الرئيسية / إضاءات / النقد الافتراضي

النقد الافتراضي


*محمد إسماعيل زاهر

يكتب أحدهم عن رواية “موسم الهجرة إلى الشمال” للطيب صالح قائلاً: “حصلت هذه الرواية على ضجة كبيرة وقيل عنها الكثير والكثير وتم اعتبارها واحدة من أجمل الروايات العربية في القرن العشرين، وهذا السبب شجعني على قراءتها، لكني للأسف شعرت بالملل وانقطعت عن القراءة لفترة، وعندما عدت إليها لم استطع إكمالها، لكني أخذت على نفسي عهداً بأن أنهي الكتب المتواجدة على رف القراءة حالياً وبالتالي أرغمت نفسي على إكمالها، لن أتحدث عن القصة وعن الأبطال، فالذي أريد أن أتحدث عنه هو أن القصة عادية وليست فيها شيء مميز لكي تحصل على كل هذه الضجة”، وتقول أخرى عن رواية “الحرافيش”: “تجربتي الأولى لنجيب محفوظ وأعتقد أنها ستكون الأخيرة، الحرافيش كانت إحدى التجارب التي أقدمت عليها بسقف من التوقعات كان عالياً جداً وفي النهاية أُصبت بخيبة أمل”، ويصف ثالث “الحرام” ليوسف أدريس بالقصة، هي رواية السطحية والمترهلة، ورابع يرى في “مدن الملح” لعبد الرحمن منيف رواية مملة جداً، وخامس يسخر من “السائرون نياماً” لسعد مكاوي ويطلق عليها “القارئون نياماً”، وهناك آراء مماثلة عن أشهر الروايات العربية بإمكانك أن تقرأها على موقع “غود ريدز” الشهير .

الموقع بيئة خصبة لإجراء قراءات ودراسات علمية عن تذوق القراء “العاديين” للأدب، وتتبع الرأي البسيط والعابر في الأعمال التي أصبحت كلاسيكية، ومعرفة اتجاهات الذائقة خاصة الشبابية منها، حيث هناك آليات لتقييم كل عمل وحوار مفتوح بين قراء العالم الافتراضي حوله، حيث لا يمكن توصيف ذلك بالنقد أو حتى إدراجه ضمن القراءة الصحفية أو الانطباعية العابرة . وربما تصل دراسة ما إلى أن الأقبال على أعمال ذات سمات معينة أكثر من الاهتمام بتلك الكلاسيكيات .
تثير مثل هذه الأنواع من الآراء ملاحظات عدة، فربما يدعو أحدهم إلى تجاهلها بوصفها تدور في فضاء لم يكرس بعد في الثقافة العالمة، أو يسخر آخر من هؤلاء “العوام” الذين لا يمكن لهم قراءة الأدب بذائقة عالية، أو يدافع ثالث عن الأسماء التي جاءت في المقدمة بوصفها تمثل صفوة الأدب العربي، الرواية تحديداً، ولكن في الوقت نفسه لم يجهد أحدهم عقله ويشرع أدواته “الفكرية” و”النقدية” ليقرأ تلك النوعية الأخرى من الأدب “المطبوع” والتي يُحتفى بها في هذا الموقع وغيره، تلك النوعية الناتجة عن متغيرات اجتماعية و ثقافية وأيضاً “نقدية مكرسة”، نوعية لا يمكن وضع معظمها في مفهوم الأدب بمعايير عقد سابق، بمعنى أن الذائقة تعيش حالة من التسارع والتغيير والبحث عن الجديد والمختلف التي تعكس واقع الشريحة الشابة المنتجة والمستهلكة لهذه الأعمال .
ولعل السؤال الأصعب سيتعلق بثقافة هذه الشريحة، ما هي مفرداتها ومكوناتها والأسس التي تشكلها والقضايا التي تهتم بها؟ وهل تعنى بتلك الأفكار الكبرى التي عبرت عنها وتضمنتها تلك الكلاسيكيات؟ وهل لها أفكارها الكبرى التي تلوح في الأفق؟ وبالتأكيد هناك جذور لتلك الأفكار بحاجة إلى من يبلورها معرفياً ونظرياً، وماذا عن ذلك التقريظ الذي نقرأه كثيراً لعمل يفتقد إلى أبسط قواعد الأدب من ناقد مكرس؟ وماذا عن رأي سلبي لناقد آخر مكرس في إحدى تلك الكلاسيكيات يردده في مجلسه الخاص ولا يجرؤ على نشره علنا؟ وفضلاً عن إهدار ذلك المقرظ لعمل رديء لنظريات وشروط النقد التي صدعت رؤوسنا كثيراً في السابق، هو لا يعلم شيئاً عن ثقافة هذه الشريحة، أم أن هذه النظريات والشروط بحاجة إلى رؤية أخرى؟ أم أن ما المنتج الأدبي الرائج لا يهمه النقد؟ وماذا عن بعض تلك الأعمال الجديدة الجيدة بالفعل وتحتاج إلى قراءات تبتعد عن “الشو الإعلامي” السلبي والإيجابي؟ فربما تفرز آلياتها وتقنياتها المختلفة والمفيدة في المستقبل .
النقد غائب منذ سنوات ويبدو أن حالة “تواجده” افتراضياً في الساحة الثقافية الواقعية انتقلت إلى فضاءات مواقع التواصل الاجتماعي، التي برغم كل مشكلاتها تبدو أصدق من الواقع نفسه . 
_______
*الخليج الثقافي

شاهد أيضاً

كيف نقاوم وباء التضليل الماحق؟

*حبيب سروري تناولت، في مقالي السابق، إحدى مصائب عصرنا التكنولوجي الجديد: “ما بعد الحقيقة”، وشكليها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *