الرئيسية / إضاءات / أدونيس: الثورة جعلت النظام أقوى

أدونيس: الثورة جعلت النظام أقوى


*ترجمة: علي إبراهيم صافي

في هذا الحوار الشيق يتحدث أدونيس** عن معضلة التجديد في الشعر والفكر العربي، وتأثير الدين في البنية الثقافة داخل المجتمعات العربية والاسلامية.

ويعُدّ “الشاعر المتدين” محض تناقض وازدواجية، مؤكدا أن المتدينين كانوا شعراء فاشلون. ويشير الى أن المتصوفة العرب غيروا مفهوم الرب او الله في العقل الاسلامي، مثلما في اليهودية.
وأشاد الشاعر المجدد بأهمية التجديد الذي أحدثه أبو نؤاس في الأدب العربي، مشبها إياه بما أحدثه بودلير في الأدب الغربي.
وفيما لفت الى أن الصدفة لعبت دورا مهما في عدم سوقه الى التجنيد الاجباري بعد خروجه العام 1956 الى لبنان، ندد بالدورين القطري والسعودي داخل بلده، كون البلدين محكومين بنظام قبلي غير قابل للتحديث.
نص الحوار:
• أقرأ باستمرار انك قد اعتزلت كتابة الشعر؟ وهذا بصراحة غير صحيح!
أدونيس: نعم , خبر اعتزالي الكتابة مبالغ فيه بعض الشيء.
• في قصيدتك: “عناق لحرف آخر” هناك جملة تقول: “دمشق لا يمكنها ان تعيش اذا لم تبن السماء من جديد”. ماذا تقصد بـ “بناء السماء”؟
أدونيس: نحن العرب لدينا قوتان محركتان اساسيتان في ثقافتنا هما الدين والشعر. اليوم الدين انتصر على الشعر. الدين يتخلل كل مفاصل حياتنا, العائلة البيت, نعم, كل فكرة حول علائق الناس. الدين هو الثقافة, في كل خطاباته موجهة للجميع. الفردية المتعارف عليها لا توجد في الدين. مع الاسف هذا البناء الجمعي للدين ساهم بانهيار المجتمع والثقافة, نعم حتى انه قد دمر الاخلاق والسلوك اليومي وأنهى الوجود الفردي. كشاعر لا يمكنك كتابة افكارك هكذا مثلما تريد و بحرية. كانسان لايمكن الحب والاختيار بحرية. كذلك كفرد لا يمكنك الجهر بأنك لا تصلي او لا تؤمن. الدين خلق اجواء خانقة جدا.
• هل من الممكن ان تتخيل ان هذا الوضع سوف يتغيير؟
أدونيس: حتى نستطيع تغيير هذا المجتمع يجب إبراز الفردانية.. على كل واحد منا ان يعيد النظر في الصداقة والعلاقات الاجتماعية مع الاخر, نعم أولا واخيرا تجديد علاقاتنا مع بعضنا. لا يمكن للدين باي حال من الاحوال ان يكون هو المعيار الاول للثقافة. لكن المجتمع العربي لا يمكنه ان يعيد تجديد نفسه بدون اية علاقة مع الغيب. الذي اسميه انا السماء. كذلك العلاقة يجب ان تكون فردية وغير جماعية. رغم اختلاف القادة العرب الا ان هذه العلاقة بقيت مثلما هي.. التركيز على الفعل الجماعي للدين وليس العلاقة الفردانية ولوقت طويل جدا. عدم مواكبة التطور وعدم الاستقرار الذي اصاب الثقافة العربية, انتم في الغرب من الصعب ان تفهموه باي حال من الاحوال.
• هناك اختلاف جلي بين الشعر العربي والشعر الغربي, بكل الاحوال، لكن ماذا تعتقد, اين الاختلاف؟
أدونيس: أعتقد أن الشعراء من والت وايتمان الى روبرت فروست يقفون اولا واخيرا كافراد. عندما قدمتهم أنت للقارئ العربي في المجلات التي كنت مسؤولا عنها في بيروت في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم، هل كانت هذه محاولة منك لاعادة “بناء السماء” عن طريق الشعر؟
أدونيس: بالحقيقة هذا اعتراف وشهادة لاحترامنا الكبير لمنجزكم الشعري. الشاعر المتدين هو محض تناقض وازدواجية.
• ما هو تصورك اذن عن شاعر مثل ميلتون؟
أدونيس: رغم كونه جزءا من نظام عالمي قديم, مع ذلك كان لميلتون نظرته الدينية المسيحية الارثوذوكسية المختلفة في ذلك الوقت.
ليس لدي مشكلة مع التدين الفردي هذه مسألة شخصية, لكن انا ضد التدين الرسمي الذي يجبر الجميع على اداء الفروض والطاعة بشكل جماعي متشابه. لا يوجد اي شاعر عربي متدين او مؤمن بالمفهوم المتداول للايمان والدين, الجميع كانوا ملحدين وشكوكيين وغنوصيين. المتدينون كانوا شعراء فاشلين.
• عندما اخترت اسم “ادونيس” هل كان هذا قناعا ام احتفاءً بالاسم؟
أدونيس: في البداية كان قناعا, لكن مع مرور الوقت شعرت بأن الاسم أخرجني من الفضاء العربي والاسلامي الى فضاءات انسانية أوسع لأرى من خلالها العالم. واصبح كاداة تعبير ضد الدين.
• رغم معارضتك للدين إلا انك شديد التأثر بالصوفية، هل تعتقد أن أدواتك الشعرية هي منك او جاءت من مكان اخر؟
أدونيس: دعني اذكر ان الصوفية هي اول من طرح التساؤلات عن الدين المنظم. المتصوفة العرب غيروا مفهوم الرب او الله في العقل الاسلامي. مثلما في اليهودية.. الرب في الاسلام هو شيء مجرد موجود بمعزل عن البشر. في الصوفية يتجسد الله في الانسان, والانسان في الله، لذلك تقف الصوفية خلف المتغيرات العميقة التي حدثت في المجتمع الاسلامي. انا احب ان اضع نفسي وارثا للصوفية أي جناحها الطارح للتساؤلات, يعني الصبغة الثورية, في الفكر العربي, نعم وكذلك أخذت من الفكر الثوري الغربي (أعتقد المقصود بالثوري هو التجديد والتمرد على السائد/ المترجم). 
خذ مثلا الشك الذي طرحه نيتشه للدين من جهة والخرافة التي يتعاطاها المجتمع من جهة اخرى. في مكان ما بين ذلك اقف.
• هل يعني ان هذا الارث هو الذي يفسر سبب التجريب في شعرك بعمر مبكر؟ كنت ضد كل المعتقدات التقليدية الجامدة, وكذلك بعض رموز الشعر العربي؟
أدونيس: من الممكن جدا ان تكون متدينا ومبتكرا بنفس الوقت، لكن لا تستطيع ان تصل الى ما هو جديد دون الرجوع الى التجارب السابقة والاطلاع عليها.
• في كتابك “مدخل الى الشعر العربي” ترجع الى التراث العربي. هل كتبت هذا خصيصا للقارئ العربي او لقارئ اَخر خارج العالم العربي؟
أدونيس: الفكرة كانت هي قراءة تراث الأدب العربي بطريقة مغايرة بعيدة عن القوالب الجاهزة والجامدة ومحاولة الابتعاد عن الطريقة التقليدية للتطور الأدبي في عالمنا الذي تغلب عليه النظرة الدينية.
لذلك احتجت بشكل ما لإعادة كتابة هذا الأدب الذي كان جديدا على القارئ العربي وكذلك للمتابع الغربي، ما اوقعني في مرمى النيران والنقد وفي معارك وسجالات كثيرة. 
• متى بدأ الكتّاب من خارج العالم العربي بالتأثر والاهتمام بمنجزك؟
أدونيس: سافرت الى فرنسا في 1960، لكن الاحساس بالتجديد جاء من الكتاب العرب الكلاسيكيين مثل الشاعر الفارسي الأصل أبو نؤاس (810ــ750) والنفري الذي عاش في بلاد ما بين النهرين في القرن العاشر الميلادي. 
أهمية التجديد الذي أحدثه ابو نؤاس في الادب العربي هو بقدر الذي احدثه بودلير في الادب الغربي. لذلك عندما قرأت وفهمت بودلير ادركت حجم التجديد الذي احدثه ابو نؤاس كذلك عندما اطلعت على السريالية ادركت كم هو مجدد ومتفرد النفري.
أبو نؤاس نقل اللغة العربية من الصحراء الى المدينة. بغداد كانت في القرن التاسع مدينة حية يقطنها نصف مليون نسمة. أبو نؤاس كتب عن المدينة عن حرفييها، عن الجنس فيها أبو نؤاس ايضا سبق بودلير بـ1000 عام في الكتابة عن المثلية الجنسية. 
النفري أحدث هو الآخر ثورة في شكل القصيدة، فأعماله كانت في مخطوطات لم تقرأ منذ 1000 عام. اول مرة خرجت اعماله الى العالم عن طريق اي. جي. اربري الاكاديمي الانكليزي الذي طبع اعماله الاصلية والمترجمة. 

• يعني ربما هناك حسنة للمستشرقين؟
أدونيس: نعم, لكنهم لم يكن بمقدورهم قراءة النفري. المستشرقون قدموه على انه مفكر ومتصوف. حتى يحتل مكانته المعروفة الان, تطلب ذلك المعرفة الدقيقة بالتراث الشعري العربي. اليوم هناك الكثير من المستعربين من يعتبره شاعرا مجنونا او كنسخة عربية من انتونين أرتو (1948ــ1896, كاتب ومخرج مسرحي فرنسي/ المترجم).
• هل كتبت الشعر عندما كنت في السجن في الخمسينيات؟
أدونيس: كتبت قصيدتين عندما كنت مع المهربين واللصوص والمجرمين. واحدة من هذه القصائد اسمها “مجنون بين الاموات” .

• هل غيرت هذه التجربة (السجن) من نظرتك عن المجتمع السوري؟
أدونيس: كانت تجربة عملية عمقت تصوراتي النظرية والفلسفية. دخلت الى السجن بافكار عديدة عن كيفية تاثير الثقافة والايمان, وفي السجن تأكدت لي هذه التصورات نتيجة التجربة، لذلك كنت سعيد لانني دخلت السجن.
• بعد تجربة السجن انتقلت الى لبنان؟
أدونيس: نعم, كان من غير الممكن البقاء في سورية بعد اطلاق سراحي, بعد اسبوع غادرت الى لبنان في العام 1956 في نفس الاسبوع تزوجت. في نفس اليوم الذي تجاوزت فيه الحدود اعلنت حالة الطوارئ بسبب تأميم قناة السويس ومساندة سورية لمصر, ما دعا الى طلب مواليدي للجيش, لو كنت تأخرت خمس دقائق لساقوني الى الجيش, وربما لكانت حياتي قد تغيرت تماما. ولم استطع ان اجلس معك الان.
• أنت وزوجتك الناقدة خالدة سعيد, هل تعاونتما على إصدار المجلات الادبية؟
أدونيس: خالدة كانت ناقدة في أول مجلة اصدرتها “شعر” التي كانت مهتمة بتقديم الشعر والنقد الحديث. المجلة الاخرى كانت “مواقف” ومشروعها الاساس كان تغيير الثقافة بشكل عميق من خلال خلق معرفة, نقد جديد, ترجمات جديدة, فلسفة. 
• انت استمريت مع المجلات حتى بعد مغادرتك الى باريس في العام 1980؟
أدونيس: نعم, وكان آخر عدد قد صدر في 1990، وكان يتحدث عن المرأة في المجتمع العربي. كذلك كان من المزمع ان نصدر عددا خاصا يتحدث عن دور المرأة في القراَن مع تحليلات قانونية وفقهية ولغوية، وبالفعل كنا قد بعثنا الدعوات للكتابة، لكن لم يتجرأ احد على الكتابة في هذا الموضوع. عندما لم تجد احدا يناقش هكذا مواضيع مفصلية تخص المجتمع فما هو نفع المجلات اذن؟!.
• هل تعتقد ان الاستعمار والاسلام السياسي في بعض الاحيان يؤديان الى نفس النتائج؟ الاثنان يلغيان التاريخ؟
أدونيس: الاستعمار كان متعاونا طبيعيا مع الاسلاميين. لهم نفس التوجه ونفس الهدف. الا وهو الغاء التفاوت الطبقي. الاسلام دين كبير يعتنقه أكثر من 3 مليارات إنسان, ولديه ثقافة لكن بنفس الوقت لا توجد هناك ثقافة في المجتمع خارج حدود الدين. المبدعون من المجتمع المسلم يهاجرون الى الخارج لطلب الحرية, وفي هذه الحالة يفرغ المجتمع من النقد, ان احد اهم الاسباب التي تدفع المجتمع المسلم الى الصراع هي باعتقادي ان كل الحلول توجد في الدين, اي في حالة وجود قائد مسلم فانه سوف يؤسس (مملكة الرب) السعيدة.
• لو كنت قائدا ليوم واحد, ما الذي بوسعك ان تفعله في الازمة السورية اليوم؟
أدونيس: أول شئ افعله هو فصل الدين عن الدولة بشكل عملي ومبدئي وإرساء دعائم مجتمع ديمقراطي مدني. رغم أن إرث 15 قرنا ليس من السهولة بمكان ازالتها او التخلص منها بعشرة ايام او بسنة. كذلك اعزل المعارضة التي يدعمها الغرب بالسلاح فقط، من دون أن يعلمها مبادئ الديمقراطية، وبناء المجتمع المدني والمعارضة السلمية.
إن أهم وأكبر داعم للمعارضة السورية هما قطر والسعودية، وهما بلدان تحكمهما القبيلة والعشيرة ويريدان أن يمزقا سورية. كيف لك أن تبني ديمقراطية جديدة واهم المتعاونين هم عبارة عن مشيخة تحكمهم النزعات القبلية، ومن دون اي نوع من انواع الديمقراطية. 
• هل تعتقد أن بشار الأسد سوف يتنحى عن السطة؟
أدونيس: حقيقة لا أدري, هذه الثورة جعلت من النظام أقوى من ذي قبل, وأكثر تراصفا. هناك الكثير من المعارضين في البداية للنظام عادوا لمساندة النظام بعد ان تكشف لهم نوع المعارضة. 
• ما هي المسؤولية التي تقع على عاتقك انت كشاعر عما يحدث الان في سورية؟
أدونيس: لا يعد هناك ما يفاجئني حقيقة من احداث في مجتمعنا العربي, أشعر بان الثقافة العربية التي كانت يوما ما قادرة على الابداع قد انتهت, اصبح المجتمع عبارة عن مجتمع استهلاكي غير منتج وغير مبدع, الغرب ينظر لنا على أننا سوق للسلع, كذلك ينظر الغرب الى العرب نظرة ازدراء. حقوق الانسان وحرية التعبير اصبحت اشياء غير ذات معنى حتى في الغرب نفسه. الامم النتحدة التي من المنتظر ان تكون راعية للسلام والامن اصبحت عبارة عن نكتة سمجة. 

• عندما تستخدم الذاكرة التاريخية في كتابة الشعر هل تلعب هذه العلائق دور ما بنظرتك لما يحدث الان في سورية, انت كشاهد؟
أدونيس: يوجد هناك شكل من الذاكرة يسعى الى الماضي وهناك شكل آخر يسعى الى الحاضر. شكل الذاكرة التي اعمل عليها يحمل بذور التغيير للمستقبل, وليس استحضار الماضي كنوع من النستالوجيا المفرطة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* أجرى الحوار لصحيفة مورغن بلادة الاسبوعية Morgenbladet الناقد والكاتب الأميركي جون فريمان Jonhn Freman (تولد 1974 رأس تحرير مجلة غراناتا لسنوات عديدة وكان رئيس الرابطة الوطنية لنقاد الكتاب، وله مجموعة اصدارات متنوعة اخرها “كيف تقرأ القصة القصيرة” صدر 2007 في نيويورك).
_______
*العالم الجديد 

شاهد أيضاً

ثلاثية آتشيبي.. الرواية الضد

القاهرة- يعتبر تشينوا آتشيبي (1930 2013) من أبرز كتاب نيجيريا المعاصرين، الذين يكتبون بالإنجليزية، وقد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *