الرئيسية / مقالات / أمة من المفردات

أمة من المفردات


ليلى زيتوني


إن الكتابة فاكهة الروح.
«أكتب بروحي، هكذا أعبر عن نفسي. 
والروح تتجلى في نص الكاتب فتصبح بصمته الشديدة الخصوصية، فهي الطاقة الخفية التي تعبر عن حضورها تجليا في اللغة والإيقاع والصورة، وهي ليست إلا نتاج منظومة روحانية من المناخ العربي الإسلامي، تؤثث بعده الفكري والثقافي والحضاري وتترجم رؤاه عن الوجود.
إن لعالم الباطن لغته أيضاً، وله تعبيراته المختلفة، وأعتبره أكثر من زاوية نظر إلى الوجود بكل تفاصيله، بل هو موقف فلسفي وفكري بالأساس.
من الشعر ما بقي خالدا في الزمن «وغالبا ما يسأل عن سره»، وما يكفل ديمومة الجمال فيه كأنه الحكمة الكاملة، والحكمة بنت الكرامة كما يقال.
تعبر بي القصيدة وأعبر بها درجات في التجلي الروحاني، وأذهب بطريقة لاواعية إلى ايقاعات ساكنة في الروح لم أدركها بعقلي بقدر ما تنطق بها منظومة المشاعر والشعور، حيث أكتشف ذاكرة الروح، فللروح ذاكرة طاقة روحانية تشحنها وتحييها حالما تقع عملية التجلي في الكتابة. 
أنا، لا فرق عندي في الكلمات بأية لغة تأتب ومن أي دواة. 
إن الحروف أمة من المفردات. علمتني الأسماء: ابن عربي، وابن رشد، وسنكارا، وفانون، والخيام. وشاعر آخر نبي مات في القوافي على خبب الخيل. 
علموني إن الحروف مفردة تخلق مثل الروح في الكون. 
وأنا من بلال يعانق الرحمن في المفردات ويؤذن للصلاة بالكلمات. 
لا فرق عندي من أي القواميس ستقرأني. 
لا فرق عندي. 
فبيني وبينك مسافات ودلالات وبلاد علت وأخرى هوت. 
وقصص في العشق تسري جمرا في الكلمات. 
لا فرق عندي. 
فأنا من نسل المفردات «بسم الله الرحمن الرحيم» 
كلما هبت رياح الكلام تبعثني، قصيدة «أمة من المفردات»
ويبقي شهر رمضان مقدسا بكل المقاييس يسحبني من عالم اليومي إلى عالم الباطن، فتدفع النفس بنفسها إلى خلوة تنشدها الروح، وكأنه كلما زاد التخفف من المادة (الصوم) كلما كان الفضاء أرحب وأوسع للروح فتقصد الشفافية وتتخفف من أعباء الجسد. 
هذه الصلة الضرورية بين بعدي الإنسان المادي والروحي تجعله أكثر تأصلا في إنسانيته، وكمبدعة يصل بي إلى ذروة اللحظة الفنية، فالفن بكل أشكاله التعبيرية هو لحظة خلاص وتحرر. 
ارتبط رمضان بذاكرتي الطفولية، شهر تعلمنا فيه قيم الدين السمح، وتربينا عليها صغارا من خلال جملة من العادات والتقاليد الاجتماعية من التواصل والتآزر والتحابب بين الناس، فكأنه شهر تهدأ فيه الخليقة وتبتعد عن كل ما يعكر صفو المحبة.
كنا ننتظره كأنه الحبيب الغائب ونفرح لقدومه، ونعيش معه الرجاء في إشباع أرواحنا بالسلام والسكينة. عالمنا تغير وطفولة بعيدة يحملني إليها الحنين، وأتساءل ما الذي يحدث للعالم كأنه يسوق نفسه نحو الفناء المحتوم، لكن الحروب في كل مكان وبدل ثقافة الحب احتلتنا ثقافة الموت.
* كاتبة من تونس
( الاتحاد )

شاهد أيضاً

المسودة من الورقي إلى الرقمي

*زهور كرام تحضر ثنائية الذاكرة والنسيان عند الوعي بالكتابة باعتبارها فعلا تاريخيا، يتحقق ضمن سياق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *