الرئيسية / إضاءات / عرس مولانا الرُّومي في بيروت

عرس مولانا الرُّومي في بيروت




نجوى الزهار*

(ثقافات)


أقامَ مركز بيروت للدّراسات والتّوثيق احتفالًا طَقْسِيّــًا بمناسبة عُرسِ حضرتِ مولانا جلال الدّين الرّوميّ – قدّسنا الله تعالى بسنى سرّه القيّومي – حضرَهُ جمهرةٌ من عُشّاقِ حضرتِ مولانا ومريدي مدرستِهِ العِرْفانيّة يتقدّمهم جناب شيخنا الحبيب، العلّامة التِّعلامة، السّيّد الأريب عبد الرحمٰن الحلو – قدّسنا الله تعالى بسرّه- .

وقد بدأ الحفلُ بقصيدة “أعطني النّاي وغنّي” للأديب الكبير جبران خليل جبران؛ بصوت السّيّدة الملائكيّة؛ سفيرة الغناء إلى النّجوم؛ فيروز. ثمّ بمقطوعة “سماع – ناي شريف” ثمَّ، أعقبَهُ عزف منفرد على آلتيْ النّاي والقانون الشّريفتين؛
لتبدأ رقصةُ الدّراويش المعبّرةُ عن لقاء الزّمنيّ بالأبديّ في دورانٍ حول الذّاتِ من الدّاخل إلى الخارج ومن الخارج إلى الدّاخل؛ عسى أنْ تَنْقَشعَ الغimageمامةُ عن شمسِ نفسِ الدّرويش؛ تلكَ الشّمسُ المضيئةُ لهُ طريقَ العبور من هذاك الجسدِ الصّامت الفائت الذي لا هو حيٌّ ولا مائت؛ فما أنتَ أيّها الدّرويشُ، لا؛ إلّا غمامةٌ على شَمسِك؛ فاعرف قدرَ نَفسِك.

ثمَّ أنشدت السّيّدة نجوى الزّهار مقطوعة غِنائيّة من أنفاس جناب حضرت مولانا الرّوميّ. ثمّ ألقى أمين سرّ شيخنا السّيّد قاسم قبّاني كلمة في المناسبة؛ ثمّ عزفت الفرقة الموسيقيّة بعض المقطوعات الغنائيّة والطّرب الأصيل. ثمّ انضمّ الجميع إلى عشاءٍ نباتيٍّ يترجم علاقة هذا الجسد الإنسانيِّ المؤتلفةَ بالحياة النّباتيّة ائتلافَ النبات بجذورهِ وكأنّ جذور الإنسان نباتيّةٌ بحتة.

وكان قد نشر المركز في المناسبة نصّـًا عِرْفانيّـًا عن لحظة رحيل الرّوميّ بقلم حضرت مولانا الشّيخ عبد الرحمٰن ديب الحلو – قدّسنا الله تعالى بسرّه العزيز- يتلخّص في هذه الجملة:
كلماتُ أوانِ رحيلِ جلال الدّين الرّوميّ؛ ثمَّ جاء تفصيلها كالتّالي:

رفــت آن سـلـطـان مـعنى بى فتور

رقص رقصان سوى آن درياى نور

سلطانُ المعاني.. مضى من دون فُتور

راقـصًـا طَرِبًـا.. صـوب محيط الـنُّور

حل كبير المتصوفين في العالم الإسلامي، جلال الدين الرومي، المعروف بـ”مولانا” ضيفا لطيفا في وسط العاصمة اللبنانية بيروت، من خلال معرض للرسام اللبناني جورج مطر حمل عنوان “محيط الرحمة”.
حل كبير المتصوفين في العالم الإسلامي، جلال الدين الرومي، المعروف بـ”مولانا” ضيفا لطيفا في وسط العاصمة اللبنانية بيروت، من خلال معرض للرسام اللبناني جورج مطر حمل عنوان “محيط الرحمة”.

اللّيلةَ الماضيةَ:

في المنام؛
رأيتُ شيخـًا في حيّ العشق،
أشـار إليَّ بيـده:
اِعْـزِمْ على الالتحاقِ بنـا.
كلماتٌ:
بهذه الكلمات؛
المفعمة بفرحة الرّحيلِ إلى حيث يقبَعُ ذاك المعشوقُ المتعزِّزُ بسرمديّته؛
الّتي لا تدركُ ولا تتركُ!
بهذه الكلمات؛
المتأجِّجَةِ بجذوة العشق المضطرم المؤتدم بذيّاك المعشوقِ المتلذِّذِ بوحدتِهِ؛
الَّتي لا تعدُّ ولا تحدُّ!
بهذه الكلمات؛
المتوهِّجَةِ بسنى النّورِ الإسفهبدِ لذيّالك المعشوقِ المتحجّبِ بالجمالِ والجلالِ!
بهذه الكلمات؛
الَّتي لا تُشْبِهُ الكلمات؛ وإنِ اشتبهتْ بها:
تلقّى حضرت مولانا جلال الدين الروميّ رسولَ المعشوقِ إليهِ؛ وهو يدعوه دعوةً خاصّةً بمسافرٍ؛
لم يفتأ يترحّلُ من طَوْرٍ إلى طَوْرٍ
ويتحوَّلُ من كَــوْنٍ وكَــوْنٍ،
ويتنقَّلُ ما بينَ بَرْزخٍ وبَرْزخٍ!
أوانٌ:
لقد ءانَ لهذا المسافرِ الرَّاحل سيرًا وطيرًا،
ما بينَ بيداءٍ وسماءٍ؛
أنْ يحُطَّ الرَّحلَ عند أعتابِ روضةِ المعشوقِ؛
حيثُ ينعقدُ ثمّةَ الرّباطُ الذي لا انـفـصالَ لَـهُ،
ولا انفصامَ بعدَهُ!
لقد ءانَ لهذا المشتاقِ المفتاقِ؛
أنْ يجودَ عليهِ معشوقُهُ بالوِفاقِ،
لينعتق من رِقِّ الفِراقِ،
إلى رِقَّةِ العِناقِ؛
حيث يَتَوَحَّدُ ثمّةَ لِقاءٌ؛
اِسـتـطــالَ أمـدُهُ،
واستطـارت مُدَدُهُ!
لقد ءانَ الأوانُ لالتقاءِ الأزلِ مـــع الأبدِ،
ومعانقتهما للسَّرْمدِ؛
فيفنى مَنْ لم يَكُنْ في بقاءِ مَنْ لم يَزَلْ!



رحيلٌ:

إنَّهُ رحيلٌ إلى البَدْءِ حيثُ المُنْتَهى والبدءُ نقطةٌ واحدةٌ!!
ففي البدءِ لم يكن ثمّةَ اثنينيّةٌ، وإنّما كانَ مَنْ لا معَهُ كانَ.
وفي البدءِ لم يكن ثمّةَ قَبْليَّة ولا بَعْديّةٌ؛ بلهَ بُعْديّةٌ.
في البدءِ عَشِقَ المعشوقُ نفسَهُ؛ فلم ينمازِ المعشوقُ والعاشقُ والعشقُ.
ولأنَّ النّهايةَ ما هي، لا؛ إلَّا انعطافةُ البدءِ على نفسِهِ؛
صارَ فرحُ مولانا بالرّحيل إلى حيّ العشقِ،
بإيماءةٍ رامزةٍ من شيخِ ذيّالِكَ الحيِّ،
عُرْسًا أبديّــًا:
يُحَقّقُ اتّصالَ العاشقِ والمعشوقِ برابطةِ العشقِ؛
اتّصالًا تتلاشى في معاني أوصافهِ المثنويَّةُ،
والغيريّةُ؛
بَلْهَ التّعدّديّة‍!
ويَنْمحي من صحائفِ كتابه سطورُ الرُّسوماتِ الحروفيّة،
ويَنْطوي بيدِ الَمعْشُوقِ سِجِلُّ الوجودات الوهميّة!!

جلالُ الدّين الرّوميّ:

إنَّهُ وقتُ الغروب من يوم الأحد في السابعَ عشرَ من كانون الأوَّل سنةَ ١٢٧٣م،
وفي لحظاتٍ يتردّى فيها الأُفقُ برداءٍ أُرجوانيٍّ،
يليق بجلالِ شمسِ السَّماءِ الغاربةِ ظَاهِرًا من وراءِ أسدافِ المحيط؛
طارت النّفسُ العُلويَّةُ الّتي كانت تسكنُ جسدَ مولانا جلال الدّين الرّوميّ،
إلى ما وراءَ محيطِ الكَوْنينِ،
وقــابِ قَوْسينِ؛
في عُبورٍ أخيرٍ أثيرٍ منْ عالم الأجسادِ، وأجساد العالم؛
يشيِّعُها أرواحٌ هيّمها التَّعشُّقُ في تَطْلابِ وصالِ حِمَى الأعزّ الأنُوق،
وتيَّمها التّعطّشُ إلى ارتشافِ رُضابِ لـَمَى الألذّ المعشوق.
إنَّهُ وقتُ اقترانِ قمرِ العاشقِ بشمسِ المعشوقِ في ما وراءَ اقتراناتِ هذه الأفلاكِ،
والأحلاكِ!!
إنّهُ وقتُ لَحَاقِ قمرِ مولانا الرّوميّ بشمسِ تَبْرِيزَ الَّتي لا تَغيب؛
ليأتلِفَ معَها في ما وراءَ شمسِ السّماءِ الهائمة الهاربة،
بعيدًا بعيدًا، عن رجعِ الأطوارِ،
والأدوارِ،
والأكوارِ؛
بَلْهَ الأغيارِ!!
إنَّهُ وقتُ اللّا وقتِ،
وزمانُ اللّا زمانِ،
ومكانُ اللّا مكانِ!!
إنَّهُ الآنَ،
وأمسِ،
والغَدُ!

* كاتبة من الأردن

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *