّ السّهرة فتخلّى القبطان عن صرامته وكمال عن سترته وربطة عنقه بينما علا صوت ماهر وهو يغنّي كوكتيلا من أغاني صليحة: “بخنوق بنت المحاميد عيشة” و”خالي بدّلني”.
التفّ الوسكي على رصانة الجميع فسحقها بكميّة. بل إنّه أذاب الطبقة الثقافية والأخلاقيّة الهشّة التي تغطّي شخصياتهم وإذا القبطان يقول بلسان شبه ثقيل: ” اسمع يا عفيف أنت تعرف مدى حبّي لك وتقديري لذكائك ونباهتك، لذلك سأعرض عليك ما عرضه عليّ صديقي عشية هذا اليوم قبل أن أجيء إلى هنا.”
قاطعه معزّ وقد طيّر الوسكي صوابه: “هل عرض عليك الزّواج وأنت بدورك ستعرضه على عفيف؟”
انفجرت قنبلة من الضّحك، تلتها سلسلة من الضحكات التي تندلع بلا سبب. بعد أن هدأت موجة الضحك واصل القبطان: “لقد عرض عليّ صديقي حقيبة وزارية وطلب منّي أن أفكّر في الموضوع مليّا، غير أنّني كنت قد اتّخذت قراري وأنا هناك أشرب القهوة في مكتبه، أمّا قراري…”.
مرّة أخرى تقاطعه المجموعة ويعلو صوت كمال: “طبعا، رفضت لأنّك تريد ما هو أفضل وستعرض الأمر على عفيف فهو مساعدك وهو أولى بالوزارة”.
خيّمت لحظات من الصمت، كأنّ المجموعة استعادت وعيها فجأة، غير أنّ القبطان بعد أن ألقى بجرعة الفودكا في بطنه عاد ليواصل: “حقيقة رفضت ليس لأنّي أطمح لما هو أفضل. لا، بل لأنّي لن أخون البحر و”الجزيرة العائمة” بعد كلّ هذه السنوات من العشرة. أمّا عفيف فهو أكثر من يليق بهذا المنصب خاصة وأن الحقيبة المعروضة هي حقيبة السياحة “. ردّد معزّ: “حقيبة السّياحة؟ هل للسّياحـة حقيبـة؟”.
انفجر الضحك من جديد، في الأثناء أعطاني معزّ سيجارة. معزّ يعرف طبعا أنّي لا أدخّن. أخذت السيجارة التي أدخنها فقط في مثل هذه السّهرات. سحبت نفسا طويلا بينما كان كمال يصفّق: “نعم أطلق صاروخك”.
نفثت الدّخان بعد أن خزّنت أغلبه في رئتي ثم قلت: “لولا صواريخ الوهم هذه لأنفجرنا نحن مثل الصواريخ”.
قال معزّ سأروي لكم نكتة. سكت الجميع تهيُّئا لسماع النكتة وقبل أن ينطق معزّ قال كمال: “لا تكرّر النكت التي حفظناها”.
قال معزّ: “لا، لا هذه جديدة، مستوردة: جلس شاب وسيم إلى جانب عجوز في حافلة إسرائلية، فأرادت العجوز أن تفتح باب الحديث معه علّها تظفر بشيء من وسامته.
فسألته: “هذا الباص رايح على فين؟”
ردّ عليها الشاب: عزيزتي هذا الباص رايح عند الله، بوم…”.
ثمّ انفجر الجميع: هاها…
علّق كمال، ثمّ واصل: ألم أقل لك لا تكرر النكت؟ ألم تقل لنا في السّهرة الماضية إنّها جديدة؟ ألم تمت العجوز مع الشاب الفلسطيني الانتحاري في السهرة الماضية؟”.
ضحكنا.
قال ماهر: أما أنا فسأغنّي “الحب كلّو” وانطلق صوته شجيّا يغنّي رائعة أم كلثوم التي أكره سماعها.
قاطعته: “اسمع أيّها العاشق لا تسكب علينا رومانسيتك في سهرتنا. نحن هنا لنضحك. فقط لنضحك.”
صفّق القبطان وقد استوى: “يحيا الضحك! تحيا تونس!..”
ضحكنا. مرست عقب السيجارة في صحن فنجاني. ترشّفت ما تبقّى من قهوتي.
قال كمال: “حتى الآن لم أستوعب فكرة أنّك لا تشرب الخمر يا عفيف. أنت فاسق فاسد لا تتوانى عن فعل كل الموبقات. فلماذا لا تشرب؟”
ضحكت ولم أردّ. فهذا سؤال كمال الدّائم في كلّ سهراتنا.
ردّ معزّ بدلا عنّي: “هو لا يشرب الكحول، لكنّه يشرب النساء”.
ضحكنا.
علّق كمال: “ذلك أفضل. حتّى يجلب لنا المزيد من “الوسكي” من مغازة السفينة بدل أن يشربه هو.”
قال معزّ: “زارتني اليوم حريفة في مكتبي، امرآة شابّة، أنيقة، جذّابة. قالت إنّها تودّ أن ترفع قضيّة طلاق إنشائيّ ضدّ زوجها.
سألتها عن أسباب ذلك فقالت بكل جديّة: لقد زارتني صديقة في منزلي وكنا نلتقي في أماكن عامّة أو عند بعض الصديقات، فأعجبت أيّما إعجاب بالمنزل وهندسته وديكوره. وقالت: أتدرين أنّ منزلك يثير الشهوة؟ أما أنا فزوجي يفعل ذلك معي في كلّ مكان: في المطبخ والحمّام والشرفة وحافّة السرير…
أحسست بألم يخز قلبي، أتدري لماذا أيها الأستاذ؟ لأنّي قارنت نفسي بها، ففوجئت بأنّ زوجي نكحني أنا ثمّ نكح أموالي ثمّ نكح سيارتي ثمّ نكح أموال عائلتي.
عندها انتبهت للكارثة التي أعيشها، فجئت لأطلّقه وأنقذ شرفي…”
ضحكنا.
وضع القبطان شاله حول رقبته فعرفنا أنّ السهرة انتهت. نهض الجميع. وضع كمال الربطة حول عنقه دون أن يربطها ووضع معزّ سترته على كتفه بينما حمل ماهر عوده. خرجوا جميعا يتمايلون. تابعتهم وهم يتحوّلون في ضوء الفجر الرمادي إلى كتلة واحدة في آخر الزقاق قاصدين سيّاراتهم في البطحاء القريبة. أغلقت الباب وعدت. اجتزت صحن المنزل إلى الصالون. نظرت إلى مكان سهرتنا فبدت المائدة يتيمة فوق الزربيّة حيث كنا نجلس بينما تكدّست قناني “الوسكي” كأنها الجثث في مقابر بغداد الجماعية. أفزعني المشهد فأغلقت الباب.
غدا ستُفرج.
خلعت قميصي وسروالي وجلست على كرسيّ الوثير قبالة باب غرفتي. ألقيت يدي أسفل بطني ورحت أحلم بها بعينين مفتوحتين.

11

آه… ما أطول سنوات الانتظار هذه؟
بدأت أتعب وأضجر من هذا التمدّد في نفس الوضعية. ماذا لو جعلوا من القبر أكثر اتّساعا مادامت سنوات انتظار يوم القيامة مفتوحة على اللانهاية؟
ماذا لو جعلوا من القبر مكانا ليّنا وناعما حتى لا تتعب وتتألّم عظام الجسد من صلابة الأرض؟
ماذا لو تركوا في القبر فتحة تتسلّل منها الرّوح فتزور من تحبّ ثمّ تعود؟
كم أشتاق لزيارة فاطمة حبيبتي التي لا تبعد عنّي كثيرا.
كم أشتاق إلى حضنها الدافئ ونفسها العطر. نسيت كلّ النّساء اللاتي تزوجتهنّ خلسة دون أن تعرف فاطمة الأمر، وبقيت فاطمة سيّدة قلبي وسيّدتي.
فاطمة عزيزتي لقد انقطعت عنّي أخبار عفيف وأخبار الحياة منذ موتك ورقدتك في قبر مجاور.
عفيف! لم يزرني منذ سنوات، بل إنّه لم يفعل ذلك منذ موتك منذ ما يزيد عن العشرين سنة.
هل أقول إنّه ولد عاقّ؟ هل أقول إنّه نسيني؟ هل يزورك أنت في قبرك أم إنّه دفنك أنت الأخرى في النسيان وانشغل بالحياة عن ذكرنا.
إنّه لا يزورنا حتى في الأعياد، ولا يقرأ الفاتحة ترحّما علينا.
أخبريني يا فاطمة كيف تصرّف مع أبناء عمومته في أمر المنزل؟ هل هجره وتركه لهم لقمة سهلة بعد أن بذلت المستحيل ليكون المنزل له وحده.
أتدرين يا فاطمة؟ لقد اقترفت لأجله ذنبا سيعاقبني الله عليه. أردت له الرّاحة والطّمأنينة بعد رحيلنا. أردت له السِّتر في منزل أجداده. لذلك جعلت والدي في آخر أيامه يبيع لي المنزل بيعا صوريّا ودفعته إلى حرمان أخوتي وأبنائهم من نصيبهم في المنزل.
لقد حرّضته ضدّهم، فباع المخازن والمحلات التي كان يؤجّرها.و بقي المنزل الذي استحوذت عليه من خلال ذلك العقد المزيّف.
بعد موت والدي فوجئ إخوتي بالعملية. فاندفعوا نحوي الواحد تلو الآخر مطالبين بنصيبهم في المنزل الذي ظللت أسكنه بعد زواجهم جميعا وبعد زواجي ورحيل والديّ.
غضب البعض وقدّم البعض الآخر شكاوى ضدّي في المحاكم. لكني كنت بواسطة علاقاتي أربح القضايا…
فعلت كلّ ذلك لأجلك يا عفيف. وأنت الآن لا تأتي حتى لزيارتي في قبري. تبّا لكت من ولد لا يعترف بالجميل. أمّا إذا تركت المنزل لأبناء عمومتك فستكون أغبى رجل في العالم لأن من يترك حقّه رجل ساذج وغبيّ.
أمّا أنا فسيعاقبني الله على ذلك. أعرف ذلك تماما، منذ أن كنت في الحياة، كنت أعرف أنّ عقاب الله سيكون شديدا لأني زوّرت وحرمت إخوتي من حقّهم في ميراث والدهم.
وأنت بسذاجتك تجعلني أدفع ثمنا باهضا من أجل اللاشيء. أردت أن أمنحك سعادة امتلاك منزل دون تعب وشقاء وقبلت أن أدفع ثمن ذلك من جنّتي الموعودة لكنك أنت والشيطان ستحرمانني من هذه الجنّة وستلقيان بعظامي في جهنّم الحمراء.

12

لست أدري إن كان عليّ أن أغفر لها لامبالاتها أم جنونها؟ لأوّل مرّة أحس بالصّدق في كلام فالاريا، ولأوّل مرّة أحسّ بالعجز عن الردّ.
ماذا أقول لها؟
هل أشتمها؟ هل أقول لها: إنّك أنانية وإنّك عابثة؟ هل أقول لها: كان الأجدر بك أن تجهضي هذا الفرخ الحرام بدل من تتشبّثي بنزوة مجنونة أدفع أنا الآن ثمنها من أعصابي وسلامي مع نفسي؟
هل أحضنها وأمسح دمعة قلبها الدّامي وأرضى بقدري كما أرادته لي أمّي؟ لست أدري، حقيقة، ماذا أفعل؟
قبضت على السّلسلة الفضية في كفّي. ضغطت وكأني أكمش هوّيتي أخيرا، ثمّ أخذت يدها وغادرنا المطعم.
بعد ليلة البوح تلك أصبحت علاقتي بفالاريا أقلّ تشنّجا، حتى أنها لم تعد ترمي بملاحظاتها حول صديقاتي اللاتي أغيرهنّ كما أغيّر ملابسي الداخلية.
لم أكن أعرف لماذا أفعل ذلك. لكنّي كنت أملّ سريعا. كلّ واحدة تمرّ أمامي أراها أجمل فتاة في الدنيا وأنّ عليّ أن أجعلها صديقتي، وما أن تسقط في سريري حتى تموت في أعماقي كشمعة تذوب في آخر المطاف.
إلى متى سأظلّ كذلك وقد مللت هذه اللّعبة التي أدمنتها كطمع المقامر. خلال السّفرات التي قمت بها إلى تونس على متن “الجزيرة العائمة” تعرّفت على فتيات كثيرات منهن التونسيات، وقد أثرن إعجابي باختلافهن عن الايطاليات، إنهنّ أكثر توهجا وإشتعالا.
في علاقاتي بالتونسيات كان لديّ هدف آخر خفيّ إلى جانب إستهلاكي لأجسادهنّ. لقد كان هدفي أن يساعددني على البحث عن والدي المفقود في ازدحام الحياة وفوضاها. تواصلت علاقتي مع البعض منهنّ في تونس حيث كنّا نلتقي في المقاهي والمطاعم وفي منزلي الذي استأجرته، غير أنّ بحثي لم يكن يؤدّي إلى نتيجة. إذ كيف لهنّ المساعدة وأنا لا أملك نقاط استدلال تقودني إلى هذا الرجل المجهول.
لكنّي لم أيأس، بل لعلّ هذا البحث أصبح غاية في حياتي وسببا لكياني.
لم أكن أعمل. ولم يكن لديّ أي شيء أنشغل به. لقد وفّرت لي أمّي ثروة طائلة، غير أنّها لم توفّر لي هويّة وهي أهمّ عندي من كلّ أموال العالم.
إذ ما قيمة الإنسان وهو مجهول النّسب، منبتّ، لا أصل له ولا جذور؟
فيعود السؤال حارقا: أنا ابن من؟
جئت إلى هذه الدنيا من صلب من؟ إلى أيّ شجرة عائليّة أنتمي؟
أنا من أنا؟
كنت عائدا من جنوة ذات مرّة على متن “الجزيرة العائمة” التي تكاد تصبح بيتي الذي أسكنه حتّى أنّي صرت وجها أليفا عند طاقمها.
جلست على الكرسيّ العالي إلى مشرب الحانة وطلبت قهوة.
رحّب بي النادل. قدّم لي القهوة وقال: “هل تربطك صلة ما بمساعد القبطان السيّد عفيف؟”
ابتسمت في استغراب وقلت: “ما الذي جعلك تقول ذلك؟ أنا إيطاليّ وهو تونسيّ بالتأكيد.” ردّ في لامبالاة: “لا، لا أعتقد أنه مجرّد اشتباه. ألم يحصل لك أن قابلته؟ فأنت دائم السفر على سفينتنا؟”
قلت: “لا. لكنّك أثرت فضولي لرؤيته”.
قال النادل: “هو أيضا لا يشرب الكحول مثلك تماما”.
قطّبت جبيني، وقلت: “أرجو أن تسرع فتعرّفني بهذا الرجل.”
كنت أجلس، في المطعم ليلا، وحيدا إلى طاولة عشائي عندما وقف إلى جانبي نادل الحانة وقال: “شهية طيّبة!” شكرته بهزّة من رأسي. ثمّ توقّف نظري فجأة عند وجه الرّجل الذي يقف إلى جانبه بزيّ القيادة البحرية. ياربّ! إنّ هذا الرجل يشبهني، بل إنه يشبهني إلى حدّ بعيد!
أيعقل أن يكون هناك في الدنيا من له أنف مثل أنفي؟ يا ربّ! أيّها المسيح ساعدني! قف إلى جانبي وأسندني. قل لي من هو أو أبعده عنّي…”
تعالت دقّات قلبي ضاجّة كأنّها تلاميذ يغادرون الفصل. وضُخّ الدّم في عروقي حتّى كادت تنفجر ضغطا.
سلّم عليّ الرّجل ورحّب بإيطاليّة سليمة فرددت عليه عمدا ببعض الألفاظ التونسيّة التي تعلّمتها من البنات اللاّتي عرفتهنّ.
قطّب جبينه وابتسم معلّقا: “ها! إنّك تتقن اللّهجة التّونسيّة؟”
عدت أتحدّث بالإيطاليّة ودعوته إلى الجلوس.
قال النّادل مازحا: “يبدو أنّه لم يعد لوجودي ضرورة؟”
شكرته. انصرف.
راح الرّجل يتفحّصني ويقلّبني كمن سيشتري بضاعة ثمّ قال: “حدّثني النادل عن الشّبه الغريب بيني وبينك. الحقيقة أنّه لاحظ ذلك منذ مدّة فأنت على ما يبدو مسافر دائم بين جنوة وتونس. لكنّني لم أُعِر المسألة انتباها. فالله يخلق من الشبه أربعين، لكن يبدو أنّ ملاحظته في محلّها…”
عُقد لساني فابتلعت كلماتي في جوفي. كان وقع اللّقاء مع هذا الرّجل الغريب كبيرا وعميقا على روحي الهشّة المرتبكة في فوضى البحث عن هوية ضائعة، أو هويّة سلبها القدر مني.
كدت أستسلم لأنّني لن أحارب القدر وإلاّ أصبحت كمّن يحارب طواحين الرّيح، وإذا بهذا القدر يطوّح بي في دوامة جديدة فيؤجّج شكّي الذي سيلتهم ما بقي لديّ من قدرة على الوقوف شخصيّة عرجاء.
كدت أتقبّل عرج شخصيّتي، بل كدت أتعوّد عليه كجزء طبيعيّ منّي. وما ضرّ لو كنت بلا هويّة؟ لو كنت بلا أب؟ فالحقيقة غير ذلك. إذ لا يمكن أن أكون بلا أب.
أمّا الاشكالية فهي مصطنعة. لقد خلقها الفضول الإنساني الذي لا يحبّ أن يفوته شيء من تفاصيل العلاقات الحميمية. يحبّ أنّ يكون كل شيء تحت مجهره، فيعلم أنّ تلك المرأة مارست الجنس مع ذلك الرّجل. بل إنّه يحبّ أكثر من ذلك. إنّه يحبّ أن يقرّر لهذه المرأة ويختار لها هذا الرّجل أو ذاك لتعاشره ثمّ يجب أن يعرف أنّ نتيجة ذلك إنسان سيسمّى كذا.
أوف، تعقيدات وضعها الإنسان ليتسلّى بها ويشغل بها حياته. فيزوّج هذا ويطلق ذاك ويدوّن اسم هذا الوليد وتاريخ ميلاده.
لم كلّ هذا التّعب وهذا العمل الشاق؟ ألم تكن الحياة البدائية أكثر بساطة وانطلاقا، تحكمها قوانين الطّبيعة التي هي أكثر صفاء وصدقا.
تقرّب الكيمياء البشرية بين هذه الأنثى وهذا الذّكر دون غيرهما، فينجبان ما ينجبان من بشر. المهم أنّهم بشر أبناء بشر. والأهمّ هو تواصل وجود الجنس البشري. فما قصص الهويّة والانتماء إلا قصص مفتعلة صُنعت لتدمّر حياة الذين يصابون بحوادث قدرية وهم الأغلبية في الوجود.
انتبهت عندما فاجأني الرجل وقد أمسك ذراعي وشدّها. إذ سمعته يقول: “هاي، أين ذهبت بأفكارك؟ ألا تسمعني؟”
ابتسمت محاولا مداراة أفكاري تلك. ربّما كنت قد اختلقتها تبريرا للوضعية التي أعيشها.
قلت: “لا… لا، إني أسمعك. لقد قلتَ لي إنّ اسمك هو عفيف، أليس كذلك؟”
ضحك الرّجل فرأيت أسنانه ناصعة البياض وجميلة قال: “كان ذلك منذ نصف ساعة ياصديقي.”
رفعت أنفي إلى أعلى في حركة اعتذار وقلت: “يبدو أنّي تهت حقّا.”
نهض الرجل الأربعينيّ فبدا طوله الفارع في زيّ عمله ذا هيبة وحضور بالغ، قال وهو يمدّ يده لمصافحتي: “تشرّفت بمعرفتك يا فريدو. سنلتقي هذا أكيد.”
استدار قبل أن أنطق بالتّحية. ذهب فبدا لي ظهره في سترته البيضاء كبيرا كلوح محفور.

13

إنّي أراها تنتقل من غرفة إلى غرفة، تذرع صحن الدار، تدخل المطبخ، ثمّ تطلع الدّرج المؤدي إلى الطابق الأعلى في المنزل “العلي” كنحلة عاملة مخلصة في عملها حتى الموت.
كذلك كانت الحاجة فاطمة أمّي التي أفتقدها وأتوق إليها بشوق نازف. أراها في كل زاوية من زوايا المنزل، في كل شبر من أرضه، أشمّ رائحتها في كل قطعة أثاث وفي كل شيء ألمسه.
إثر وفاتها هجرتُ المنزل. كدت أن أسلّمه لأبناء عمومتي لولا أنّي حلمت في أوّل ليلة من وفاتها بوالدي الشيخ الطاهر وهو يحذّرني من مغبّة فعل ذلك.
استفقت من الحلم فزعا. شربت نصف قنينة ماء. فتحت خزانة ملابسي حيث كنت أحتفظ بالحقيبة الجلدية التي كانت أمي قد سلّمتني إيّاها قبل وفاتها ببضعة أشهر. أطلعتني في تلك الساعة على كميّة من الوثائق التي تثبت ملكيّتي للمنزل الذي ورثته عن والدي مع مبلغ من المال. طلبت منّي أن أنفقه على مراسم دفنها وجنازتها. كذلك كانت وصيّة الحاج الطاهر الذي ترك المبلغ من حرّ ماله ليكون قد أدّى واجبه نحوها حتى آخر لحظة من حياتها.
أخذت المبلغ. وضعته في جيب سترتي. لقد كان والدي حكيما. فأنا حتى تلك الساعة كنت لا أزال تلميذا. وكانت أمّي هي المسؤولة عن ميزانية المنزل. لم أكن أدري كيف كانت أمّي تصرّف شؤونها ولا من أين تأتي بالأموال لأعيش وإيّاها في ظروف ميسورة. لكنّي علمت بعد ذلك أنّ والدي ترك أموالا مدّخرة في حسابه البريدي وأنّ أمّي كانت تسحب مرابيحها في شكل راتب شهريّ عشنا به في أفضل حال.
قالت لي الحاجّة فاطمة وهي تسلّمني الحقيبة: “إنّ تلك الأموال التي ادّخرها والدك لنا بعد غيابه هي نصيبه من تلك المخازن والمحلات التي باعها جدّك. كان الحاج الطاهر يقول: “أحسّ أنّي لن أعمّر طويلا وأنّي سأترك عفيف وحيدا. أريد أن أضمن له حياة كريمة قبل رحيلي.”
وها قد صدقت نبوءته، بعد موتي أنا أيضا ستصبح هذه الأموال من نصيبك.”
أخذت الحقيبة ووضعتها في المكان السرّي الذي أطلعتني عليه الحاجّة في ذلك اليوم. كان والدي قد أعدّه لمثل هذه الوثائق والأموال والذّهب. كان المكان بمثابة صندوق خشبي مستطيل الشكل مصنوع على قياس ظهر سرير والدي. كان ظهر السّرير عاليا وعريضا وبه نقوش وزخارف غاية في الرّوعة.
كان لهذا الظهر غطاء يمكن رفعه ليصبح داخله كدرج خزانة عميقة. وضعت الحقيبة في الصندوق. أدرت مفتاح قفله. وضعت الصندوق في ظهر السرير. أعدت الغطاء إلى مكانه فبدا السرير عاديّا كأي سرير.
حقا لقد قرأ الشيخ الطّاهر حساب كلّ شيء لكنّه لم يقرأ حساب أن يكون ابنه كارها للمال والأملاك. حقيقة لم أكن بحاجة إليه. إذ كنت أتساءل دوما عن جدواه، ماذا سأفعل بالمال إن ملكته؟ كنت متأكّدا من أنّ الشيء الوحيد الذي سيحدث هو أنّه سيملكني. وأنا أكره أن أُمتلَك. كانت بداخلي قناعة عجيبة وهي أنّني لن أحتاج إلى المال ما حييت، فأنا رجل قادر على الأكل والنوم حيثما كنت على وجه هذه الأرض.
أمّا ما كنت أتوق إليه فهو الإحساس بالحريّة. أكره أن يقيّدني شيء. أكره أن تضطرّني ظروف كي أتصرّف عكس رغبتي. أكره أيضا أن أضطرّ من أجل حرّيتي إلى الكذب والنفاق.
أكره أن أكون شخصيّتين في جسد واحد.
بعد اليوم الثالث من موت الحاجّة فاطمة أغلقت المنزل وحملت حقيبة رياضية بها بعض الملابس الخفيفة واللّوازم القليلة وخرجت لا أدري حقّا إلى أين أتوجّه.
تسكّعت طوال اليوم في شارع بورقيبة. شربت عددا لا يحصى من فناجين القهوة.
كنت أجلس في مقهى “تونس” عندما دخل خالد، أحد أصدقائي من أبناء الحومة. قدّم عزاءه لي في والدتي، وراح يحدّثني عن عمله الجديد المتمثّل في “كشك لبيع السجائر وتوابعه” في ميناء حلق الوادي. غبطته على وجوده على الميناء وقلت له: “إنك قريب من السّفر إلى عالم أرحب.”
رفع يده في الفضاء كمن سيلوّح بلطمة على خدّ وجه مقابل وقال: “وما الذي يمنعك من السّفر أو من الذهاب إلى الميناء؟”
آلمني سؤاله. أعرف أنّي أرغب في السّفر وأعرف أيضا أنّ هناك شيئا قويّا يوثقني إلى هنا. نهضت. دفعت ثمن القهوة وغادرنا سويّا. تمشينا قليلا. قال لي وهو يستعدّ للعودة إلى بيته: “زرني في الميناء، إن شئت، أنا معروف هناك، اسأل عن “كشك ولد الأزرق” وستجدني هناك”. أشرت برأسي موافقا وكنت أبحث في ذهني عن مشروع أملأ به هذه اللّيلة القادمة التي ستكون طويلة كسابقاتها.
لم أنم منذ أن فارقت أمّي الحياة. هذه ستكون اللّيلة الرابعة التي أقضّيها من غير حضورها.
يوم دفنها هربت من الجنازة. كنت قد رفضت الذّهاب غير أنّ خالي الوحيد وأعمامي وأبناءهم أصرّوا على أن أكون في المقدّمة، فأنا ابنها الوحيد. تظاهرت بالموافقة ثمّ بدأت أتراجع بخطوات إلى الوراء وفي الزّحام هربت. وقفت على حافة الطّريق في باب عليوة. امتطيت سيّارة “تاكسي” وعدت إلى المدينة.
تسكّعت كامل الأمسية. في الأثناء زرت تلك العاهرة الصامتة وضعت نقودا والقطعة الائتمانيّة على الطاولة. ورحت أخبطها وأنفضها بعصا رغبتي. لقد كنت أعمى بلوعة فراق المرأة الوحيدة التي أكنّ لها مشاعر في هذه الحياة: أمّي الحاجّة فاطمة.
تركت البنت الصامتة على سريرها الأحمر الرّخيص ملقاة كخرقة ملوّثة. رميت فوق جسدها مزيدا من الأوراق النقدية وغادرت.
عدت إلى المنزل. وجدت حركة وهرجا. لقد ذهب في ذهن الجميع أنّي من فرط الصّدمة، ربّما آذيت نفسي. ضحكت في أعماقي. أجلسوني على كرسي أمام باب منزلنا وقالوا لي: تقبّل العزاء.
أيّ عزاء؟ هل ستكفي تلك الكلمات الزائفة الخالية من كل مشاعر لترفع عنّي تلك الصخرة الكبيرة التي جثمت فوق صدري منذ أن غابت أمّي؟
جلست كتمثال أبي الهول. لا أتكلّم. لا أردّ على عبارات العزاء التي ألقيت فوقي حتى انكتمت أنفاسي تحتها. كنت أمدّ يدي كآلة بُرمجت لهذا الفعل. أتفرّج عليهم وهم يذهبون ويجيئون ويتحرّكون ويبذلون قصارى جهدهم في شأن لا يعنيهم. كانوا أمامي في مشهد صامت. كنت أسمع صدى نفسي التي تخطّط للمغادرة. أخذت غرفة في فندق رخيص في شارع “المنجي سليم”. وضعت حقيبتي الرّياضية ونزلت أتسكع في ليل المدينة التي بدأت تخفّ فيها الحركة المعلنة لتنشط الحركة الخفيّة.
تمشّيت حتى تجاوزت فندق “أفريكا”. عدت في الاتجاه المعاكس. على الرصيف قبالة الفندق تحت أشجار شارع بوقيبة المتعانقة، سمعت صوتا نسائيّا “يبسبس”.
انتبهت وإذا صبيّة لم تبلغ العشرين على ما أعتقد تنظر إليّ بغنج ودلال وقد لطّخت وجهها بألوان صاخبة كأنّها المهرجان.
نظرت إليها بازدراء، ثمّ قلت في نفسي “لم لا؟”. اقتربت منها. قالت: ” شَرْطي: أن أقضّي كامل اللّيلة معك. ليس لديّ مكان أنام فيه”.
هززت رأسي وقلت: “النوم والعشاء ثمن ليلتك.”
أرادت أن تحتجّ – ربّما – قاطعتها: “ليس لديك خيار”.
أخذتها إلى مطعم في “نهج القاهرة”. طلبتْ ما أرادت. كانت جائعة، كأنّها لم تأكل منذ دهر، أو لعلّها أرادت أن تكون فاتورة العشاء باهضة باعتبار أنّ ذلك ثمنها. كانت تأكل. كنت أتفرّج عليها. ثمّ قصدنا الفندق. في الطريق قالت: “ألا نشتري خمرا وسجائر؟” قلت: “لا أشرب ولا أدخّن.” زمّت شفتيها وتمتمت بكلام لم أتبيّنه. لعلّها كانت تشتمني. أكره المرأة التي تدخّن وتشرب الكحول. تبدو أكثر قذارة برائحة النبيذ المتخمّر في بطنها مع الأكل، مع رائحة السجائر، فيفرز كلّ ذلك خليطا بشعا من الرّوائح. حاولتْ في الغرفة أن تسأل، أن تثرثر، فطلبت منها الصّمت أو المغادرة. قبلت مكرهة. بقيت متمدّدا على السّرير أنظر إلى السّتارة الرّخيصة المعلّقة على الشبّاك: أزهار كبيرة بألوان قبيحة على القماش. تذكّرت السّتائر في منزلنا، إنّها ناعمة ومخمليّة. انتابني إحساس بالقرف.
عند ذلك تماما قالت وهي تجلس على كرسيّ قديم خلته سيتكسّر تحت ردفيها الثّقيلين: “هل سنقضّي اللّيلة عاطلين؟”
أثارت في أعماقي بركانا من التشنّج والهيجان ممزوجا بإحساسيْ القرف والاحتقار.
نهضت فجأة، وانقضضت عليها جرّدتها مما تبقّى من ملابسها وألقيتها على السّرير وانهلت عليها. رحت أهزّها، أهزّها حتّى سمعتها تصرخ. لم أكن أدري أكانت تصرخ لذّة أو ألما. لم أُعِرْ عويلها اهتماما. كنت في قمّة خدري كموسيقار في ذروة لحنه. حاولتْ التملّص فنزلت يدي على ظهرها بكفّ قويّة رأيت آثار أصابعي على لحمها. وغرست رأسها في السرير. متعة صعبة المنال لم أبلغها إلاّ بعد جهد كبير بذلته حتى أمسح صورة أمّي التي سكنت رأسي.
كذلك كنت أتعامل مع النساء في بداية شبابي. كنت أنقضّ على أجسادهنّ فأنهكها وأعنّفها حتى أنال وطري وأمضي. لم أكن أعترف بحقّها في نيل نصيبها من المتعة، بل كنت أعتقد أنّ مثل هؤلاء النسوة ليس من حقّهنّ أيّ شيء.
أضحك الآن عندما أتذكّر تلك المرأة وقد ارتدت ملابسها على عجل وغادرت وهي تشتمني وتعيّرني.
الحقيقة أنّي فرحت لمغادرتها ولم أفكّر ساعتها أنّها اعترفت لي أنّها بلا مأوى وأنها محتاجة إلى سرير تنام فيه مقابل بيع جسدها. لكنها فضّلت التشرّد على أن تقضي اللّيلة مع رجل جلف مثلي.
أكنت قاسيا إلى ذلك الحدّ؟
في الصّباح ذهبت إلى ميناء حلق الوادي. بحثت عن “كشك ولد الأزرق” لبيع السجائر، فعثرت عليه سريعا. فرح بي واستقبلني بحفاوة بالغة وقدّمني إلى رجل كان يجلس أمام الكشك يدخن نارجيلة قائلا: “هذا صديقي. إنه من عائلة كبيرة وعريقة ولد الشيخ الطاهر بالقايد إن سمعت به. إنّه مثل أخي.”
رحّب بي الرّجل وعرض عليّ أن أشاركه التدخين. شكرته وعلّق “ولد الأزرق” ضاحكا: “لا ياحبيبي، عفيف شاب متخلّق. إنه لا يدخّن مثلنا. لقد أحسن الشيخ الطاهر تربيته.”
قال الرجل: “إذن أنت تدرس بالمعهد؟” قلت: “كنت.” قال “ولد الأزرق”: “توفّيت والدته أثناء اجتيازه لامتحان الباكالوريا، فلم يواصل امتحانه. إن شاء الله السنة القادمة سيكون من الأوائل”.
عاد الرجل يسأل: “وماذا تنوي أن تفعل خلال هذه الصائفة؟” قلت: “أريد أن أعمل”.
عندها قال: “هل تقبل بالعمل على الميناء؟ العمل بسيط ستحمل حقائب المسافرين وتضعها في مخزن السّفينة.”
قلت: “لا بأس”.
قال الرّجل: “ستكون أجرتك قليلة لكن الوضع سيتحسّن بعد ذلك. إنّ سفينة “الجزيرة العائمة” جديدة وقبطانها رجل جيّد. ستتحسّن أمورها إلى الأفضل.”
فرحت باسم السفينة أكثر مما فرحت بالعمل، فأنا لم أكن في حاجة إلى العمل بقدر ما كنت في حاجة إلى الهروب من المكان دون أن أبتعد عنه.
وجدت في “الجزيرة العائمة” مبتغاي. سأعمل على متنها عتّالا، لا يهمّ، المهمّ هو السّفر معها ثم العودة معها أيضا إلى هنا.”
كذلك جاءني العمل صدفة دون أن أبذل أيّ مجهود.

14

الغريب في الأمر أنّ الشّيطان قادر على التسلّل إلى روح الإنسان حتى وهي في القبر. فما دامت هذه الرّوح هائمة في فضاء القبر مسجونة فيه، تحوم فوق الهيكل الذي كان يشكّل جسدا يحويها، فإنها ما تزال عرضة لهذا الشيطان الذي لم يكتف بعد من غوايتها حتى وهي يتيمة خارج جسدها هائمة على وجهها في قبر ضيّق معتّم لا مجال فيه لأي شيء.
هو نفسه الشيطان الذي أغوى آدم بالتفاحة فدفعه إلى التعرّض إلى عقاب ربّه. ها هو يغوي الرّوح بالهرب، إنّه يزيّن لها التسلّل عبره إلى أي مكان تريده. وروحي تريد أن تزور قبر فاطمة. لقد اشتقت إليها، إلى أنفاسها، إلى رائحتها.
أخيرا استسلمت لغواية الشيطان، فهو الذي نجح مع سيدنا آدم فهل سيفشل معي أنا مجرّد روح مهما تحصنّت بالله والإيمان والقرآن وسنّة الرّسول محمد صلى الله عليه وسلّم فهي في نهاية المطاف روح إنسان فيها من الهشاشة ما سمح لهذا الشيطان اللّعين بالتسلّل؟ عندما كنت أتهيّأ للدّخول فيه ليحملني في زيارة إلى قبر فاطمة تذكرت أمرا مهمّا، فعرضت عليه أن يحطّ بي قبل قبر فاطمة في قبر زهيرة إحدى زوجاتي السابقات.
قلت له: “أتذكر أيها الشيطان اللّعين يوم أغويتني بها، عندما جاءت إلى الجامع تطلب استشارة دينية؟ يومها كانت تضع على رأسها شالا وتلفّ باقي جسدها بالسفساري. لم أنظر إليها. كنت في حرم الجامع بين يدي ربّي سبحانه تعالى.
عندما التفت للنهوض، وكانت متربّعة أمامي، انحسر السفساري إلى أعلى مع جزء من ملابسها، فوقع نظري على جزء من فخذها. يا إلاهي! كنت أنت، أيّها الشيطان، جاهزا بكلّ أسلحتك. فسكنتني وهمست مشيرا إلى لحمها الأبيض البضّ وإلى ردفيها المستديرين تحت السفساري كهضبتين. أشعلتَ في قلبي فتيلا لعنة اللّه عليك ألف مرّة. عندما عادت المرأة بعد أن استوت واقفة مستعدّة للذّهاب وقالت: “سيدي الشيخ. هل يمكن لي أن أعود ثانية للاستماع إلى نصحك؟ والله لقد نزل كلامك بردا وسلاما على قلبي.”
عندها ملأت نظري من وجهها، يا سبحان الخالق. إنّها كالقمر في تمامه، مستديرة الوجه بيضاء كالحليب، بعينين واسعتين كالبحر، سوداوين كالليل. نزلت عليها بالضربة القاضية فقلت لها: “إن شئت تستطعين اللّقاء بي بعيدا عن المسجد في أيّ مكان تشائين وأنا مستعد طبعا لإرشادك للطريق المستقيم.”
خفّضت بصرها وقد بلغها ما أريد فقالت: “هو ذا عنواني، لكن حذار أن ينتبه إليك أخي إنّه…”
قاطعتها: “اسمعي يا ابنة الحلال. أنا رجل مؤمن لا أعصي ربّي لذلك لا ألتقي بامرأة إلا في الحلال. فهل تقبلين أن تكوني زوجة ثانية في السرّ؟ وأنت حرّة في الاختيار يا أخت الإسلام.”
كنت أعرف أنك ستقبلين، فأنا خبير بالنّساء. ومن نظراتك التي كحلها الغنج فجأة علمت أنك شهوانيّة نزقة قلتِ: “الأمر لك والطّاعة لي ياسيّدي الشيخ. أنا سعيدة بأن أكون في حماك حتى لو كان ذلك سرّا”.
عندها قلت: “على بركة الله. سيأتيك رجل من قبلي، اذهبي معه إلى حيث سيأخذك وستجدينني في انتظارك صحبة الشيخ العدل لنعقد القران”.
رأيت هيأتها في الضوء السّاطع من باب الجامع الكبير وهي تتمايل تحت السفساري كأنّها شجرة سروٍ تتمايل مع نسمات خفيفة ناعمة. وكانت هي ناعمة حقّا رطبة كالرخام، ملتهبة كالجمر، عبقة كهبّة مسك الليل. هي أكثر زوجاتي التي اقتربت ولامست الحدود التي تحيط بفاطمة في قلبي. كنت أزورها يوميّا في الأسابيع الأولى من زواجنا فأجدها قد رتّبت لقضاء عشيّة خرافيّة. هي الأخرى كان لطبيخها نكهة طيّبة تشبهها، وهي الأخرى ذكيّة وخبيرة تعرف ما يريد الرّجال بعكس فاطمة التي تعرف ما أريد أنا تحديدا. بسرعة عرفت زهيرة ماذا أريد وماذا يعجبني فأصبحت تتفنّن في ذلك حتى أنها كادت تتفوّق على فاطمة. وفاطمة ببوصلتها النسائية الخطيرة تستطيع أن تحدس ما يحدث داخلي. خلال تلك الفترة كنت أبذل أكثر ما يمكن من جهد حتى أبدو معها طبيعيّا لكن نظرتها المحمّلة بالعتاب كانت تقول لي أنّها تعرف ما يحدث، وأنّ ما يحدث هذه المرّة فيه من الخطر على حياتنا الكثير.
كانت زهيرة رائعة حتى أنها بدأت تستحوذ على مكان صغير في قلبي إلى جانب فاطمة. عندها دقّ ناقوس الخطر، فأنا لست مستعدّا لأقلب نظام حياتي، خاصّة وأنّك أيّها الشيطان اللّعين بدأت تزين لي الحياة مع زهيرة كالجنة، وإذا بك تهمس لي: “ربّما تنجب لك زهيرة الولد الصالح، وزهيرة ليس لها سطوة عليك كما فاطمة فأنت معها ستكون أكثر حرية…”
لكنّي وقفت في وجهك بشدّة وقلت لك: لا وألف لا. فاطمة لن أبدّلها ولن أؤذيها. أَبَعْدَ كل هذا الحبّ وهذه العشرة تعود منكسرة إلى منزل والديها المهجور أو إلى منزل أخيها لتعيش مع زوجته الشمطاء؟ مطلقا، فاطمة حبيبتي وستظلّ حبيبتي. وإن كان عليّ أن أختار فسأختار فاطمة. إذن يجب أن أطلّق زهيرة!”. ذات يوم بعثت إليها بورقة طلاقها مع عمر، وأوصيته أن يوصلها إلى منزلها.
في المساء طرق باب المنزل طرقا سريعا. كنت أتوضّأ لصلاة العشاء، فانقطعت عن ذلك وفتحت الباب وإذا به عمر بوجه أصفر مفجوع، قلت: “ما الخطب؟” قال: “يجب أن أتحدّث إليك وحدنا”. دخلنا الصالون وأقفلت بابه. هدّأت من روعه وقلت مرّة أخرى “ماذا حدث لك تكلّم؟”
قال: “الذي حدث فظيع يا شيخ، لقد قُتِلت زهيرة.”
قلت: “الله أكبر، لا إلاه إلا الله، كيف ذلك؟”. راح عمر يواصل حكايته ومظاهر الفزع ماتزال على محياه: “لقد رافقتها حتى اقتربنا من الزقاق المؤدّي إلى منزلها وكانت تبكي لفراقك. وقد كانت طوال الطّريق تسألني عن الأسباب وأنا لا أدري ماذا أقول، عندما هجم عليها فجأة رجل ضخم وطعنها عدّة طعنات بموسى ثم هرب وهو يردّد “لقد فضحتنا أيتها العاهرة، لقد فضحتنا”.
ذهلت ولم أكن أعرف كيف أتصرّف، والحقيقة أنّي ذعرت وخفت أن يفعل بي ما فعل فهربت أنا أيضا ولا أدري ما حدث بعد ذلك.”
قرأت على روحها الفاتحة ودعوت الله أن يغفر لها ذنوبها وأن يغفر لي ذنبي. أحسست أنّي ساهمت بطريقة ما في موتها. فلو ظلّت في بيتي وتحت حمايتي لما طالها أخوها. لقد حدّثتني عن شرّه كثيرا وقالت لي إنّه سبب محنتها وإنّه السّبب في دخولها هذا المجال القذر. لقد كان يريد أن يستغلّها لحسابه بعد وفاة والدها ثم والدتها العجوز. وعندما رفضت كان يجلدها. بعد ذلك استسلمت لطلبه لكنّه كان يسلبها كل الأموال التي تحصل عليها. عندها تمرّدت عليه فشكته إلى البوليس خاصّة وأنه مطلوب للعدالة في قضايا سرقة ونشل. استطاعت أن تبعده عن المنزل لكنه ظلّ يراقبها، ويوم جاءتني إلى الجامع، كانت تسأل إن كان الله سيقبل توبتها لأنها قرّرت أن تعمل بعرق جبينها وأن تتوب عن الحرام.
يا الله كم أحمل ذنب هذه المرأة، أرجوك أيها الشيطان خذني إليها، إلى قبرها لأزورها وأقبّل روحها. لقد ظُلمت زهيرة كثيرا وآخر من ظلمها أنا الذي رفعت عنها حمايتي فقتلت، اغفر لي ولها يا ربّ، يا ربّ العالمين.

15

على غير عادتي انقطعت عن السفر إلى تونس، وانقطعت عن الخروج لاصطياد البنات وحبست نفسي في غرفتي لا أكلّم أحدا. حاولت فالاريا أن تعرف ماذا أصابني لكنّي كنت أرفض الكلام وأقول ألاّ شيء هناك.
لكن الحقيقة أنّ لقائي بذلك الرجل ذو الشعر الرمادي هزّ كياني. أحسست أنّ شيئا ما يربطني به. وبعيدا عن فكرة الشبه المادّيّ بيني وبينه فإني شعرت بخيوط لا مرئيّة تشدّني إليه، إذ لم أنقطع عن التفكير فيه منذ أن رأيته.
غطست في دوامة من الأسئلة المفتوحة على اللانهاية، بل المفتوحة على الجحيم: هل أسأله؟ هل أواجهه؟ هل أبتعد عنه؟ هل أقترب منه؟ إن فعلت ذلك كيف سأتصرّف معه؟ ماذا سأقول له؟ كيف ستكون العلاقة التي ستربطني به؟ هل أحدّث فالاريا بالموضوع؟ أسئلة وأسئلة، وشقاء مرّ يغرق حلقي فلا أستسيغ شيئا، حتّى قهوتي.
ذات ليلة دخلت عليّ فالاريا بل قل اقتحمت غرفتي، جادّة وصارمة كما أراها أحيانا مع بعض البحّارة. قالت لي: “يجب أن تقول لي ماذا أصابك؟”
كانت الأسئلة قد أنهكتني فلم أعد قادرا على مواصلة الدوران في الحلبة كثور.
قلت بصوت مهزوز: “قابلت رجلا في آخر رحلة لي في السفينة التونسيّة “الجزيرة العائمة” أعتقد أنه والدي.”
ضحكت فالاريا حتى دمعت عيناها وقالت بسخرية: “هكذا بكلّ بساطة تقابل رجلا في سفينة فتعتقد أنّه والدك، أنت غبيّ أم تتغابى؟ قلت لك إنّه من السهل العثور على هذا الرجل، لكن ليس إلى هذا الحدّ. ثمّ قل لي: ألست مرتاحا وأنت تحمل اسمي؟ ألست أنا أولى باسمك وأنا التي حملت بك وأرضعتك وربّتك؟ ماذا سيمنحك هذا الرجل لو عثرت عليه مقارنة مع كلّ ما منحتك؟”
استغربت. ما الذي جعلها تتغيّر في فترة وجيزة؟ ألم تقل لي في تونس: سامحني يا ولدي لقد أخطأت في حقّك، وأنه من حقّك عليّ أن تعرف من هو والدك!
نظرت إليها وسألتها: “هل حدث شيء ما غيّر موقفك؟ ألم تشجعّيني على البحث عن والدي؟”
ردّت ببرود: “لم يحدث شيء. اعتقدت أنّك ستكون في مستوى الصراحة التي تعاملت بها معك وأنّك ستلقي بأمرك إلى القدر. لقد شاء لك القدر ألاّ تعرف أباك، فأين المشكل هنا؟ إنّك تعيش أفضل “عيشة” وربّما أفضل ممّا لو كان والدك معك.”
قررت ألاّ أواصل الحوار معها. لاحظت أنّ أبوابها مغلقة وأنّ شيئا ما – لا أدريه – حدث. ولو أنّي وددت أن أصف عفيف لها لعلّها تساعدني في التأكّد من هذا الشكّ الذي ينخر روحي.
فهمت أني أنهيت الكلام معها. غادرت وهي غاضبة تتمتم بكلام لم أتبيّنه جيدا.
بعد أيام ذهبتُ إلى المطبخ حيث صوفي جدّتي تعدّ الأكل للغداء. أنا أعرف أنّ صوفي مهذارة وغير قادرة على كتم أي شيء حتى وإن كان شتيمة ضدّها.
قلت لها: اشتقت إليك صوفي. ماذا لو أشرب معك قهوة؟ إنّي أشمّ رائحة أكلك اللّذيذ.”
تفتحت روحها كزهرة عطشى لكلام طيّب يسقيها وقالت: “آه منك يا ولد. تغلبني بلسانك الذي يحلو أحيانا”.
شيئا فشيئا انطلقت صوفي تتحدّث… تتحدّث عن كلّ شيء حتى أنّها قالت: “ألم تحدّثك فالاريا عن الرجل الذي تقدّم لخطبتها؟ إنذه بحّار من أولئك الصيّادين الذين يعملون عندنا. ثار باولو وأخوالك ضدّ رغبتها. كيف بعد كلّ هذا العزوف تتزوّج بحّارا يعمل عندها؟ أنا أعرف أنّها عنيدة وأنّها لن تتراجع. وأعرف أيضا ما الذي جعلها تتشبّث بالبحّار وترفض “أَسْيَادَهُ”. ألم تطلب فالاريا رأيك في الموضوع.”
حاولت أن أتماسك وأكبح جماح غضبي الذي انتشر في جسدي كعاصفة مفاجئة وقلت: “لا، لم تحدثني بعد. لعلّها ستفعل ذلك قريبا. شكرا لك عزيزتي صوفي على القهوة.”
ركضت مسرعا إلى غرفتي بينما لاحقني صوتها: “ما بك يا ولد؟ انتظر حتى نتغدّى سويّا. ستأتي أمّك وجدّك بعد حين.”
إذن ستتزوّج الآن وبعد أن كبرت وأصبحت رجلا. ستتزوّج رجلا غريبا لا نعرفه لأجل ذلك غيّرت رأيها. إذن لم يعد يعنيها أن أعثر على والدي. ربما أثار فيها ذلك ألما هي غير قادرة عليه. وماذا لو عثرتُ عليه وتزوّجته؟ ماذا لو يكون عفيف هو والدي؟
ألا تتزوّجه؟ إنه كهل رصين ذو حضور مميّز وعمل جيد، وإن كان هو والدي حقّا فهي قد قبلته كما هو وهي شابة فما الذي سيمنعها من تجديد العهد معه؟
عندها قرّرت السفر على متن الباخرة ولقاء عفيف وخطّطت لمصادقته وبعد ذلك سنكتشف سويّا ما سيحدث؟!

16

لم تكن عودتي إلى منزلي في المدينة العتيقة بعد أشهر من الغياب والعمل في “الجزيرة العائمة” أقلّ وطأة من فراق أمّي.
كان دخولي إلى غرفتها كمن يلتقي بأطلال حبيبة هجرت المكان ولن تعود. وهي أيضا لن تعود. هاهي أثارها في كل مكان ورائحتها مبثوثة في كل الأشياء.
جئت بالعجوز “دوجة” لتنظّف المنزل كما اعتادت أن تفعل منذ كنت صغيرا، وإذا بها تعاتبني لأنّي لم أترك لها المفتاح لتهتمّ بالمنزل في غيابي حتى يتّسخ بمثل تلك الطريقة، ثم حلفّتني برحمة أمّي وأبي ألاّ أترك المنزل سكَنًا للحشرات والغبار وأن أترك لها المفتاح إن غبت ثانية.
وعدتها أن أفعل إن اضطررت لذلك، لأنّني قرّرت ألاّ أغيب بعد الآن عنه. فرحت العجوز دوجة وقبّلتني فغمرتني رائحة سجائرها الرخيصة وقالت لي: “الله يصلح من رأيك يا ولدي، افتح منزلك ومنزل والديك وتزوّج واملأ ه ذريّة إن شاء الله ستكون صالحة…”
ضحكت لكلامها وقلت: “سأفتح المنزل إن شاء الله لكن ليس للزّواج، فأنا لن أتزوّج أبدا”.
أسرعت العجوز الماكرة وقالت: “لماذا يا ولدي؟ هل من سبب يمنعك عن الزواج؟” فهمت قصدها سريعا وأجبت: “لا الحمد لله. غير أنّني لا أحبّ السجن.”
نمت في اللّيلة الأولى التي عدت فيها إلى المنزل بعد غياب في غرفة أمّي التي كانت تجمعها بوالدي الشيخ الطاهر. عندما كنت طفلا صغيرا كنت كثيرا ما أنهض في الصّباح الباكر وأندسّ إلى جانب أمّي. كان والدي ينهرني عندما ينهض لصلاة الفجر. وكانت أمّي تعيدني إلى سريري وتغطّيني جيدا، ثمّ أسمعها وهي تتوضأ وتصلّي الفجر حاضرا. لكنّي كنت أعود إليها ما أن أسمع أنّهما عادا إلى غرفتهما. أندسّ بينهما هذه المرّة فتضحك أمّي وتقول “لا فائدة يا شيخ أتركه يشبع بحناني.” يصمت والدي شبه مكره. أرشوه بقبلة ثم أندسّ في حضن أمّي.
يستغفر الشيخ ربّه ويقول كلاما لم أكن أفهم معانيه، ثم يجلس في السرير، يسند ظهره بالوسائد ويشرع في ترتيل القرآن.
كان صوته رخيما وهو يرتّل القرآن الكريم. كنت أتشبّث بحضن أمّي، أتشمّم رائحتها العابقة برائحتها هيّ، رائحة جلدها وعرقها وأنفاسها الطيّبة. كم أشتاق إلى تلك الرائحة التي لم أعد أشمّها ولم أعثر عليها لا في محلات العطور ولا في صدور النساء اللاتي عرفتهنّ فيما بعد.
بين رائحة حنان أمّي وصوت أبي الرخيم يرتّل ما قال الله تعالى كنت أنام. أعتقد الآن أن جسدي قد نقِع طوال تلك الفترة من صباي الأوّل في بحر من حنان أمي وآخر من لغة القرآن وشعرها.
لقد شربت اللغة قبل أن أحفظ القرآن. حفظت جزءا كبيرا من القرآن قبل دخولي المدرسة. لقد كان الشّيخ حريصا حرصا شديدا على أن أحفظ القرآن فهو يؤكّد دائما أن ذاكرة الطفل قبل السادسة صفحة بيضاء تسجّل بوضوح كل ما يطبع فيها.
الفترة الثانية والأخيرة التي عشتها مع والدي لا أذكر منها سوى تلك الخطب التي كان الشيخ الطاهر يلقيها فوق رأسي في كل خلوة بيني وبينه. وكم كان حريصا على هذه الخلوات وهذه الخطب التي كان يقول فيها كلّ ما يحمل من معرفة فقهيّة، ربّما كان يحدس أنه لن يعيش معي طويلا، لذلك كان يكثّف دروسه تلك. كان يريد أن أكون خليفته، ذلك ما قالته الحاجّة فاطمة فيما بعد، غير أن ما أحدثته تلك الخطب فيّ هو عكس ما كان يطمح إليه الشيخ. لقد غمرني والدي بطوفان من العلم في الفقه في سنّ لم أكن مؤهلا فيها لاستيعاب تلك المعرفة حتى أنّي كرهت ذلك كمن يكره الأكل بعد تخمة.
لقد أبعدني والدي من حيث أراد أن يقرّبني إلى عالمه، لأتشرّبه وأعيد إنتاجه إلى الناس فيما بعد شيخا مثله. كان والدي في سنواتي الأولى يحرص أيضا على أن أرتدي الملابس التقليدية فكان يأخذني إلى نفس المحلّ الذي يصنع له جبّته ونفس المحلّ الذي يحيك له برنسه وغير ذلك من بقية ملابسه. لم أكن مرتاحا في تلك الملابس. كنت أتوق إلى اللباس الإفرنجي.
بعد وفاة والدي كنت أتهيأ لدخول المعهد الصادقي، تخلّيت عن الملابس التقليدية. لم توافق أمّي في البداية غير أنّها خضعت لتهديدي وهو الانقطاع عن مواصلة الدّراسة إن لم أتخلّ عن هذا اللباس.
شيئا فشيئا تخلّيت عن الصلاة التي لم أكن أخلف مواعيدها قبل وفاة والدي. الحقيقة أنّي كنت أحسّ أني أؤديّها مرغما وخائفا من عقاب والدي، لم أكن أشعر أني أؤديها بدافع داخلي. وأرجأتها إلى رغبة تلقائية وبلا تهديد.
حتى الآن لم يئن الأوان، ولست أدري متى ستأتيني الهداية من الله. لكن الذي ترسّخ في أعماقي من خطب والدي رحمة الله عليه كلامه عن التسامح في الدين الإسلامي، وإيمان الإسلام بالديانات السابقة مثل المسيحية واليهودية…
ظلّ هذا الحدث معلّقا في ذاكرتي لذلك كنت كلّما زرت بلدا مسيحيا أو سمعت دقّ النواقيس دعوة للصّلاة المسيحية ينتابني نفس الإحساس الذي ينتابني إذا سمعت الآذان. أحسّ بدعوة للقاء ربّي وأحسّ بألم شديد لأني لم ألبّ النداء، حتى الآن ينتابني هذا الإحساس الأليم فأخلق لنفسي التبريرات لأقنع نفسي بعجزي عن تلبية النداء.
الله يرحمك أيها الشيخ الطّاهر. لقد فعلت بي ما يفعل العدو بعدوّه. أدرك حرصك وتعلّقك الشديد بالدين فذلك دافعك، لكنّي أسأل: ألم تكن قد لمست من خلال علمك ومعرفتك وفقهك أنّ الشيء إذا ما جاوز حدّه انقلب إلى ضدّه؟
ومن حيث لا تدري فإنّك زرعت فيّ بذرة أخرى، هاهي قد كبرت وعظمت حتى أصبحت إدمانا تمكن بي.
كنت قد تجاوزت السابعة عندما بدأت أنتبه إلى أنّ باب غرفتك أصبح يغلق في بعض الأحيان. إذ بالرغم من تحذيراتك الصارمة بعدم دخول غرفتك دون طرق الباب، فإنّني كنت أهجم غالبا وأنا بين نوم ويقظة راكضا إلى حضن أمّي. كنت شديدا معي في هذا الأمر، وأنت الذي لا تؤمن بالضرب ضربتني مرّة وكانت تلك الأولى والأخيرة لأني دخلت غرفتك دون إذن رغم كل إنذاراتك لي.”
أصبح الخوف يعقِل خطواتي إلى حضن أمّي وبدأت أنتبه إلى أنّ أمّي ليست أمّي فقط بل أمّك أيضا. وبدأت أفهم أن غضبك الدائم من علاقتي بأمي هو صراع خفيّ بيني وبينك على أمومة فاطمة لنا. يوم ضربتني ، أذكر أنّي عندما دفعت الباب ودخلت كنتَ تنام أنتَ في حضن فاطمة. لقد حزّ ذلك في نفسي وأوجعني أكثر من الضرب الذي تلقيته.
كنت كلما آويت إلى سريري أحقد عليك بل أكرهك لأنّك أخذت منّي أمّي، إنها أمّي أنا، وأنا أولى بها منك، لكنّك كنت أكبر مني فكنت تأخذها عندك لتنام إلى جانبك بينما أنام أنا وحيدا.
كنتُ كلّما كبرتُ قاومت النوم أكثر. أتظاهر بأنّي نمت منتظرا قدوم أمّي لتتفقّدني فأهجم عليها وأتعلّق برقبتها وهي منحنية عليّ لتغطّيني، فأقبّلها وأتوسّل إليها أن تنام في سريري حتى أطمئنّ في نومي فلا أرى أحلاما مفزعة.
كانت أمّي هي إحساسي الوحيد بالأمان وكنت أكرهك أيّها الشيخ الطاهر لأنّك سلبتني أماني وطمأنينتي. كنت قد تجاوزت العاشرة عندما أصبحت أمّي تقول لي إني كبرت وبدأت أقترب من الرجولة وحرام أن أنام معها. كنت أسألها: “إذن حرام أن ينام معك والدي؟”، فكانت تضحك ضحكتها الرنّانة تلك وتقول: “لا يا عزيزي، والدك هو زوجي والله لم يحرّم علينا الأزواج بل حرّم علينا الأبناء، وعندما تكبر ستفهم معنى هذا الكلام.”
كنت أغتاظ من رضاها هي. هي كانت تحبّ أن تنام في سريرك ولا تحبّ أن تنام في سريري.
ذات ليلة اشتدّ عليك حقدي، فتركت غرفتي وقد قرّرت أن أهجم ضربا وركلا على باب غرفة نومك. وإذا بي عند الباب خائفا من نظرتك الحادّة وضرباتك الموجعة. توقّفت ثمّ انتبهت إلى ثقب الباب, فنظرت منه, كان المفتاح في الثّقب من الدّاخل في نصف استدارته فرأيت المائدة وقد نصبت عليها فواكه وأطباق وفناجين وحلويّات. رأيت ساقي أمّي ممدّدتين على الزربيّة عاريتين بيضاوين, جميلتين. تساءلت لم عرّت ساقيها وهي تجلس على الحشيّة؟ لم تجلسان هناك ولم تأويا إلى سريركما؟ ثمّ مددت يدك وكانت عارية أيضا بشعر أسود كثيف علىذراع سمراء وأخذت حبّة “بقلاوة” لا أدري ماذا فعلت بها، هل أكلتها؟ كم اشتهيت أن آكل حبّة بقلاوة، ثم سمعت قهقهة أمّي. وظلّت تلك القهقهة موشومة في ذاكرتي، فيما بعد اشتعل الفضول في قلبي: ماذا تفعل بأمي وهي تضحك سعيدة لماذا؟
منذ تلك اللّيلة أصبحت أتجسّس عليكما. كان الشتاء وكان البرد وأنا أقف أمام غرفتكما. وأتنقل من شباك إلى شباك علّني أشاهد ما يشفي غليلي، لكني كنت أسمع أكثر مما أرى. كنت أسمع حديثا لا ألتقط منه إلا بعض الكلمات التي لم أفقه معانيها إلا بعد أن كبرت. لقد زاد ذلك الغموض من اشتعال فضولي ولوعتي. ما الذي يحدث في الدّاخل؟
أصابتني نزلة برد إثر تلك اللّيالي التي قضيتها في العراء أتجسّس على الشيخ الطاهر والحاجّة فاطمة. استغربت أمّي سبب مرضي خاصّة وأنها كانت تبذل كلّ جهدها لتحميني من نزلات البرد. تعافيت بعد أسبوع حظيت فيه باهتمام أمّي حتى أنها نامت في غرفتي في سرير آخر لليلتين كانتا رغم مرضي مشعّتين كليالي العيد.
راقت لي فكرة المرض، وحاولت التمارض لأحظى بقرب أمّي غير أنّ حيلتي لم تنطل إذ سرعان ما انتبهت الحاجّة فاطمة بذكائها الخارق أنني أتمارض فحذّرتني من تكرار ذلك لأن التمارض يجلب المرض حقيقة، ثم إنّ والدي سيعاقبني لو علم بالأمر. ذكّرتني بالخوف من والدي الذي عاد يعقل حركتي وانطلاقي.
بدأ الطقس يتحسّن وجاء الرّبيع واللّيالي المقمرة، ثم قدم الصيف وفي ليلة من لياليه وبعد أن تعشّينا في صحن الدار، تلا عليّ والدي خطبة من خطبه وكانت أمّي تحذّره دائما: “الولد مايزال صغيرا. إنه غير قادر على استيعاب كل هذا الكلام الكبير الذي تقوله له. والله إنك تضرّه أكثر مما تنفعه”.
لقد صدقت أمّي غير أن الشيخ الطّاهر لم يكن ليعير تحذيرها انتباها، فتنحنح بسرعة ونهض شاكرا حامدا الله على نعمه ثم دخل غرفته.
بعد أن استتبّ الهدوء في المنزل، وسمعت الباب قد أغلق بالمفتاح، انسحبت من سريري، فتحت باب غرفتي بهدوء شديد ومشيت على أصابعي حتى بلغت غرفتهما.
كنت أنوي التلصّص من الثقب بعد أن يئست من الشبابيك التي كانت أمّي تحرص دائما على إغلاق خشبها.
في تلك الليلة وأنا أنسحب كقطّ على حافّة جدار، لمحت ضوءًا خافتا من الشباك الأوّل على يساري، تراجعت إلى الوراء ونظرت. هاه، لقد نسيت الحاجّة فاطمة أن تغلق خشب النافذة، وهاهي الستارة البيضاء الشفافة الناعمة تهدهدها نسمة الصيف الخفيفة.
نظرت من خلال الستارة.
أرى المشهد الآن وقد حُفر في ذاكرتي كأنه لوحة إيروسية تنـزّ غواية. تداخلت الأطراف حتى لم أعد أفرق بين يدي أمي ويدي والدي وبين ساقيهما. كان ضوء الستارة كابيا وكان الظلّ يغطي أغلب زوايا اللوحة. بدا الجسدان وقد التحما في وضع عجيب كأنهما جسد لكائن حيّ واحد، ربّما هو جسد المتعة أو هو جسد المشاعر والرّغبة وقد مزجا اللّحم البشري وصهراه في كتلة واحدة أضفت عليها الستارة ونصف الإضاءة مزيدا من العجائبية.
تبدو اللوحة الآن في ذاكرتي غاية في الرّوعة، أما لحظتها وأنا أتفرّج على حطام تمثاليْ الأبوة والأمومة وقد تهشّما فقد كانت فاجعة الحقيقة. فزعت من رعب الصّدمة وهربت باكيا إلى غرفتي.

17

تضوع رائحة المسك في فضاء القبر. تحبّ فاطمة المسك الذي تضع قطعا منه في ثنايا الثياب في الخزانة.
ما تزال الرائحة عالقة بقماش الكفن الأبيض الذّي دسّت فيه فاطمة المسك. تمسّحت روحي بالقماش حتى تتعطّر بالرائحة التي تحبّها فاطمة.
سأنتظر قدوم الشيطان الذي وعدني برحلة إلى قبر فاطمة للقياها. سأهيّئ نفسي. لقد اشتقت إليها كثيرا، ولا أدري كيف ستلقاني؟ كيف ستستقبلني؟ هل ستكون روحها خجلة كما لقيتها أوّل مرّة ليلة زواجنا.
لقد كانت ليلتها عروسًا شابة في الخامسة عشرة من عمرها. كانت وردة نضرة تفتّحت لتوّها. رأيتها تمشي في الزقاق تتعثّر في خفرها خلف أخيها الذي يكبرها بسنوات. كنت شابّا معتدّا بذاتي مزهوّا بمشيختي. أتبختر في مشيتي عندما وقع عليها ناظري. تقدّمت في خطوات فارعة لأسبقها. ثم رميت لها بنظرة لا أدري كيف أصفها، لقد سكبت فيها كلّ ما في أعماقي من رغبة ولهفة ونار. نظرة لا مثيل لها في الوجود، بل إنّني أنا شخصيا لم أنظر بمثلها إلى أي امرأة أخرى. كانت نظرة فريدة التقت فيها روحي بروح فاطمة في عناق ربّاني حدث صدفة.
كذلك حدّثتني فاطمة عن تلك النظرة العجيبة التي كانت قراننا الحقيقي، والعقد الذي ختمناه في تلك النسخة الأبدية.
كنت خلال تلك الفترة أتشاور مع الوالدة رحمة الله عليها حول زواجي بإحدى بنات الجيران. كان عدد المرشَّحات للارتباط بي كبيرا. كانت أمّي قد زوّجت إخوتي الذين يكبرونني وكذلك أخي الذي جاء بعدي. وبقيت أنا الأخير، أنا الذي أبحث عن جميلة الجميلات التي تليق بشابّ مثلي وابنة الحسب والنسب التي تليق بشيخ مثلي.
لعلني كنت معتدّا بنفسي في تلك الفترة حدّ الغرور، فاغفر لي يا ربّي إن الله لا يحبّ المغرورين.
عدد لا بأس به من الأسماء التي اقترحتها الوالدة عن طريق صديقاتها ومعارفها و”دوجة” الخادمة التي تتجوّل في كل المنازل، كنت قد عرفتهنّ عن طريق الحاجّة “قمر”.
كانت قمر أرملة سمينة من عائلة معروفة وميسورة غير أنّها عاشت في شبابها قصّة عشق اشتهرت في كامل أرجاء المدينة فمن لم يسمع بقصّة قمر وعبد الله. شقّت قمر عصا الطّاعة وتزوّجت عبد الله الذي عشقته وهو الشابّ الذي قدم من الرّيف لبيع اللّبن والحليب على عربته المتجولة.
تنكّرت العائلة وتخلّت عن ابنتها التي لوّثت شرفها في التّراب.
كانت قمر تحذق التطريز، فأصبحت تبيع المفروشات المطرّزة إلى البنات اللاتي يجهّزن للزواج. ثم شيئا فشيئا جاءت ببنت تساعدها ثم توسّعت دائرة عملها حتى حوّلت منزلها الذي يتحسّن كلما تحسّن وضعها المادّي إلى مشغل يضمّ كلّ من ترغب من بنات العائلات في تعلم التطريز.
لم تطل فترة زواجها إذ وجد زوجها مقتولا ذات صباح في زاوية مظلمة من زوايا المدينة العتيقة.
حيكت القصص والأساطير حول مقتله: هناك من روّج أن عائلة زوجته انتقمت منه، وهناك من قال إنّه كان يناضل ضدّ الاستعمار الفرنسي في السرّ وأنه كان متنكّرا في هيئة بائع حليب متجوّل وأن الفرنسيين قتلوه…
مات الرجل دون أن تنجب منه قمر أطفالا، لكنّها رغم كلّ ذلك لم تعد إلى عائلتها، بل إنّها واصلت حياتها في منزلها. وقد ترفّهت أوضاعها الماديّة. عندما أخذني صديقي عمر، وكنّا طلبة في جامع الزيتونة، لنسهر في منزلها لم أكن أعلم أننا قاصدين منزل قمر التي أصبحت أشهر من نار على علم. فوجئت عندما قدّمها لي عمر قائلا: “للاّ قمر”
شهقت وقلت في شبه صرخة: “قمر… قمر…”
هزّت هي رأسها وضحكت في دلال. ربّتت على كتفي وهمست في أذني حتى اشتعلت من لهب أنفاسها: “نعم، للاّك قمر، تفضل يا حبيـبي لن تندم أبدا على زيارتنا”.
كانت جميلة، جميلة كالقمر وصدق من سماها قمر. كانت سمينة بضّة ذات ذوق رفيع في كل شيء: لباسها، أناقتها، تصرّفاتها، بيتها…
كانت السّهرة رجالية، لا أثر للحريم فيها إلاّ قمر والعجوز الخادمة التي تقدّم الطلبات إلى جانب شابّ وسيم بدا لي مخنّثا من خلال حركاته ومشيته ونظراته التي تتقاطر أطرافها دعوة إلى طلب الخدمة حتى لو كان الطلب هو المتعة.
كانت سهرة جميلة وأنيقة وصاخبة كصاحبة البيت. ليلتها جرّبت تدخين “الكيف” فطار عقلي حتى أنّي اختليت بـ”تيفة” في أحد الغرف.
في صباح الغد استيقظت على رعب الكابوس الذي عشته البارحة، لكن بعد أن اغتسلت وصليت انتبهت إلى أنّ ما عشته لم يكن كابوسا بل حقيقة وأدركت تمام الإدراك أن هذا “الكيف”الخبيث سيدمّر حياتي لو استسلمت له. لذلك وضعت القرآن الكريم تحت كفّي اليمين وأقسمت ألاّ أعود للمعصية التي اقترفتها البارحة ثم صلّيت ركعتين طلبا للمغفرة.
بعد شهر، دعاني عمر مرّة أخرى إلى سهرة عند قمر. قبلت وكان شرطي ألاّ يقدم لي “الكيف”. تكرّرت تلك السّهرات التي كانت ترتّب خلالها المواعيد مع البنات في أماسي الغد.
عن طريق “للاّ قمر” التي أصبحت فيما بعد تسمّي نفسها “الحاجة قمر” تعرّفت على الكثيرات مما جعلني لا أتحمّس للارتباط بإحداهنّ. إذ كلّما اقترحت عليّ الوالدة واحدة أجد أنّي قد تعرّفت إليها. أما فاطمة حبيبتي فاطمة… فهي سيّدة النساء.

18

خفق قلبي لما رأيته ثانية:
من المؤكّد أنّها ليست مشاعر شاذّة. إذن ما الذي يشدّني إلى هذا الرّجل؟ هو الآخر قبّلني بحرارة وبدا أكثر حماسا في علاقته بي.
بعد السّلام الحار قرّرنا أن نشرب قهوة بعد أن تأخذ “الجزيرة العائمة” مسارها في البحر.
انتظرته قرب السور الحديدي للباخرة. كنتُ متّكئا على حافّة السور أتابع سطح الماء الذي تشقّه السفينة ثم تطويه كما نطوي الصفحات في كتاب الحياة.
غير أنّني أحسّ الآن أنّني على عتبة باب مفتوح إلى الخلف، بل إنّني أشعر أن هذا الباب سيشرع على مصراعيه بعد قليل.
كيف سيكون لون إحساسي عندما أتأكّد أن هذا الرّجل الذي يحمل اسم عفيف هو والدي حقا؟
كيف سيصبح لون عيني عندما أولد في اللّحظة التي سيؤكّد لي فيها عفيف أنه الرّجل الذي منحني الوجود؟
بل كيف سيصبح لون الحياة عندما تحدث هذه المعجزة التي أشقتني منذ أن وعيت وعلمت أنني مجهول النسب؟
تجلجل ضحكة صوفي في حديقة المنزل، يتتالى صدى الضحكة في الأفق دوائر دوائر، كأن الضحكة حجر ألقي في بركة ماء فعكّرها.
كذلك تعكّر صوفي سهراتي بقهقهتها وسؤالها ذي الأنياب المتوحشة: “اذهب وابحث عن والدك وأصلك”.
هي جدّتي، أقرب الناس إلي، تلك التي تجري دماؤها في عروقي تعيّرني. العجوز الشمطاء، المتصابية، تشتمني وهي تعرف أنّي ابنها. إذن كيف سيكون تصرّف الغرباء معي؟ لعلّهم سيكونون أكثر رحمة معي أو لعلّهم لن يعيروا الأمر نفس هذه الأهمية التي ما فتئت صوفي تضخّمها وتبالغ فيها، حتى أصبحت عقبة النّسب والهوية في داخلي أضخم من إيماني بالوجود والحياة. بل إنّ هذه العقبة قوّضت إيماني بهذا الوجود وهذه الحياة.
صوفي أيتها العجوز المهذارة، لن أسامحك، سألقي بك ذات يوم في البحر لـتأكلك الأسماك التي أكلتِ آباءها وأجدادها. ستنهشك الأسماك وأنت تصرخين ولا أحد سيسمع صراخك. لا أحد سينقذك.
انتبهت على صوت السيد عفيف وهو يقول لي: “أنت تقف في مكان عزيز على قلبي، مكان عشت فيه منذ ما يقارب العشرين سنة لحظات هي من أجمل اللّحظات في حياتي”.
طلع قوس قزح في سماء روحي التي رقصت كطفل خرج بعد أن كفّت الأمطار عن الهطول وبزغت الشمس، ليقطفه ثم يزين به غرفته وينام.
الآن أريد أن أنام. لقد قطفت قوس قزح الذي أشرق في سمائي، الآن تعود إليّ طفولتي المسلوبة بشقاء السؤال والشكّ، الآن أحتاج أن يقبّلني هذا الرّجل الذي اعترف من حيث لا يدري أنّه والدي، أحتاج أن يضمّني إلى صدره، أن أشمّ رائحته، أحتاج أن يشتري لي ملابس العيد ولعبه. هممت أن أطلعه على السلسلة حول رقبتي، دليلي إليه، عندما أمسك ذراعي وقال دون أن ينتظر تعليقا منّي: “لنذهب إلى المقهى”.
انساب الحديث بيننا رقراقا خبّأت ارتباكي وفرحي ورحت أستمع إليه وهو يتباهى بمغامراته النسائية. سألته فجأة حتى أني رأيت بعض الارتباك في عينيه: “لِمَ لمْ تتزوج وأنت الذي خبِر كل هؤلاء النسوة”.
لعله دسّ ارتباكه في ضحكة وردَّ: “ها أنك تجيب عن سؤالك بنفسك. بعد أن خبرت كل هذه الأنواع من النّساء ما الذي سيدفعني إلى الزواج؟ ما الذي سيضيفه إليّ الزواج؟”.
أسرعت بالقول: “سيضيف إليك أبناء. أم أنّك لا تحبّ أن تكون أبا؟”
أجاب فورا ودون تردد: “الحقيقة، لا. أنا لا أريد القيود، وأعتبر الزواج والأولاد قيدا سيدمر حرّيتي. أنا لا أبيع حريتي ولا أراهن عليها.”
اعتصر قلبي وجع تقاطر مرّا في حلقي قلت: “ألم يخطر ببالك يوما أن يكون لديك أبناء مجهولون من النّساء اللاتي عاشرتهن بهن كما كنت تروي لي منذ قليل؟”
ضحك حتى بانت كل أسنانه البيضاء كعقد من الجواهر. ثم قال: “حسب منطقك هذا سيكون لي جيش من الأطفال، وسأحطّم الرقم القياسي في عدد الأبناء.”
هدّأ قليلا من ضحكته وأضاف: “لا أعتقد أن لي أبناء، فأنا عادة ما أتخذ الاحتياطات اللازمة حتى لا تحمل المرأة التي أقاسمها السرير، ثم إنّني أعتبر أنّ مشكل الحمل يهمّها هي أكثر مما يعنيني أنا. ومع ذلك فإني كنت شديد الحرص على عدم الوقوع في فخ الحمل والابتزاز. وحتى الآن: الحمد لله. مرّ الأمر دائما بسلام. لذا لم تتصل بي قطّ أي امرأة لتقول إنّها حامل منّي. لكن انتظر لم تسأل كلّ هذه الأسئلة وأنا الذي لم أتعرّف عليك جيّدا؟”
ألم تتعرّف عليّ بعد أيها الأب العزيز؟ كيف ذلك؟ بل كيف تجرؤ على قول ذلك؟ ألم تشمّ رائحتك العجيبة فيّ؟ ألم تر أنفك الغليظ ممتدّا في وجهي كنهر عريض يشقّ هضابا وأخاديد؟ ألم تر كيف وسّمت البنات جسدي كما وسّمت النساء جسدك الطويل الفارع؟ كيف تجرؤ وتقول إنّك لم تتعرّف عليّ بعد؟ كيف وأنا ابنك ومنك؟ ألم يشدّك الشبه الذي بيني وبينك؟ ألم يبد لك ذلك عجيبا أم أنك صدقت أنه يمكن أن يخلق من الشبه أربعين؟
لا أربعين ولا خمسين. هو أنف واحد يجمعنا وهذه “يد فاطمة” شاهدة على ذلك.
أما أنت، فيبدو أنّ قلبك من صخر أو من حديد. تبدو مشاعرك ميّتة. ويبدو أن فالاريا وحدها هي التي التقطت بحدسها الأنثوي رائحة معدنك الحقيقي فهربت من طريقك مدركة أنّها بلا نهاية أو أنّها طريق تؤدي إلى العدم.
أنا الآن أقرّر أيها الأب الذي لم يكن في لحظة من اللّحظات عزيزا، أقرّ أنّه لم يعد لي حاجة إليك وأنني سأكفيك شرّ تحمّل أبوّة لم تستعدّ لها.
لن أعترف لك بسرّي. لن أكشف عن صدري لترى دليل أبوّتك لي معلّقا على قلبي: السلسلة التي ربطنا بها القدر وألقى بنا في مجاهل الغياب لتكون هي الدليل إلى بعضنا البعض. الدليل إلى هويتي المسلوبة والدليل إلى أبوّتك المنثورة هباء في الفراغ والدليل إلى قصّة عشق بينك وبين فالاريا. كتبت بأحرف لا مرئية فلم يقرأها أحد، بينما كنت أنا نتيجة واضحة وجلية، أمام العالم كلّه.
نحن غرباء عن بعضنا برغم الدّم الواحد الذي يجري في عروقنا. نحن غرباء عن بعضنا رغم كل السلاسل التي تربطنا، لذلك أعلن لنفسي المهزومة الشقيّة أنّي تراجعت عن أبوّتك لي، فأنا لست في حاجة إليها الآن. نعم لست في حاجة إليها.

19

ها أنا الآن فوق أرض “جزيرتي العائمة” هنا فقط أحسّ بالأمان والطمأنينة. على هذه الأرض العائمة أقف بثبات وأستردّ ثقتي التي تهتزّ غالبا كلّما وطئت الأرض اليابسة.
تركت هذا الشاب الإيطالي في المقهى وقد بدا لي مهتزا كثير التيه. وعدت إلى غرفة القيادة حيث القبطان فارس الأسود.
أحبّ هذا الرّجل كما لم أحبّ والدي الشيخ الطّاهر بل إني أعتبره الشيخ الطاهر كما أردته أن يكون وكما حلمت به: رجلا قويا، أنيقا، قائدا لا يهاب الأهوال، متفتحا على أفق المجهول، مغامرا. كذلك حلمت أن يكون الشيخ الطاهر وهاهو القدر يرمي بي بين يدي القبطان ليكون هو والدي الحقيقي.
القبطان مثلي يحتاج إلى النساء لكنّه لا يحبّهن. ويكتفي منهن بلقاء جسديّ عابرٍ يدفع مقابله ما يريد ثم يمضي في حال سبيله. يمضي إلى قنينته وبحره، إلى جزيرته العائمة التي تشكلّ كل عالمه.
عندما قال لي إنّ صديقه في مكتب من مكاتب الحكومة ينتظرني، بعد أن اقترح اسمي لوزارة السياحة، عدت أضحك من أعماقي كما لم أفعل منذ سنوات وقلت: “أأنت جاد في الأمر أيها القبطان؟ ألم تدرك بعدُ أني شبيهك تماما وأني لا أبدّل “جزيرتي العائمة” بأي أرض ثابتة ولا أبدّل حرّيتي بأيّ حقيبة سياحيّة كانت أم ماليّة.
أنا لا أريد شيئا من هذه الحياة، من هذا الوجود، من وهم الوجود هذا سوى حرّيتي، حريتي فقط. لا أريد أن أرتبط بأي شيء: لا أريد امرأة تقيّدني، ولا أبناء يفرضون عليّ واجبات أنا لست مستعدا لها، ولا عملا يحدّد لي خطواتي ويرسم لي تفاصيل يومي. لا، مطلقا، أنا أعرف ما أريد، فقط أن أطوف على “جزيرتي العائمة” فوق بحر بلا قرار، وأن أعود بعد كل رحلة إلى منزلي، أستمع إلى الأغنيات والموسيقى في انتظار الرّحلة القادمة.
قال فارس الأسود: “منذ رأيتك علمت أنّك شبيهي وأنّك ابني الذي لم أنجبه، وكنت في كلّ مرّة أضعك فيها أمام امتحان تفوز بتفوّق، مهما كانت نوعيته ودرجة صعوبته. هناك فصيلة من البشر يا عفيف خلقت لكي تنتصر على الحياة بقوّة عجيبة وخارقة في معركة يخرج منها أغلب الناس مهزومين بالوقوع في فخّ وهم الحياة وشباكها.
أنت وأنا أدركنا بوعينا وحدسنا وحظنا أيضا أن الحرّية هي المنفذ السرّي للنجاة من فخّ الحياة”. عانقت القبطان وكأنّني أعانق أبا كان تائها منّي.
ربّت فارس الأسود على كتفي كما كان يفعل دائما وقال: “نرفع الكأس لأجل ذلك، إنّ الحرّية الحقيقية تستحق أن نرفع من أجلها الأعلام”.
ضحكنا وقلت له: “أما أنا فإني سأرفع عمري لأجلها.”
ضحك القبطان وهمس: “سترفع عمرك في كأس أم في فنجان أم في جسد امرأة؟..”
غمز لي ثم أخذ قبّعته وغادر تاركا وراءه خيطا من عطره يضوع سمّيته عطر الحريّة.

20

أخيرا حضرت أيّها الشيطان اللعين. أين اختفيت طوال هذه اللّيالي التي قضّيتها أنتظرك بلهفة حتى تأخذني إلى قبر فاطمة؟ لماذا تأخرت عنيّ وتركتني، بعد أن هيّأت نفسي، أتحرّق شوقا للقاء فاطمة حبيبتي؟ أيها الشيطان! ألف لعنة تنزل عليك! خذني إلى حيث حبيبتي، أسرع. إنها في انتظاري.
التحمت روحي بروح الشيطان، لعنة الله عليه، ثم تسلّل من بين شقوق القبر وتلاشى في فضاء المقبرة. بدت لي المقبرة كبيرة وشاسعة ومزدحمة. يا إلهي هاهم الجميع هنا جيراني في مقبرة “الجلاز”. نظرت إلى قبري فإذا هو مهشّم الزوايا، قذر وقد ازدحمت جنباته بالأعشاب الطفيليّة. أما الشجرة التي زرعتها فاطمة لتظلل قبري فقد ماتت وبقيت عودا يابسا واقفا عند رأسي، والرخامة التي حفر عليها كلام الله تعالى تراكمت عليها الأتربة حتى غطّت الآيات، في حين بقيت شاهدة القبر التي حفر عليها اسمي وتاريخ مولدي ومماتي شاهدة على أنّني أصبحت قبرا منسيا.
أهكذا تفعل بي يا عفيف يا ولدي؟ أتقطع صلتك بي وتترك قبري يتلاشى في النسيان والإهمال؟ ألا تزورك روحي في الأحلام؟ ألا تعبّر عن غضبي عليك؟ ألم تفكر قطّ أن تقرأ فاتحة ترحما على روحي التي مازالت حيّة تنتظر يوم الحساب؟
كذلك كانت أغلب القبور التي مررنا عليها. لقد دفن أغلبها في النسيان، أما القبور التي ما تزال حيّة في القلوب فهي تلك التي ما يزال جرح الفراق مع من تضم جديدا نازفا.
بعد سنوات سيتعوّد الأحياء بغياب الميّت الذي فارقهم وبعد ذلك يتحول التعوّد إلى نسيان إذ تلتهم الحياة الأحياء فتشغلهم حتى عن أداء واجباتهم.
قبر فاطمة لم يختلف كثيرا عن قبري وهذا عفيف نسيها كما نساني.
ألقى بي الشيطان في قبرها. كانت روحها هاجعة في استسلام. لم تصدق عندما هجمت عليها أعانقها وأقبّلها. زقزقت روح فاطمة كعصفورة من فرط الفرح باللقاء المفاجأة. كانت طيّبة الأنفاس كما عهدتها غير أنّها لم تتزيّن ولم تتبرّج كما كانت تفعل في الحياة استعدادا لاستقبالي. فكّرت أنّ الشيطان، خلال غيابه عنّي، ذهب لإعلامها لكنّه لم يفعل إذ لم يبرز أي شيء يدلّ على ذلك.
أزهرت فاطمة للقائي ثم عادت منكسرة. استغربتُ ذلك. ما هكذا كانت فاطمة، وما انتظرتها أن تكون كذلك بعد طول الغياب. غير أن فاطمة انهارت سريعا وهي تشكو من تنكّر عفيف ابننا لها. فها هو منذ وفاتها لم يزرها. بل إنّه لا يعرف قبرها. فهي تقول إنّه هرب من جنازتها.
آه، يا عفيف أيها الولد العاقّ. أتنسى أمّك التي صبرت اللّيالي الطوال وصلّت ودعت الله عزّ وجلّ أن يعطيك لها ولي ولدا صالحا؟ وإذا بك ولد عاقّ تضنّ على والديك بزيارة إلى قبريهما وفاتحة على روح كل واحد منهما؟ دسستها في حضني ودعوتها إلى ألاّ تدافع عنه وألا تطلب من الله أن يشفع له ويغفر له ذنوبه التي لا تحصى ولا تعدّ.
هدّأت من لوعتها ورحت أدغدغها وأرضي شهوتها. شيئا فشيئا بدأت جمراتها تلتهب وانطلقنا في رقصة حميمة كنّا خلالها كريشتين في سماء المتعة.
فجأة، ونحن في أتّون التحامنا سمعنا صرخات نسائيّة وسبابًا وشتائم. حتى أنّي خلت نفسي في الحمام التركي الخاص بالنساء أو في حيّ شعبي في معركة نسائية بشأن وشاية…
لم أتبيّن الأمر في البداية. أخفيت فاطمة خوفا عليها من الأذى ونظرت لأتفهَّم ما يحدث. يا لهول ما رأيت! نعم. لقد رأيت أرواح أغلب النساء اللاتي عرفتهنّ وتزوجتهنّ في الحياة. لقد كانت ثورة نسائيّة بحقّ. لقد اجتمعت أرواح من ماتت منهنّ في قبر فاطمة ورحن يشتمنني ويشتمنها ويتوعّدنني ويتوعّدنها.
يا إلهي! أيوجد الشرّ حتى بين الأرواح الميّتة. فجأة شقّ صراخ النسوة وصياحهنّ صوت قهقهة غليظة. عندها انتبهت وتفطّنت إلى أن الشيطان الرجيم نصب لي فخّا، لعنة الله عليه. لقد كان خلال فترة الغياب تلك يعدّ لي هذا المقلب، فذهب وأعلم كل أرواح النّساء اللاتي ارتبطت بهنّ في حياتي بل وساعدهنّ على الحضور إلى قبر فاطمة.
كان هدف الشيطان الرجيم واضحا: إفساد العلاقة بيني وبين حبيبتي فاطمة التي علمت عندها بأنّي كنت على علاقة بكل ذلك العدد الهائل من النساء.
هاجت فاطمة وماجت. ولأوّل مرّة أراها وقد خرجت عن طورها فأرعدت وأزبدت وطردتني من قبرها أمام ضحكات حريمي وقهقهة الشيطان الرجيم الذي رفض أن يعيدني إلى قبري.
فبقيت روحي هائمة على وجهها بلا جسد ولا قبر.

21

فتحتُ الباب الأزرق الثقيل بمساميره السوداء الغليظة المرشوقة في سطحه كأنّها آثار سهام.
تجاوزت السّقيفة ودخلت صحن الدار. بدت أبواب الغرف مغلقة على أسرارها. جلست على حافة النافورة التي تتوسط الصحن، منذ وفاة فاطمة لم أشغّلها، حتى في السّهرات التي كنت أحييها مع أصدقائي الذين كانوا يلحّون عليّ لأطلق سراح الماء منعشا ليتدفّق معلنا عن الحياة في المنزل، خاصة في سهراتنا الصيفيّة تلك، إلا أنني كنت أرفض.
النافورة خاصّة بفاطمة أمّي. وحدها التي تعرف قيمة الأجواء والطقوس التابعة للنافورة. النباتات التي كانت في أصصها تحيط بحوضها هاهي جافّة، فأنا لم أهتمّ بها منذ أن رحلت أمّي عن هذا المنزل فانطفأت أضواؤه. حتى مجهودات دوجة العجوز الماكرة في الاهتمام بتلك النباتات التي تقول إنّها من رائحة المرحومة لم تجد نفعا.
في كلّ مرة كنت أعود فيها إلى المنزل، كنت أعود مهزوما كمحارب خسر كلّ معاركه بجسد خرّبته النبال وجرّحته السيوف.
ماذا أفعل في هذا الوجود؟ ما جدواي حقا؟ أنا لا أنفع الناس ولا أضرّهم؟
ما جدواي، وقد قطعتُ خلف الشيخ الطاهر؟
لقد كنت الغصن الجاف الذي لن يورق ولن يخضرّ أبدا!
أليس ذلك أفضل من أن تتواصل هذه الشجرة مخضرمة بلا هويّة. فهي شجرة ملقّحة بأكثر من لقاح لذلك يأتي ثمرها بلا هويّة. فلا هو بثمر التفاح ولا هو بثمر الخوخ ولا هو بثمر المشمش.
هو ثمر غريب شبيه في شكله بكل ثمر مدوّر، لكنّ لونه وطعمه لا يحيلان على أيّ ثمار يمكن للذّاكرة الإنسانيّة أن تعثر له على هويّة.
لماذا يتواصل إنتاج هذه الثمار الغريبة التي لا تؤكل؟
لن أواصل نسلك يا شيخ الطاهر، لقد شوّهتني بوعيك ولا وعيك وإذا بي أنا ابنك لست طاهرا ولا عفيفا. ولست شيخا ولا صعلوكا عربيدا.
أنا اللاّشيء، أنا القحط، أنا الصّحراء.
رجل بلا مشاعر، رجل بلا فائدة.
فماذا أفعل في هذا الوجود؟
تعلّقت طويلا بأرجوحة “الجزيرة العائمة”. استندت طويلا إلى أبوّة القبطان المستعارة من صورة في خيالي لأب أردته أن يكون أبي، وقاومت منذ رحيل فاطمة لأواصل الحياة معتقدا بطمع كبير أنه يمكن أن تحدث المعجزة ذات يوم فيعود الاخضرار إلى النباتات في الأصص. غير أنّ شيئا من ذلك لم يحدث وبقي لقائي الوحيد واليتيم مع المرأة الوحيدة التي كان يمكن لها أن تكون شبيهة بفاطمة لقاء بلا هوية مثلي تماما فضاع في زحام الحياة .
كيف فلتت تلك الإيطالية من بين أصابع رغبتي دون أن أنتبه إلى أنها فاطمة أخرى ترحل عنّي؟
كم كنت مغرورا ساعتها بل كم كنت أحمق وغبيا. كنت قويّا بفحولة زائفة استغلت نيرانها نساء متنوّعات، نساء متزوجات وغير متزوجات، صبايا وعجائز، كلهن يعبدن اللذّة ويتظاهرن بالأخلاق الحميدة.
أية أخلاق حميدة وكلهنّ أمام المتعة وعبث المتعة يركعن ويطأطأن الرأس ويأتين أبشع الأفعال.
آه أيتها الإيطالية السمراء. لقد تركت في القلب لوعة وفي الذاكرة سكينا.
آه. أيتها الغريبة ، أيتها المرأة التي تحبّ جسدها وتحترمه وتُدَلِّلُه كما فاطمة أمّي. إنها لم تقدم لي جسدها هدية لأفعل به ما أشاء. ولم تبعني جسدها بمقابل. إنها أنثى… أعطتني ما أعطتني وأخذت مني ما أرادت أن تأخذ. كيف ضيّعتك أيتها الغريبة؟ كيف؟
دخلت غرفة فاطمة؟ ماتزال أشياؤها كما هي، كما تركتها، تأتي دوجة في كل مرّة فتنظفها وتعيدها إلى مكانها.
قالت لي دوجة العديد من المرات إنه حرام في ديننا الإسلامي الاحتفاظ بملابس الميت بل يجب التصدّق بها ترحّما على روحه.
لم أرُدّ عليها قطّ. كنت أطلب منها أن تنظّف وتعيد كلّ شيء إلى مكانه: ملابسها الحريرية، فساتينها، “الفوطة والبلوزة” المطرّزة بالعدس و”الكونتين” لحضور المناسبات، شالاتها الحريرية، عطورها وموادّ زينتها. هاهي هنا كلّها في غرفتها، في صندوق زينتها.
أفتح الصندوق، تضوع رائحتها، تغمر أنفي فأسكر بها، إنها تتعتعني أكثر من “الكيف”. سحبت كلّ أشيائها الصغيرة، وضعتها على المائدة، كما هي عادتي، كلّما عدت من رحلتي، أظلّ أتفرّج عليها كمن يتفرّج على أشياء يراها لأولّ مرّة بنفس تلك الدهشة والبهجة.
روح فاطمة تسكن هناك في تفاصيلها الصغيرة التي كانت تميّزها.
كثيرا ما كانت العجوز دوجة تطلب منّي أن أزور أمّي في قبرها فأزجرها قائلا: “أي قبر؟ فاطمة لم تمت! إنها هنا في المنزل، منزلها الذي لم تغادره. أخذوا الجسد غير أن روحها ماتزال هنا ترفرف في فضاء المنزل وفي أشيائها فلماذا أزور قبرا بلا روح؟”.
فتحت خزانة ملابسها، سحبت فستانها الوردي، كانت تحبّ هذا الفستان وتعشق هذا اللون الذي يغلب على شالاتها وملابسها الداخلية.
أتشمّم تلك الملابس أحضنها. أمسك الفستان الوردي.
كنت قد تجاوزت العاشرة بقليل عندما لحقت بأمّي إلى غرفتها بعد أن تحمّمت. كانت متلفعة “ببشكيرها” الوردي، تضع على شعرها الأسود الطويل منشفة ورديّة بخيوط ذهبيّة قبّلتها وقلت لها: “صحّة الحمّام”
قبّلتني على جبيني وردّت: “إذهب وراجع دروسك يعيّش ولدي، والدك سيعود متأخّرا وأنا سأذهب لزيارة خالتك فريدة، إن طُرق الباب لا تفتح. أنا لديّ مفتاح ووالدك كذلك.”
قلت: نعم. وتظاهرت بالخروج لكني اختفيت وراء الستارة المخمليّة النبيذيّة وظللت أراقبها. رأيتها عارية، رأيت جسدها الجميل الأبيض المتناسق.لم تكن أمّي سمينة ولا نحيفة، كانت ممتلئة وطويلة، كان شعرها الأسود الطويل منسدل على كتفيها حتى يغطي ظهرها ساحرا.
دهنت جسدها بكريم مرطّب فاحت رائحته كأنه عطر الياسمين. تعطّرت بعطر لا أعرف كيف أسمّيه إنما هو عطر أمّي. وضعت قطرات وراء أذنيها، حول رقبتها، على قمّة كتفيها، فوق نهديها، فوق عانتها، حول إبطيها، عند معصميها، ثم تحت “فارتيها”. لبست ثيابها الداخليّة قطعة قطعة بعد أن رشّتها بزخات من عطرها.
ثم ارتدت فستانها الوردي، ووضعت على رأسها شالها الحريريّ فبدت في المرآة كأنها عروس البحر.
ما أجمل أمي وما أطيب رائحتها وما أمتع ملمسها.
قبّلتني مرّة أخرى وهي تغادر ملتحفة بالسفساري الحريري الأصفر الذي يزيد من قدّها جمالا.
انتابني السؤال وهي تغلق الباب وتوصيني بألاّ أفتح: “لمن تتجمّل أمّي وقد اعتادت أن تفعل ذلك من أجل أبي فقط؟ كما أنّها لم تكن لتتجمّل بمثل تلك المبالغة وهي ذاهبة لزيارة صديقتها فريدة؟”.
دفعني السؤال إلى خارج المنزل. لأتتبّعها دون أن تدري.
كانت تتمايل في “السفساري”، يدقّ كعبها العالي أرض البلاط كمسامير الوجع التي تدقّ رأسي الآن.
ما أجمل أمّي وهي تمشي كعود البان، من بين كلّ النساء اللاتي عرفت لم أر امرأة مثل أمّي في جمالها وأنوثتها ورقّتها وأناقتها ورائحتها.
تجاوزت فاطمة منزل فريدة ولم تدخل. تعجبت من الأمر، أتكون قد كذبت عليّ؟ إذن إلى أين هي ذاهبة؟
اختبأت في زاوية عندما أحسست أنها ستتلفّت ناظرة ذات اليمين وذات الشمال، ثم تقدّمت خطوات ودلفت إلى أحد المنازل. كان باب المنزل بُنيًّا، لم يكن بابا كبيرا كباب منزلنا. انتظرت أمام الباب وتردّدت وارتبكت وتساءلت ماذا أفعل: هل أمشي وأتركها في منزل غريب؟ هل هي صديقة جديدة لا نعرفها؟ لماذا لم تعلمنا بأمرها؟ هل هي صديقتها فتحية التي لم يكن الشيخ الطاهر يحبّ أن تصادقها؟
كان الشيخ الطاهر يؤكد عليّ دائما أن أرافقها وهي قاصدة زيارة إحدى صديقاتها غير أنّها كانت تكره ذلك. كانت تتركني في المنزل وتطلب مني أن يظلّ ذلك سرّا بيني وبينها.
كنت أحبّ أن أصادق أمّي فهي الأقرب إليّ لذلك كنت أحتفظ بأسرارها في أعماق أعماقي فلم أكن لأخبر والدي بأيّ شيء تطلب منّي أن أحتفظ به. غير أنّها في تلك الأمسية لم تطلب منّي أن أكتشف سرّها الذي خبّأته عنّي لأخبّئه بدوري عن الشيخ الطاهر.
بعد تردّد وحيرة، دفعت الباب بساقي وأنا أرتعش خوفا. وإذا الباب ينفتح. دلفت. وإذا أنا في سقيفة شبه معتّمة، تقدّمت وإذا المنزل يكاد يشبه منزلنا إلاّ أنّه أصغر منه بقليل.
تقدّمت بحذر. كان صحن الدار صغيرا وكانت الغرف متقاربة. تماسكت مع الحائط وتقدمت بينما كان قلبي يدقّ بسرعة، بل إنّ قلبي من فرط السرعة سقط في أحشائي.
سمعت حركة في الغرفة القريبة مني. تقدّمت نحو النافذة أكثر فأكثر، وإذا الشباك مشرع، وإذا المشهد متاح.
مرّة أخرى أتفرّج على أمّي وهي تعزف لحن المتعة على أوتار جسدها، هاهي مع رجل آخر غير أبي، هاهي أميرة في ديكور رومانسي باذخ، في جلسة ملوكية. نعم! إن الرجل الذي يرافقها ذو هيبة ملوكية. لم تكن لديه لحية أبي، ولم يكن بطنه مثل الشيخ الطاهر منتفخة. لقد كان رجلا وسيما، وسيما كآلهة الجمال. لم يكن أنفه ضخما مثل أبي. ولم تكن شفتاه متدليّتين. كان طويلا، رشيقا، أشقر الشعر، فاتح العينين. كان وهو يقبّل جسد أمّي من أخمص قدميها حتى شعرها كأنه يقدّم قربانا لهذا الجسد الحيّ، هذا الجسد الذي ينهض فجأة فيتحوّل إلى أسد ينهش متعته، مرّة أخرى أرى أمّي وهي سيّدة تمنح المتعة وتستردّها معتّقة إلى جسدها. إنّه جسد ناعم كمقاطع السنفونيّة الخافتة، ومتوحّش كمقاطعها الصاخبة. أرفع صوتَ المسجّل فترتفع المقاطع لتصبح أكثر صخبا، أكثر عنفا، أكثر استبدادا. كذلك رأيت أمّي مع ذلك الجسد الأشقر الوردي، يومها عرفت لماذا تعشق أمّي اللون الورديّ. إنّه لون الجسد الرشيق، الجسد الجميل، إنه لون المتعة الحقيقيّة.
كان من المفروض أن أغتاظ، أن أغضب، أن يثور دم الشرف في عروقي، غير أنّ شيئا من ذلك لم يحدث.
لقد أعجبتني أمّي لأنّها اختارت رجلا آخر أفضل من الشيخ الطاهر وأكثر وسامة منه، بل إنّه رجل جميل كإله أمام قبح والدي الذي أورثني إيّاه. لماذا لم أكن ابن ذلك الرجل الأشقر وابن أمي فاطمة؟ لو كنت ابنهما لكنت رجلا آخر غير هذا الرجل المشوّه، غير هذا الجسد الذي اختلطت فيه دماء ما كان لها أن يختلط بعضها ببعض.
أخفيت سرّي عن كلّ الدنيا حتى عن أمّي. لم أعلمها بأني رأيت سرّها. في البداية، خبّأت ذلك خوفا. ولمّا كبرت خبّأت ذلك مخافة أن أجرح رهافتها. لكني كنت فخورا بها، لقد أكرمت جسدها الذي كانت تعرف قيمته جيّدا، دون أن تخدش كبرياء الشيخ الطاهر.
ذات مرّة بعد وفاة والدي بسنوات، سألتها لماذا قبلت الزواج من الشيخ الطاهر؟ فقالت: “لقد بهرتني نظرته. كنت صغيرة ومستعجلة لالتهام الحياة، فلما أرسل لي والدته تسألني خفية في الحمام التركي قبلت. جاؤوا بعد أسبوع لخطبتي وبعد شهر تزوجنا. تمّ الأمر بسرعة”.
أغواها بنظرته الشهوانية التي حدّثني عنها القبطان.
الآن، وأنا في هذه المرحلة من الكهولة المجدبة أذكر ذلك المشهد فأحيّي روح فاطمة التي عرفت كيف تنتقم لجسدها من عبث الشيخ الذي لم يكن طاهرا.
كانت روح فاطمة ذكيّة بالفطرة، رهيفة، حسّاسة كعين. كانت روحا نادرة محمّلة بالخبرة بل موشومة بتاريخ الإنسانية.
كنت أعود من المعهد الصادقي مستعجلا كمكلّف بمهمّة. أضع الشريط الموسيقي في المسجّل، ترتفع مقاطع السنفونيّة التاسعة لبتهوفن عالية. أستلقي على سريري وأغمض عيني وأغرق في أحلامي السريالية التي أسابق فيها حركة الموسيقى وهي تعلو وتنخفض كعصا المايسترو السحرية وهو يقود شلال الإحساس عبر حركة تصبح شيئا فشيئا لا إرادية تحركها قوّة داخليّة.
أفتح عينيّ وإذ فاطمة تجلس قبالتي على كرسيّ مكتبي. تنظر إليّ بعينين متيقظتين. أجلس على حافة السرير وأبتسم قائلا: “هل أزعجك صوت المسجّل عاليا؟”.
تقف رشيقة, تتحوّل للجلوس إلى جانبي، ترمي يد حنانها على كتفي. تحضنني وتقول: “لا يا عزيزي. لقد أطربتني بموسيقاك. لقد تركت مطبخي وجئت لأستمع معك إلى هذا اللحن الجميل”. أضحك وأقول: “أنت حقّا متقدّمة على مثيلاتك. أنت حقا فنانة سيّئة الحظّ. فها أنت تتفاعلين مع موسيقى بتهوفن في حين تطرب الأمّهات في مثل سنّك لأغاني الأعراس الشعبيّة”. تتحمّس فاطمة وتندفع بالقول: “ما بالها الأغاني الشعبية؟ إنها جميلة هي أيضا”.
نعم تحب فاطمة السائد من الأغاني لكنها تتجاوز ذلك برهافتها إلى ما هو أرقى. نعم، ذلك ما يبهر فيها حقّا.
ترتفع مقاطع السنفونيّة التاسعة التي استمعنا إليها سوية عديد المرات. أقف أمام المرآة. أرى وجه أمّي وقد طلع منها كوجه ملاك.
أضع على جسد الملاك فستانها الوردي، أضع على رأسها شالها الوردي بأهدابه الذهبيّة، أزيّن وجهها بماكياجها، أرشّ عليها من عطرها، ألبسها حذاءها الأبيض ذي الكعب العالي، وأدعوها إلى الرقص معي على إيقاع السنفونيّة التاسعة.
أثناء الرقص تنظر إلى صدري. تشهق. تمدّ يدها بأصابعها الطويلة الرّشيقة وتعبث في غابة صدري، ثم تسأل بفزع: “أين الخُمسة؟ أين يد فاطمة؟”.

22

قرّرت أن أستقرّ في تونس نهائيّا.
ثارت فالاريا لقراري. لم أعِرْ ثورتها المزيّفة اهتماما وواصلت إجراءات نقل أدباشي إلى تونس.
بعد إلحاح وتدخّل من جدّي باولو وصوفي المهذارة التي شتمتني ثم عانقتني وبكت وهي تودّعني أعطيتها عنواني في تونس.
لقد وجدت في هذه الأرض هويتي التي كنت أبحث عنها وإذا بي كنت أبحث عن وطن وأنا الذي ضيّع سنوات وهو يبحث عن أبوّة بلا حضن عاجزة عن ضمّ أبنائها إلى صدرها.
ارتحت كثيرا في العيش هنا بعد أن قررت فتح شركة للاستيراد والتصدير بين تونس وإيطاليا. انسابت الأيام رقراقة بعد أن استتبّ السلام في أعماقي وبعد أن أوصدت نهائيا أبواب الشكّ والسؤال.
ذات صباح حطّت فالاريا الرحال في تونس. لم أفرح كثيرا بزيارتها المفاجئة. لقد شممت رائحة حريق قادمة في الأفق.
قالت إنّها جاءت لتغلق الملف نهائيّا حتى تتفرّغ لحياتها الجديدة مع بحّارها الذي نجح وحده في تغيير موقفها من الرّجال. قالت إنّها، أخيرا، عادت إلى “الجزيرة العائمة” أجرت تحقيقها الذي أجّلته لسنوات عديدة وأنّها عثرت على أثر أبي وعنوانه.
ضحكت، ضحكت حتى دمعت عيني.
يا للمهزلة!
أهكذا تسير الأمور دائما في اتجاهين متعاكسين؟ هاهي تأتي الآن بالجواب الأكيد. الآن بعد أن تخلّيت أنا نهائيّا عن السؤال الذي لم يعد يعنيني. هاهي تأتي فخورة بنتيجة بحثها وبعنوان أبوّتي مسجّلا على طرف ورقة.
هكذا بمثل هذه البساطة، بل بمثل هذه السهولة تنحلّ عقدة لازمتني طوال عمري فأقضّت مضجعي وأسكنتني الكوابيس؟
ضحكتُ. قهقهتُ. ثم جاملتها ورافقتها صحبة دليلها الرجل القصير إلى حيث ستأخذني إلى أبوّتي الضائعة. توقّف بنا التاكسي في بطحاء، أشار إلينا الرجل القصير بالنزول. تبعناه ومشينا في أزقّة ضيّقة مبلّطة بالحجر المصقول، اقتربت جدرانها وأبواب منازلها المتقابلة، انسابت مياه قذرة على حجارة البلاط المصقولة بفعل الزمن وفاحت روائح كريهة لزبالة قديمة مكدّسة في الزوايا. تذكرت أزقة شبيهة في المدن القديمة بإيطاليا.
وقف الرّجل القصير أمام باب أزرق كبير ضخم رُشق سطحه بمسامير غليظة سوداء.
دقّ الرّجل القصير الباب باليد الحديدية السوداء عديد المرات لكن لا أحد يفتح.
قلت: “لا داعي للإلحاح لنذهب”.
قالت فالاريا: “تنبعث من الداخل موسيقى. كأني أسمعها. لا بد أن يكون أحد ما بالداخل.”
أعاد الرجل القصير الطرق بأكثر عنفا. مرّ صبيّ، تحدّث معه الرجل، ثمّ طلب منّا أن ننتظره قليلا. غاب بعض الوقت ثم عاد تتبعه امرأة عجوز التحف نصفها الأسفل بقماش أبيض.
مدّت العجوز يدا عجفاءَ، ثمّ دسّتها في ثيابها الباهتة وسحبت من ثناياها قطعة قماش باهتة هي الأخرى. فتحتها، وإذا بطرفِها معقودٌ بثقبِ مفتاحٍ أسودَ متوسط الحجم. دسّت العجوز المفتاح في الباب وفتحته.
دخلت هي أوّلنا ثم تلاها الرّجل القصير ثم دخلت فالاريا، وأخيرا وطأت قدماي أرض الرجل الذي ستكشف عنه أمّي باعتباره أبي. لم تصدق روايتي عن عفيف بلقايد الذي تعرّفت إليه وعلمت أنه والدي. شكّكت فالاريا في الحكاية لأني لم أطلعه على السّلسلة فهي الدليل الوحيد على الصّلة التي تربطني به.
أبوّة معلّقة في سلسلة فضيّة. أبوّة تتأرجح في قبضة يد فاطمة. يا للمهزلة!
حياة إنسان، كيان بأكمله معلّق في أدلّة واهية قد تكون من صنع الخيال وقد تكون ديكورا تابعا ومتناسقا مع سيناريو النزوة العابرة.
تغمر مقاطع السنفونيّة التاسعة فضاء المنزل المشيّد على الطراز التونسي العتيق كما علمت فيما بعد.
كنت أتطلّع إلى أبواب الغرف، إلى النافورة التي تتوسّط المساحة الرخامية.
فجأة علت على صخب الموسيقى صرخة. ركضت في اتجاه الصرخة الحادّة التي أطلقتها العجوز العجفاء. دخلت إحدى الغرف وإذا الفوضى تملأ أرضيّة الغرفة: ملابس نسائيّة قديمة ملوّثة بالدماء ملقاة هنا وهناك، مواد زينة منثورة، حليّ ذهبيّة وفضّية، أبواب خزانة الملابس مشرعة، على السرير أوراق صفراء ممزقة، صندوق صغير مفتوح.
انساب من الملابس خيط أحمر من الدّم المتجمّد على الرخام بلغ عتبة الباب. ظلّت العجوز تركض هنا وهناك تولول وتصرخ. امتزج صراخها بمقاطع السنفونيّة التاسعة. امتقع وجه فلاريا وقد تحطّمت أسطورتها على مذبح الفجيعة.
سألت الرّجل القصير عمّاذا تردّد العجوز فقال إنّها تتساءل عمّا حدث لسيّدها عفيف.
إذن هو عفيف والدي، شهادة التحقيق الذي أجرته أمّي فالاريا لتعيد لي أبوّتي الضائعة. لكن أين هو عفيف الذي لم نعثر عليه في مسرح جريمة بلا معنى؟ أين جسده إن قتل كان قد أو كان قد انتحر؟
غادرت منزل أبوّتي بمشهد ذبائحيّ حيث كست دماء عفيف بلقايد الرخام والملابس النسائيّة القديمة. إن كانت تلك الدماء دماءه فهي بالتأكيد دمائي التي ما زلت أحتفظ بها في شراييني.
ظلت مقاطع صاخبة من السنفونيّة التاسعة تركض وراءنا ونحن نمشي في الزّقاق الضيّق. كانت فالاريا تمشي أمامي، لأوّل مرّة أنتبه إلى جمال قدّها الطويل. قبضت على يدّ فاطمة المعلّقة في صدري، ومشيت.)

انتهت
تونس 2002 / 2005

شاهد أيضاً

سيدات زحل

( ثقافات ) ننشر تاليا رواية الأديبة العراقية لطفية الدليمي “سيدات زحل” قراءة ممتعة لمتصفحي …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *