الرئيسية / إضاءات / كاميلو ثيلا.. الكتابة بسكّين الواقعيّة

كاميلو ثيلا.. الكتابة بسكّين الواقعيّة


*مازن معروف

لا تقتصر أهمية رواية “عائلة باسكوال دوارتِ” للحائز على نوبل للآداب، الكاتب الإسباني كاميلو خوسيه ثيلا (1916 – 2002)، على خصوصية موضوعها، أو على بساطة السرد فيها وحدّة صُوَرها وقسوة المجاز فيها. بل هي أيضاً واحدة من علامات تطور الرواية الإسبانية في القرن العشرين، ومن تلك الروايات التي يُقَال إنها تكتب مرة واحدة، مثل “جوع” للنرويجي كنوت هامسن و”الحياة التي أمامنا” للفرنسي رومان غاري. العمل الذي أعادت “دار المدى” إصداره بترجمة لرفعت عطفة، يعدّ المعنطف الأول الذي دخلت الكتابة الإسبانية من خلاله في معترك الواقعية، بعد الحرب. الشخصية الأساس فيه (باسكوال دوارتِ) منهزمة، قاسية، وعاطفية في آن، يراوغها المجد، ولا تطأ أرض أي انتصار. هي منزوية في شؤون شخصية، بالغة الدلالة، سياسياً واجتماعياً، حدّ الموت، إذ يُحكم على باسكوال بالإعدام، لكن مخطوطة مذكراته تجد طريقها إلى النشر. في الفصول الأولى، يرسم الكاتب ملامح بطل محايد نوعاً ما، يسمح لنفسه، من خلال سلبيته، بتشرّب الظروف التي أعطيت له، وتكوين انطباعات نفسية وعلاقة مع الذات لا يمكن الإفلات منها. لكن هذا التمهّل لا يدوم طويلاً، إذ سرعان ما يصبح، لاحقاً، جزءاً من أحداث فظيعة، تتوالى كانفجارات صغيرة تفتّته.

تتأرجح طفولة باسكوال بين أب عنيف وأم هزيلة، لا تخلو شخصيتها من خبث. مقابل ذلك، تربطه علاقة وثيقة بأخته القوادة، اللماحة والعطوفة بدورها على أخيها حتى النهاية. لكنه يفقد أخاه الطفل ووالده بصورة مأسوية تحفر العظم وتعزز من كراهيته لوالدته. أحداث تؤسس لشخصية صعلوكة متوترة، ناقمة ومحبّة في آن، يكمن لها طالعها السيئ، فينتهي بها الأمر بقتل الوالدة. الظروف التي تتضمنها هذه السيرة تؤلف مشتركاً عاماً بين فئات عدة فقيرة في ذلك الوقت. لم يحد خوسيه ثيلا عن الهيكل العريض للرواية البيكارسكية الإسبانية التي ظهرت في مطلع القرن السادس عشر. فهو يؤسس لشخصية خالعة، شيطانية، تتأرجح بين العنف والطيبة، مستعرة وهزلية، غالباً ما يختلط الموضوعي فيها بالشخصي، والاجتماعي بالذاتي، فتصوّر الحياة كما لو أنها مجموعة من العوائق الحقيرة. العائلة والمحيط الضيق يمكن أن يحملا رمزية كبيرة، ويختزنا مزايا إنسانية بشكل كثيف ورمزي واقعياً، تشكّل في أغلبها طيفاً من الألوان النفسية. بعد حوالي قرن كامل على أفول الرواية الرومانسية منتصف القرن التاسع عشر، وحضور مدرستي الواقعية الفرنسية ثم الواقعية الإيطالية بقوة، كتب ثيلا عمله هذا، الذي ظهر في أربعينيات القرن الماضي. بطبيعة الحال، فإنه امتداد طبيعي لاطلاعه على مدرسة الأسلاف الجدد، ومن ثم نهله من التراث الأدبي الإسباني. على صعيد آخر، يبدو الكاتب هنا ملتزماً بقدسية السرد، كرونولوجياً وعلى مستوى الحدث كذلك. لكن الكسر في النبرة الروائية يأتي من خلال انعكاسات نفسية وفلسفية، تقف في ظلها شخصية قدرية، تؤمن، رغم فداحة شرها، بالله كسبيل لخلاص أخروي.
أثارت الرواية حين صدورها جدلاً كبيراً، فاعتُبر كاتبها مبالغاً في تهويله، وطالته اتهامات بتشويهه الواقع وتزييفه النيغاتيف الاجتماعي عبر إظهاره الأغلبية كما لو أنها غير سعيدة. وسبب هذه الانتقادات يعود إلى أن هذا الكتاب كان على تناقض تام مع مناخ الانتصارات، وأيضاً مع أيديولوجيا فرانكو الذي دعمه ثيلا في فترة ما. لكن مذهب الرواية الواقعي سيلقي رواجاً كبيراً في أواسط الخمسينات على يد جيل آخر من الروائيين، خصوصاً مع بدء زحف آثار الحرب الباردة إلى إسبانيا، كون الأسلوب الواقعي انفتح على البساطة في اللغة والسرد والتراكيب المجازية، بكوميديتها السوداء ونقمتها الحاذقة، واعتُبر آنذاك السبيل الوحيد، والجديد، لتشخيص المجتمع الإسباني والعقبات التي تواجه سكان الأرياف والبروليتاريا. 
_______
*العربي الجديد

شاهد أيضاً

مهرجان “أغورا” يعرض تزاوج الجدل الفكري والفلسفي من خلال الصورة السينمائية.

ضمن فعاليات مهرجان “أغورا” الدولي الرابع لربيع السينما والفلسفة بمدينة فاس. *خاص – ثقافات *مصطفى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *