الرئيسية / قراءات / التحولات القسرية في “روائح المدينة” لـ حسين الواد

التحولات القسرية في “روائح المدينة” لـ حسين الواد


*محمد وردي
( ثقافات )
دبي- رواية “روائح المدينة- القسم الثاني ” للكاتب حسين الواد، الصادرة حديثاً عن دار “ورق” للنشر والتوزيع، تحكي قصة التحولات القسرية، التي عصفت ليس بالمجتمع التونسي في خمسينيات القرن الماضي فحسب، وإنما في جميع المجتمعات العربية، لأنها تحولات متشابهة في سيرورتها وصيرورتها على كل المستويات، أي في مساراتها التاريخية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي مضت بها، وفي ما انتهت إليه أو صارت عليه. وهي بطبيعة الحال تحولات متشابهة بقدر ما تتشابه المجتمعات العربية في بنياتها الثقافية التي تشكلت على مدى القرون الأربعة الماضية، أو على الأقل مع بداية انحلال الدولة الإسلامية، وظهور التفوق الغربي.


وإذا كانت تونس انتقلت في نهايات القرن التاسع عشر من حكومات البايات، التي لا يهمها سوى الجباية -حسب تعبير الكاتب- إلى حكومات الاستعمار أو الحماية الفرنسية، فإن المجتمعات العربية الأخرى، انتقلت بدورها إلى حكومات الاستعمار أو الوصاية الأجنبية في المرحلة عينها، بعدما تقاسم الرابحون في الحرب الكونية الأولى تركة السلطنة العثمانية، أو “الرجل المريض” كما عُرفت في أواخر أيامها. ما يعني أن المجتمعات العربية تقاسمت بالقسطاس معاناة المرحلة الاستعمارية، ومن ثم انتقلت جميعها – على فترات متقاربة – إلى حكومات ما بعد الإستقلال الجمهورية والملكية، التي بشرت بالسمن والعسل وانتهت إلى الثوم والبصل، بفضل غول الفساد الذي ساد وماد وداس على رقاب العباد، قبل أن يلهط خيرات البلاد.

الرواية تعرض سيرة صالح قاسم وأسرته كمعيار للفاسدين والطفيليين الذين يعرشون على حواشي السلطة، أو يتمرغون بين أقدام وسيقان أزلامها، وهو نموذج يتكرر بدقة متناهية في كل المجتمعات العربية، حيث تتدرج النكرات من الصفر إلى مواقع النفوذ والجاه “بفركة كعب” كما يقولون. فالرجل الذي كان يعمل “موظفا حكوميا لا يعرف أحد على وجه الدقّة اسم المؤسسة التي كان ينتسب إليها أو الوظيفة الذي كان يشغلها”، صار بعد تشكيل الحكومة الاستقلالية الأولى حالة أخرى، حيث “انتشر أوّل ما انتشر، فجأة بين الناس، أنّ صالح قاسم، والد ” فتحي شهوات” و” نعيم النّمس” و”سالم كاناسوكر” وكمشة من البنات لا يذكرهن أحد، أصبح من أقرب المقربين من صُنَاع العهد الجديد”. فراح أولاده يزحفون على مصادر الثروة ومنابعها بجشع وطمع منقطع النظير. وعندما تجاوز التنافس فيما بينهم إلى الصدام، غضب الوالد فجمعهم بحزم، وقال: “أحدّد لكل منكم المجال الذي يتحرّك فيه. وأيّ اعتداء أو تجاوز أو خطأ لا يلومنّ الواحد منكم إلا نفسه. والله والله، أدمّركم جميعا. هذا العهد خاطرنا برؤوسنا من أجله. أريد، وافهموا هذا جيدا، أن تأخذوا الناس بكثير من الحكمة. كلما كنتم لطافا معهم وغيّبتم عنهم “الغرزة”، ذهلوا وتاهوا عما تريدون”، مسدداً خطاهم بحنكته وخبرته إلى لازمة، “من أين تُؤكل الكتف”، ومذكراً إياهم بصلة الرحم وعدم خروج شقيقاتهم “من المولد من دون حمص”. فانتظم الجميع بقضم كل ما طالته أيديهم في قطاعاتهم التي حددها الوالد بتفان شديد، ولم تسلم من شهواتهم المزارع والبساتين والقصور حتى التاريخية منها.

الثيمة الأدبية
تقوم الثيمة الأدبية على روائح المدينة، التي حملت الرواية اسمها. وأعطاها الكاتب ما تستحقه من سرد وتوصيف حيث أجاد وجَوَّدَ فضاءاتها بكل المعاني اللغوية ودلالاتها وإشتقاقاتها وتأثيراتها المعنوية والمادية على القلب والعقل وعلى مجمل شخصية الإنسان وروحه عموماً. وهي روائح المدينة قبل تشكلها الحديث، أو في مراحلها الفطرية الأولى، حينما كانت مبانيها قريبة من بعضها البعض وسطوحها متلاصقة ومتعانقة بإلفة وحميمية صادقة، حيث كان يفوح منها عبق الطبيعة بزهورها البرية ورياحينها الندية، بعنبرها وصندلها وعودها وطيبها الفواح، قبل أن يزحف عليها الاسمنت والباطون، ويحيلها إلى كتل خراسانية صلدة، صماء، قبيحة، ناهيك عن زحف الحداثة الشوهاء تحت عنوان الاقتصاد الحر، التي أحرقت الأخضر واليابس، وقتلت ما تبقى من قيم أخلاقية ودينية وعادات اجتماعية حميدة، حيث تَغَوَّلت أسرة صالح قاسم بعد تطبيق الخصخصة تحت ضغط الدائنين الدوليين على الحكومة، فعمَّت رائحة الفساد وفاحت عفونته، حتى فاضت على المدينة وأهلها من كل الجهات، وأحالت ضوعها وعبقها الذكي نتناً زكم الأنوف وعمى القلوب وغشَّى البصائر ولوَّثّ الأذهان وأنهك الأبدان. “إنها رائحة غريبة عمّا عرف أهل مدينتي من عجيب الروائح فهي، في ما يقولون ويعيدون مبالغين ومقتصدين، منذ خيّمت عليهم ورشّتهم بنتنها ملحقة بهم في حياتهم فسادا يعسر منه الخلاص، جيفة دخيلة وقحة متعجرفة جلفة رعناء جشعة غشوم متغطرسة بذيئة لا يحيط بها وصف أو تؤديها عبارة”. إنها رائحة الفساد والاستبداد، التي فرضت سلطانها وهيلمانها على كل ماهو جميل، وأحالته إلى قباحة مستوطنة في النفوس والعقول، بحيث لم يعد أحد يميز بين خمج الفجل والكراث أو بين عبق الفل والياسمين، كما ضاعت الحدود الفاصلة بين الفضيلة والرذيلة إلا من رحم ربك. ذلك لأنها تقادمت وتراكبت على مدى سنوات طويلة من الخيبات والانكسارات.

تمظهرات الحداثة

تقدم الرواية بحرفية أدبية وفنية عالية تمظهرات الحداثة المشوهة التي أفرزها سرطان الفساد، سواء على مستوى التجويع والإفقار وتعميم الأمية، أم على مستوى إصابة الفكر العربي بمقاتل لم ينج منها حتى اللحظة الراهنة، حيث راحت الأفكار تتزاحم وتتلاطم على عتبة السلطة دون أن تتمكن من عبور بواباتها، فغرقت في متاهات من التناقض والاحتراب بين العقل والنقل، أدى إلى تمزق البنى الاجتماعية وتفككها، من دون نجاح يذكر لكلا الفريقين، ذلك لأن السلطة كانت على الدوام تتمكن من توزيع القوة بمقادير تُديم الصراع ولا تحسمه بين العقلانية الخائبة والماضوية البائدة. فصار “الخلاف بين النابهين في مدينتنا ومؤرّخهم يكمن في أنهم يرون الماضي إمّا دائمًا أفضلَ من الحاضر، فهم يُحكّمون الأموات في شؤون الأحياء، أو دائمًا أسوأ منه، فهم يضحكون من سذاجة الماضين في انتظار مستقبل لا يهلّ”. ولذلك باتت “نجاتكم من هذا الخُرْم الذي غطستم فيه، متى كانت لكم منه نجاة، انقلابٌ يضرّ ولا ينفع، كمن يقتلع بصلة ليغرس مكانها ثومة. من نتن إلى نتن أشدّ. أو…أو… كيف أقول؟ هبّة شعبية تبغتكم كالإعصار فتدعكم بين تصديق وتكذيب حتى إذا انقشعت عنكم غمامةُ الذهول ذرَتكم حيارى تتساءلون عن الصيف الذي ضيّعتم فيه اللّبن. حينها تدركون أن الساسة خذلوكم، وأن المثقفين أضاعوكم”، سواء منهم أهل العقل أو أهل النقل، لأن الطرفين بحكم فشلهما وسطوة الفساد وقوة السلطة الغاشمة تعايشا مع فتاتها وتساكنا مع المهانة واستمراء المذلة. ومن فاضت مظلماته على صبره لاذ بالقوارب للفرار من جحيم العبودية، حيث “ركب أهل مدينتنا جنون الهجرة. أصبح منتهى الآمال لديهم أن يظفروا بمنفذ يمرّون منه إلى أمريكا أو كندا أو أوربا أو أستراليا”.

التدجين والتعوُّد

تناقش الرواية قضايا اجتماعية في غاية الأهمية مثل تدجين الناس وجعلهم يعتادون على كل ما ترفضه الفطرة السليمة وتأباه المروءة، مثل القباحة والمهانة والرشاوى والفساد والاستعباد وسوى ذلك من الموبقات، التي تُطيح بالثوابت القيمية، أو مقومات الهُوية الثقافية، حيث يتحول المجتمع في الغالب الأعم إلى مجموعة من القوادين المأجورين واللصوص السفلة من الهمج والرعاع، ومن يشذ عنهم يصبح مجالا للتندر والفكاهة والسخرية والنبذ في أغلب الأحيان كما هو حال المؤرخ الحزين في الرواية.


ويغمز الكاتب من قناة المثقفين الذين يتسربلون بروائح الفساد في كل حركاتهم وسكناتهم، من دون امتعاض أو اعتراض، أو تساؤل، لا بل يتجاهلونها معتبرين الاهتمام بها من توافه الأمور. “لهذا أمعن معظم المفكرين في معظم الحضارات والثقافات، والعهدة في هذا على المؤرخ الحزين، في الانصراف عنها اعتقادا منهم أنها ممّا لا يؤبه له من تافه سقط المتاع”. ولكن ننزعج ونستوحش وترتعد فرائصنا غضبا ورعبا كلما فاجأنا ما يقطع المألوف المعتاد أو داهمنا خروج عنه أو مجردُ اختلاف.

ثلاثية الأصوات
في محاولة للإلتفاف على الواقع السلطوي والنخبوي في آن، وكذلك لدس بعض المقاربات الفكرية والفلسفية، للقضايا الاجتماعية والثقافية التي يتناولها في النص الروائي، يعتمد الكاتب على تقنية سرد ثلاثية الأصوات. الصوت الأول هو الكاتب، أو الجد الذي أودع الجزء الأول من مخطوطته لدى أحد معارفه للنشر، وترك لحفيده الجزء الثاني من مخطوطته الروائية، كما ورد في إضاءة “الراوي الحفيد والناشر”. وهو في أحيان كثيرة يقوم بدور الوسيط للربط بين الراوي والمؤرخ الحزين. أما الصوت الثاني فهو الراوي، أو الشاهد الحيادي على مجريات الوقائع والأحداث. في حين يقوم بدور الصوت الثالث، المؤرخ الحزين، الذي تُرك من دون اسم، كونه يقوم بمقام الشاهد على تحولات التاريخ وتدحرج الزمان على المدينة وأهلها، أو هو الضمير الحي، أو الوجدان والناموس الاجتماعي، القابض على قيم الحق والعدل والحرية، الذي لا يقبل السكوت أو المهادنة مع الزيف والانحراف، وهو بمعنى من المعاني نموذج للمثقف العقلاني، المتشكك بالظواهر وبكل ما يجري على السطح، المتسائل أبداً عما يجري في الباطن، المراقب بعين الفكر الثاقب، أو هو المثقف العضوي، أو منتج الوعي الجديد بتعبير غرامشي، المستعد دائماً وأبداً للقيام بالمواجهة في كل الظروف والأوقات، الجاهز لدفع ثمن المكاشفة، تهشيما للأنف والأسنان أو تكسيراً للضلوع، أو رمياً في غيابات السجون كرمى لعيون الحقيقة. ولذلك هو دائماً يغرد خارج السرب لوحده، وهو على صدام دائم مع الجميع، سواء القابلين بالفساد والعبودية، أو الفاسدين والمستبدين، وليست لديه معيقات أو كوابح من أي شكل كان، فلا توجد أسرة أو زوجة أو أولاد يضيقون على حركته أو يحدون من تمرده. وهذا ما يجعله على الدوام لوحده، وكأنه يراقب المشهد من خارج الصورة، وعندما انتهى دوره أو حضوره، انقطع خبره من دون نهاية معلومة، لأنه في الأصل لا مكان له في زمن موبوء، لذلك كتب عليه الغياب الخاطف، كما هو غياب الدراويش، وصار أحياناً يتراءى للناس كأطياف عابرة يشهد انكسارات المدينة وتشظياتها من دون تعليق، لأن الأوان قد فات ومضى.

ثلاثية الأسلوب
كذلك يعتمد الكاتب في النص الروائي على تقنية سرد ثلاثية الأسلوب، فالكاتب أو الجد هو ابن المدينة، الذي يتحدث بلغتها الصخابة، الميالة للهرج والمرج، بعاميتها الجريئة وفصاحتها البذيئة. بينما الراوي يميل إلى لغة أكثر رقياً، فهو يحاكي السرديات العربية العريقة مثل المقامات والامتاع والمؤانسة، ولكنها مطعمة بمفردات العصر بنكهة شعرية فصيحة. في حين أن لغة المؤرخ الحزين تضرب عميقاً بجذور البلاغة والبيان بنكهة فكرية عميقة وتساؤلات فلسفية اكثر عمقاً، فهو الحارس على تاريخ المدينة وقيمها وعاداتها، وهو عمود هُويتها الثقافية الضاربة الجذور بوعيها لخصوصيتها العربية والإسلامية. 

يخاطب الكاتب في إحدى حواشي الكتاب المؤرخ الحزين فيقول:
سألته مرة عما تتكيف به حياة الناس في سائر شؤونهم اليومية فاستغرب أن يطرأ على ذهني مثل هذا التساؤل. قال: “هذا شيء لا نفطن، في العادة، له، لفرط ما يرمي عليه التعوّد من أصناف الحجب المعتادة”، وأبحر في كلام طويل لم أفهم منه سوى أن البشرية ظلت، عهودا طويلة وقرونا كثيرة تداري الوجود وتداوره لتألفه، تلوذ بالسماء تستلهمها تصوّرات كثيرة تستسيغ بها الحياة. وعندما نزلت من السماء إلى الأرض أحلت تصوراتها تلك في الواقع. لكن الواقع تطلسم عليها حتى زهدت فيه فظلت كالمتعلق بلوح في نهر جار يعتقد أنه ثابت في الوقت الذي يقطع به اليم المسافات. عندما اختلط عليها الوهم باليقين حكمت على ما تغرق فيه كل آن ولحظة بالتفاهة والوضاعة وأشاحت بوجهها عنه.
التميز بالمعنى والمبنى
رواية “روائح المدينة” تتميز بالعمق في المعنى والمبنى على كل المستويات الدلالية والأدبية والفنية، سواء لجهة تقديم لغة عارية من كل هجنة أو عجمة، لغة نظيفة تذهب بدلالاتها إلى معانيها مباشرة، رغم أنها تميل إلى المفردات الكلاسيكية والسرديات العربية الأولى في المقول الأدبي العربي القديم، ومع ذلك بدت معاصرة وتنتمي لزمنها الذي تعبر عنه. كذلك لجهة الموضوعات التي تطرقها، أو لجهة الأفكار والتساؤلات التي ترميها بوجه المجتمع عموماً، وبشكل خاص بوجه النُخَبْ، رغم أن بعض القضايا التي تتناولها الرواية ليست بجديدة على الفكر العربي، ولكنها كانت على الدوام إشكالية وتحتمل الإختلاف في التفسير والتأويل بالمعنى الثقافي، مثل إشكالية العلاقة بين المثقف والسلطة، بالإضافة إلى طرح بعض المسائل الفكرية والاجتماعية التي أشرنا إليها آنفاً، مثل التعود على ما لا يمكن الإعتياد عليه في الحالات السوية بالمعنيين الديني والأخلاقي.
الرواية : روائح المدينة – القسم الثاني
المؤلف : التونسي حسين الواد
الناشر : دار ورق للنشر – دبي
سنة النشر 2014
عدد الصفحات : 196 من القطع الوسط

شاهد أيضاً

«نزهة فلسفية في غابة الأدب» في ترجمة عربية

بغداد- عن دار «المدى» ببغداد، صدر كتاب «نزهة فلسفية في غابة الأدب»، وهو من ترجمة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *