الرئيسية / إضاءات / شعرة لغة بين تولستوي وفلوبير تقصم ظهر الشجاعة!

شعرة لغة بين تولستوي وفلوبير تقصم ظهر الشجاعة!


*لينا أبوبكر

لطالما كنت أتمنى أن يطيل الله في عمري فلا أموت قبل أن أدرك الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير (1821-1880)، لا لشيء سوى لألوم وحيه وأشكره أنه لم يلحق رائعته الروائية بجزء ثان وقد ختمها بنهاية ماكرة ومفتوحة، فأمات مدام بوفاري وأبقى على ابنتها الآنسة بوفاري وريثة محتملة لطقسها السلوكي!

ولكن!، كيف كانت لتكون الآنسة بوفاري؟!. هل تستطيع أن تتخيلها، في زمن آخر؟!. هل سيكون الصراع غوائيّاً، والانهيار كارثيّاً، على ذات الدرجة!
أن تتخيل الآنسة بوفاري في رواية ملحقة أضمرها الكاتب في شجرة تفاح نيئة، يعني أن الرواية نجحت في استدراجك إلى مخيلة مبتورة، ليس من أجل إكمال النقصان، بل لفرط التعلق بغواية الحرمان!
أجمل ما في بوفارية غوستاف فلوبير هذا أنه بترها، وأعذب الألم أنه لم يتمها، وبين هذا وذاك لذة القبض على لغة ظلت طي المكر، والتجريد الصامت، حرمك مما كتمه عنك، بإبداعية تشدك إليها لتعض على شفة التوله بها، ضمن امتدادها الزمني عبر بوابة بلا دفتين، ممهورة بنهاية لا تنتهي!
إنه الحنين.. الشغف بحكاية الكلام، الاندساس بين السطور، لعق المخيلة بالملعقة الوسطى بين شفتي الحروف..إنها ثم إنها اللغة!
ما ألذ الخيانة!
هنا ومع خائنة تولستوي وله آخر، فإن كنت تسميه خيانة، فما ألذ الخيانة إذن!
بين تولستوي وفلوبير شعرة لغة، جعلت من الشجاعة الإبداعية منطقة ألغام، لأنها التزمت بأحكام الأعراف الاجتماعية المركبة التي انتقدتها، وفككت الشبكة العنقودية للصراعات العاطفية، بانحياز تام لنمو الشخصية الروائية عبر أزمتها الأخلاقية!
فلماذا تسيطر الأحكام والقوانين المجتمعية على حرية اللغة؟
لسنا نطالب بإبداع بلا أخلاق، ولكننا لا نريد أدبا منصاعا، ولا خطة حكائية تفضي إلى حبكات مشبعة بالتأزم الأخلاقي على حساب الجنوح العقلي لجنون موغل بالحكمة، فتفاعل الأديب مع مبدأي الأحكام الاجتماعية: العقاب والطاعة، لا يجب أن يكون قرارا أخلاقيا بحتا، تعبر عنه النهايات القاسية، لأن العدالة الأدبية لا تحتكم إلى الشروط الاجتماعية بقدر احتكامها إلى الصدمة الروائية!

آنا كارنينا.. وإيما بوفاري!
في عرف الصراع الأخلاقي الذي تقوم عليه الخيانة، ينسل الراوي من فكي الكماشة: النظام الكهنوتي “الإكليروس” والنظام الطبقي، مع احتفاظه بنزعة الخلاص المحكومة بالأطر الدينية والتطهر من آثام النفس التي (إن يدعها داعي الصبا تهمِ)، وتهكمه من حواشي المتون الاجتماعية التي تطغى على القيمة الأخلاقية، كونها تتمرغ بوحل الخيانات والعلاقات غير المشروعة من وراء ستار، في ذات الوقت الذي ترفض فيه أن تتحول الخيانة إلى علاقة حب محرمة!
صورة كارنينا تختلف تماما عن تلك الصورة التي اختارها صاحب مدام بوفاري الغاوية العابثة، التي لا يخض دم تفاحها سوى إثم تلتقطه عن قارعة الطريق، أو عبر دعوة لحفلة رقص، أو مصادفات ظرفية تقحمها بمخيلات شبقية تضطرم في صبابات سرية، ثم وبعد أن تنضج، تصبح ممارسة لمتع شهوانية تفلت بها من زمام الروتين الزوجي، والحياة الراكدة كمستنقع ستاتيكي..
فلوبير، تحيز للإثم الذي يحفزه الإبداع، فمدام بوفاري تعلقت بشخصيات الروايات التي كانت تقرؤها، وعاشتها، وتقمصتها، بل وكانت في لهاث وبحث ظامئ عنها في واقع حياتها، كانت تعيش لكي تأثم، فالخطيئة في تكوينها النفسي ومخزونها المعرفي، وتصورها التخيلي، وحتى ممارستها لها، إبداعية بالدرجة الأولى، وهو ما دفعها إلى استنكار الأداء المسرحي المبالغ به لما حضرت أول عمل تمثيلي لم يقنع مخيلتها ولا تجربتها، لأنه لا يشبه ذاك الدفق الحريري الصامت بين الكلمات، ولا يشبه أيضا حكايتها التافهة كما أحست بها بعد انهيارها، مع حبيبها رودولف. في النهاية ظلت الروايات هي الأجمل والأصدق، وهي الخريطة اللغوية التي أشبعت نزقها العاطفي، وحرارة غواياتها الكظيمة أكثر مما أشبعها ليون وشارل ورودولف، وربما الرجال جميعهم!
تولستوي تحيز للأم، كان أنثى خالصة، وهو يجسد شخصية تلك الأم التي ارتبطت بأب من الطبقة السياسية، يتحلى بالرزانة والعفة، والتزامه الصارم بتقاليد الطبقة التي ينتمي إليها، ولكنها تكتشف بعد لقائها بحبيبها الكونت فرونسكي أن أذني زوجها طويلتان، بحيث لم تنتبه إليهما أو تتعرف إلى حجمهما من قبل، فكأنها تفاجأت بشخص تلتقيه لأول مرة!
دخل تولستوي إلى عقل المرأة، حتى ارتدى أفكارها، وجسدها، وضعفها ونقمتها، وظل قلبها طازجا كاللغة بين يديه وخطرا كتفاحة سمّ، رغم تحيزه الديني لزوجها، إلا أنه لم يستطع أن يلتزم الحياد إلا مضمرا مع بطلته كأم أكثر منها عاشقة، وهي التي اكتشفت فيه عشقا أموميا، ارتد به إلى طور الطفولة وهو يتلوع على لسان آنا، ويذوق مرارة الحرمان من حضن طفلها…حتى بدا تولستوي أمًّا في روايته أكثر منه شهرزاديا خلق ليروي!
بصيص الأمومة عنده كان طاغيا، حتى على تعاطفه مع الزوج، وربما تجد لهذا إثباتا في مرحلة لاحقة من عمر الروائي حيث نزع إلى المنشورات التي تضم رؤية تربوية، كأنه ينطلق في نزعته الأدبية من طفولة معتقة!.
تفاحة الجاذبية!
لست تدري كيف تجتاحك، كارنينا كأنها تفاحة جاذبية، بينما تبدو مدام بوفاري تفاحة مسحورة، شريرة، بحيث لا يمكنك أن تصدق ما جنحت إليه الآراء النقدية من تصور بطلة تولستوي ضحية لجمالها، لأن الجمال هو الضحية في الرواية!
الجمال ضحية الفضيلة، وضحية لطموح الزوج وأنانية العاشق، والجمال حتى ضحية الأمومة!
في لحظات الصراع القصوى التي كانت تبحث فيها آنا عن جمالها الذي أرهقه الحب، ليس من أجل أن تبرهن لنفسها قوة سحرها، بقدر ما أرادت أن تثبت للراوي أن فعل الجاذبية هو الذي يبقي القمر في مداره، وأنها قوة الثبات التي تقي السقوط من الانحراف مضافة إلى فارق المسافة بين طرفي الجذب!
الأمر إذن يتعلق باتقاء الخسارة، صونا لدم التفاح، برهان جميل ووادع على انتصار الحب المحرم أمام انكسارات الخيانة!.
بينما جمال مدام بوفاري كان رهينة لخيالاتها، لعبة غوائية تحقق بها نزواتها، مادة استهلاكية ليس لها قيمة الرهان في حالة الأم كارنينا، فبطلة فلوبير كانت تحوم في حلبة ملل، أفقدتها حتى مشاعرها بالأمومة، لم تحس بمشاعرها بقدر ما استغلت فتنتها، كان جمالها بوصلة الهاوية، حتى أن الفارق بين الحالتين يبدو جليا في مرآتي المرأتين، فصاحبة الروسي كانت تتحدى الهرم أو الخرف بالجمال، وهو تحد روحي ومعنوي أكثر منه أيقوني أو تمثالي، بينما صاحبة الفرنسي بدت أيروتيكيّة، لا يتخذ جمالها ذاك البعد السامي أو الأخلاقي للرهان. “كارنينا” اشمأزت من الفضيلة لما نشدت الحب، فنقمت على اعتبار منظومتها الاجتماعية له مجرد رذيلة، و”إيما” كانت مغواة بالرذيلة، فلم تستطع إدراك كنه الفضيلة حتى تنقم عليها دفاعا عن حب لم يكن أعمى بقدر ما كانت مرآتها ضريرة عاجزة عن مرآه!
الخيانة إذن ليست واحدة، والنهاية كانت مزدوجة في ومضتين:
الأولى: أن إيما وآنا، رحلتا وقد تركت كل واحدة منهما ابنة، هي تفاحة إثم، لأنها إما ثمرة علاقة محرمة أو علاقة منفرة..
الثانية: الانتحار، والتشوه.
لماذا كان على كارنينا أن تموت مشوهة!
قد تعترض على نهاية غير أمومية لعاشقة ظلت جميلة، لم تكن تستحق أن تتهشم مرآتها بهذه القسوة، على الأقل بنظر ابنها الذي أوصته بجمالها في عينيه، وتلك هي المرآة الحقيقية في الرواية، التي كانت المشهد الأخير الذي سبق القفلة الروائية بفارق وصية حملتها الأم لابنها في زيارة مسروقة، وأوصته بعينيه، كي يراها فيهما دائما كما اعتاد أن يراها!
ألا يكون تولستوي هنا جبانا؟!
لقد جبن الراوي أمام مجتمعه، وهو يدافع عن أزمة الأخلاق في مرايا ملطخة بدم التفاح!
تفاحة سمّ
ولكن ماذا عن فلوبير!
إنه المشهد الحاسم، لقد وضع الأم أمام مرآة صادمة، حيث صرحت الابنة لأمها بحقيقتها في لحظات احتضارها الأخيرة: لماذا أنت بشعة!
كان الزيد الأسود يخرج من دم الزرنيخ، ولم يكن يثير في نفوس الحاضرين سوى القلق من تلطيخ ثوب العرس الأبيض، فيا الله، أية ميتة هذه تليق بتفاحة السم!
كان نيتشه على حق إذ رأى أن كل الحقائق المكتومة تتحول إلى سموم، وهو ما يشي بالتناقض الفاضح بين المعلن والمكتوم..
تذبح آنا كارنينا لأنها لم ترد (للكذب أن يظل يُدعى حقيقة)، تُذبح آنا كارنينا، لأن الروائي (الذي يشيد العالم فينهار، يعيد تشييده مرة أخرى لننهار نحن)، رغم أنك تختلف مع ريلكه، لأن الحياة ليست دائما على حق، ما دامت كل الفظائع لا تحتاج إلا للحب، والحب فقط، الحب الذي لا نلطخه بزبد اللغة، حين يتغلغل الزرنيخ الاجتماعي والإرث الديني في دم القلم، حينها لن نتساءل: أين يختبئ الشيطان؟ لأن الشيطان لغة!
_______
*الاتحاد

شاهد أيضاً

في مديح الضجيج

*محمد إسماعيل زاهر ارتبط الضجيج دائماً بالإزعاج وبالأصوات الزاعقة، ومدافع الحرب وهدير آلات المدن الصناعية، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *