الرئيسية / مقالات / روحي تنطق عن هواها

روحي تنطق عن هواها


أحمد الشهاوي *


كلُّ شيءٍ لا يصدرُ عن الروح لا يُعوَّل عليه، 
فلكي تصلَ في الكتابةِ إلى نقطة الذروة، لابد أن تكونَ قد مشيتَ على جمر رُوحك، وأمسكتَ النارَ غير خائفٍ، بعيدًا عن التكلُّف والتصنُّع والتعمُّد، وما طريقُ الفطرة والتلقائية إلا الجسرُ الواصلُ بين الذات وروحها.
وكلُّ تجربةٍ كتابيةٍ لا تتأسَّسُ أو تقوم أو تنطلقُ من تجربةٍ رُوحيةٍ هي ناقصةُ، لأنَّ الشاعرَ/ الكاتبَ من المفترضِ أن يكون مهجُوسًا بالوجود المحجوب، لا بالوجود المكشوف، والمتاح والمرْضِي عنه من قبل سلطات الكتابة، التي تفرض سطوتها على المجتمع الأدبي.
فأنا لا أكتبُ عن عالمٍ مرئيٍّ جاهزٍ، ولكنني أحاولُ أن أخلُقَ عالمًا أراهُ في حلمي، هو عالمٌ آخر جديدٌ ينتمي إليَّ ويشبهُني، إنْ لم يكُن مطابقًا لروحي فهو على الأقل قريبٌ منها.
وكوني أطلب الحقيقةَ المطلقةَ، فأنا أمام عالمٍ غير محسُوسٍ لا متناهٍ لا تدركه الأبصارُ الماديةُ.
لي معراجٌ شعريٌّ استند في رحلته على أجنحةٍ كثيرةٍ، كان أبرزها التصوفُ والفلسفةُ، إذْ هما جناحان يمثلانني ويمنحانني درجةَ غليانٍ أعلى، ويجعلان روحي تنطق عن هواها، دون ترددٍ أو توجسٍ أوحذرٍ.
والأسرار لا تترى إنْ لم تَغْلِ أولا في قِدْرِ الحياة الروحية للشاعر/ الكاتب، والكتب الكبرى التي بقيتْ في نفوسنا طويلا، صدرتْ عن معارجَ صوفيةٍ لأصحابها، حتى ولو لم يكونوا صُوفيين، لأنَّ كلَّ روحٍ تطيرُ عن أرضها، هي عندي روحٌ طائرةٌ في الطريقِ الصُوفيِّ، لأنَّ حالَ الشاعر هي مزاجٌ يتفاعلُ مع التصوف أو الفلسفة وليس ابن عربي أو السُّهروردي أو ابن سبعين ببعيدينَ عن ذهني.
فالتجربة تكشفُ الكثيرَ من الحقائق، وما يشاهدهُ الشاعرُ في حاله، لا يستطيعُ كتابته إلا عبر تجلي الروح وإشراقها، وليس استعارة أحوال آخرين، لأنَّ الشاعرَ لا يستعيرُ لسانَ غيره، وقديما قال النفري: «الجزء الذي يعرفني لا يصلح على غيري».
فالثقافة والعلم وحدهما لا يجعلان من الشاعر صوفيًّا، لأنَّ الوصولَ والوصلَ يحتاجان إلى مجاهدةٍ وروحٍ ولدت عارفة، تدرَّب مريدُها على المنح، ومن ثم سنكونُ بعد ذلك أمام مقام الذوق، كلما قرأنا عملا شعريا نعرف من خلاله أن روح كاتبه تخرج إلى متلقيها من كل حرف، ولا يحتاج المرء إلى جهد، كي يكشف الكتابة الصادرة من موقف الروح، أو الصادرة من موقف «نويتُ أكتبُ».
الروح لا تحجبُ، بل جُبلتْ على الكشف، وكل روحٍ هي سادرةٌ في منحها، فقط تحتاج إلى بعض مثيراتٍ لتستجيبَ وتذهب إلى النار وحدها، ولا تهرب منها، هي كلما رأت نارا، وقعت فيها باختيارها، فهي في الكتابة تكتب، وفي الصمت تصمتُ ولا حدَّ لشواطئها إذْ هي بلا سواحل.
الروحُ هي التي تسقي شجرةَ الكتابة، وهي التي تفتح الباب المسدود، وكل بابٍ مُغلقٍ تراه أمامها مفتوحًا، هي ترى، ولا تنامُ، ولا يدركُها تعبٌ، تأرَقُ وتقلقُ، لكنها لا تصدأ، قد توصدُ بابها أمام مبدعها المشغول اللاهي عنها، لأنَّها كالشعر، تُعطي ظهرها لمن يهجسُ بغيرهما، هما لا يحبان شركاء، يريدان الجنةَ وحدهما، لأنَّ الرُّوحَ تغرسُ شجرةً أبديةً أمام باب كلِّ شاعرٍ، وتمنحه بئر ماءٍ لا تنفدُ، وتطلب منه أن يرويها، فإن تقاعسَ عن السقاية، نقلت شجرتها إلى باب آخر، ليس له، وربما قتلتها، إنعامًا في التنكيل بالمُهمل. 
الرُّوحُ ظاهرةٌ، كأنَّها تنادي صاحبها: «لا تزالُ تراني» والغيبة عنها، والذهاب نحو آخر، يُفسد المحصول، فما يأتي بالذوق أبقى وأهم مما يأتي بالتعلُّم، ودومًا أثقُ في الوهْبِ لا الكسب، وابن الروح هو صاحبُ وهبٍ وذوقٍ وكشفٍ، والشعراء أبناء الأرواح، هم أرباب أحوال.
الشاعر يذهبُ نحو المطلق اللامتناهي، يتحدُ بمن يعشقُ، ويحلُّ فيمن يحبُّ، يفنى، هو دوما فوق طور العقل، دنياه في تعبيرهِ، وقبس نوره من السموات، و«شبيه الشيء منجذبٌ إليه»، وما من فرع إلا وهو دائم الحنين إلى أصله، والناي يبكي لفراق أمه الشجرة، ومن ثم تأتي لغته خاصةً لا شبيهَ لها، ليست لغة العقل، أو العلم، أو الفلسفة، الشاعر يدلُّ وليس عليه أن يدرك نتيجةً ما، هو يحدسُ ولا يتحدثُ، هو يرمزُ ولا يقولُ، هو يشيرُ ولا يشرحُ، هو يومئ ولا يُفسرُ، هو يسألُ ولا يمنحك إجابةً.
الشاعر الحقُّ دومًا في الحال، التي هي التجربةُ الروحيةُ، وهي منزلةٌ سماويةٌ عليا، لا يصلُ إلى سدرتها إلا قليلونَ، هي عندي «الإشراقُ»، الذي تتنزلُ من سمواته النصوصُ الكبرى، التي تبقى، وتؤرِّقُ، وتحثُّ وتحرِّضُ، وتمنحُ من يتلقاها درجاتٍ عليا من الوصول والتحقُّق.
الشاعرُ ابن روحه، هو دومًا بين نقطتين: نقطة الابتداء ونقطة الانتهاء، وكلما وصل إلى إحداهما، عاد إليها من جديدٍ، لأنه يحيا ويموت بين الصفر والألف أو الواحد، يجرِّدُ بشريته ليفنى في الله، ويقول: أنا أكتبُ إذن أنا أحيا وموجودٌ في إرادتي، التي هي جوهرُ إنسانيته الإلهية لا عقله.
كشاعرٍ سأظلُّ من واقع حال تجربتي، أنني كلما أردتُ النطق بما رأت رُوحي لا أقدرُ، وستبقى لغتي دون الحال الذي أنا فيه، لأنَّ ما فيَّ أكبرُ من اللغة، وأسمى من التعبيرِ، ولذا أرى العاشق دومًا عاجزٌا عن كشف حاله، وهو في مقام الحبِّ، ودائما لغته إلى المحبوب، أقلُّ وأدنى مما تكتبه روحُه في صفحاتها بقلم الدم.
والشاعر الذي لا يصدر نصه عن عاطفةٍ جامحةٍ لا يُعوَّلُ عليه كثيرًا، حيث تكونُ نسبة عصير الدماغ فيه أكثر طغيانا من نسبة عصير الروح، إذْ الشاعر كالصُوفيِّ تمامًا في كونه ابن استغراقه وفنائه وحدسه اللامتناهي. فهو يكتبُ من «عين البصيرة» أو كما يسميها الصوفية «اسم القلب والسر».
الشاعر يذهب إلى مناطقَ لا يطرقها الطارقون ولا يعرفها أهلُ الحياة، ولا يدركها العابرون أو كما قال النفري يومًا في مواقفه: «دعْ عنكَ كل عينٍ وانظر إلى ما سواها». 


– الاتحاد

شاهد أيضاً

المسودة من الورقي إلى الرقمي

*زهور كرام تحضر ثنائية الذاكرة والنسيان عند الوعي بالكتابة باعتبارها فعلا تاريخيا، يتحقق ضمن سياق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *