الرئيسية / مقالات / طفولة المطر

طفولة المطر


*خليل قنديل

منذ الفجر وأنا أشهد تقلبات ولادة فصل الشتاء.

نعم إن الأمر يبدو مثل ولادة المرأة البكر، حيث الرياح الناعمة تمسد شعر الأمكنة بنعومة نادرة، والهواء يبدو مكتظاً بسلاسة الأوكسجين وتلك الهبات الهوائية الباردة تبدو وكأنها تمشط الأمكنة برياح ليست مؤذية، إنه إذن الهواء المبشر برائحة المطر، هذا واضح من الاستجابة الشجرية المرحة لدفقات الهواء التي تحيل الغيوم كلها الى اللون القطني الأبيض المتشح باللون الرمادي. يحدث كل هذا بينما الصوت الأنثوي الماكر لفيروز يبشر بولادة أيلول وهي تغني «ورقه الاصفر شهر أيلول ذكرني فيك»، والذاكرة المناخية لا ترحم وهي تقود لك أنثاك التي لا تخلو هي الأخرى من النحول الفيروزي، لتفرح وأنت تتذوق بشرتها المشمشية، وتتطلع اليك تلك المرأة بنظرتها الحانية وهي تتدفق نبلاً ومحبة كي توقظ فيك طفولتك المطرية وتلك الرغبة العارمة في البكاء.
هكذا تبدو لي بدايات الفصول وكأنها متصلة ببعضها مثل حبات المسبحة، فالربيع يبدو وكأنه يشجر الأمكنة باللون الاخضر تاركاً الظلال تنحب خلفه بعد يوم حار وغير متوقع تاركاً أيظه الشجري يطلق تلك الرائحة المبشرة برغبة الجسد في الانعتاق بينما أضلاف النوافذ تبدو وكأنها تجوح طالبة أن تحرر تلك الأضلاف، كي تهرب النسيم من صمت البيوت ووحشة الأثاث في الأماكن المغلقة.
وهكذا يبدو أثاث الأرملة الفاقد لرائحة الذكورة وهو يعاني من تخمة الأنوثة وحسرة الفقدان، بينما يبدو سطح الفراش أملس بعدوانية غير متوقعة، وهكذا تبدو زوايا البيت وهي محاصرة بالفراغ العائلي والنحيب المزمن للغياب. وطعم الغياب الواضح في جنبات البيت وصدر البيت، حيث كان يصر رجل البيت على أن يتصدر البيت بجلسته المناكفة لكل شيء.
يحدث كل هذا بينما يقف الخريف بباب الدار بصفاره ويباس أوراقه التي تخشخش في الأذن بتوعد لا يخلو من التهديد بأمراض ورعود قادمة.
إنها الفصول تتناوب في الحضور وهي تجرجر ذاكرة كاملة الدسم لتعطي كل لحظة الطريق الى مشهدها الأول في الذاكرة، المطر القادم بأرجله المائية وبرغبة العناق والكنكنة والحاجة الى النوم المبكر، حيث الليل الذي حط مبكراً داعياً العالم كي يشاركه الغطاء. والربيع المتفتق من تربة شحيحة بخضرتها وديدان وحشرات دقيقة التكوين تحلم بالمشاركة وإعمار الكون، والصيف الشرق أوسطي الذي يحضر بخفة ويغادرنا بالخفة ذاتها، وهذا الخريف الأنيق الذي لا يستعجل حدوث مناخه ويظل يقترب من النوافذ والأشجار بمثل هذه الخفة.
أتوقف عن كل تداعياتي المناخية وأنهض مقترباً من النافذة تاركاً أنفي يتنشق رائحة الخريف في أوله.
وأبتسم مرحباً بالفصل الجديد.
____
*الإمارات اليوم

شاهد أيضاً

المصابيح الزرق انطفأتْ من زمان

*خليل النعيمي كنا صغاراً، وكانت «الحسَكَة» كبيرة. كبيرة جداً علينا. كنا ثلاثة: هشام وعوّاد وأنا. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *