الرئيسية / إضاءات / المؤرخ الغائب عن الوعي

المؤرخ الغائب عن الوعي


*عمار ديوب

العقل يفهم الواقع ويصدر مفاهيمه عنه، فيضيء للوعي العام القانون والميل الذي خفي وغاب واستبطن الظواهر، فيساعده في بناء تصورات مطابقة للواقع. وبذلك تتحدّد للإرادة الأفعال الصحيحة من الخاطئة. العقل حينها يكونا فاعلا ومعتمدا على الثقافة والأخلاق ويقدم للسياسة منطق حركة الواقع ويدفعها نحو فعل تاريخي تراكمي، وقابلية لتفادي الأفعال العشوائية والفوضوية.

العقل العربي لم يجد إرثا ثقافيا يستند إليه ويشكّل منه مفاهيمه، فما نُشر عن سوريا، بنية اجتماعية وتاريخا وصراعات سياسية وأنماط إنتاج، قليل ونادر؛ المؤرخ حنا بطاطو ألّف ونشر كتابا عن بداية القرن العشرين وصولا إلى عقد الثمانينات، وحتى الآن لم يترجم، رغم أنّه منشور بالإنكليزية منذ عقدين؛ وهناك كتاب هام يعتد به، وهو لفيليب خوري بعنوان “سورية والانتداب الفرنسي”، وهو غير مسموح به في سوريا، ربما باستثناء مؤلفات المؤرخ عبدالله حنا، الذي كتب عن سوريا عبر الانشغال بقضايا محددة وليس الكتابة عن المجتمع بكليته، يندر أن نجد نصوصا عن تاريخها. المذكرات هنا لا تفيد كثيرا.
ما كان سائدا هو ما تريده السلطة للمجتمع. الفكر والثقافة والتاريخ كانت مسيسة بالكامل؛ لذلك غلب على كُتاب سوريا الشأن السياسي بامتياز، أو الابتعاد كلية عن شؤون المجتمع والكتابة عنه، وهذا حال صادق جلال العظم وعزيز العظمة وجورج طرابيشي وحتى الياس مرقص، وربما باستثناء ياسين الحافظ حيث يندر هذا الاهتمام.
الجهل بالتاريخ
هذا دفع السوريين للجهل بتاريخهم، وتضارب الآراء حوله، وبالتالي ساد فهم ديني عند عامة الناس وسياسوي قاصر عند السياسيين. مع اندلاع الثورة أدى ذلك إلى اتجاهات فكرية وسياسية مختلفة بالكامل وفي حالة عداء شديد. هذه حالة الفكر حينما ينغلق ويكون الجهل طابعه، فمثقفوه شِلَلٌ وجماعات لا ارتباط بينهم؛ وهذا حال التيارات الفكرية والسياسية السابقة للثورة؛ وهو في الحقيقة ما أرادته الطبقة المسيطرة حيث ميلها الدائم، وهي التي وصلت للسلطة ولا تحمل مشروعا تقدميا للمجتمع، وبالتالي كان مشروعها، تفتيت المجتمع وقواه وتياراته وإبقائها في حالة تناقض مستمر. بنت نظاما شموليا ولا يمكن أن يكون غير ذلك نظامها، وفي هذا لا قيمة حقيقية لأيديولوجيتها الاشتراكية والليبرالية أو الإسلامية؛ وبذلك تتأبد تلك السيطرة، أو تتم محاولة إفشال أي احتجاجات مجتمعية أو حتى الثورة ذاتها.
إذا ساد فهمٌ قاصرٌ عن حقيقة الثورة السورية وحقيقة العالم؛ فالثورة لم يُنظر لها على أنها ثورة شعبية، تريد تحقيق أهداف متعددة، في واقع سوري شديد الالتباس ومغلق بشمولية منذ الثمانينات بشكل كامل، وفيه انهيارٌ كامل لكل مؤسسات المجتمع المدنية والسياسية، ويحتمل كرها بلا حدود لكل مفاهيم الوطنية والقومية والمقاومة والاشتراكية، كونها أيديولوجيا النظام، وفيه عودةٌ للديني كوعي عام، وكل ديني قابل للتحول نحو الطائفية في ظروف استثنائية. هذا الواقع كان يقتضي فهما عميقا، كي لا تتحول الثورة إلى فوضى وتدخل خارجي عبثي ودمار ودماء ولجوء. ولكن ذلك رُفض من اتجاهين فكريين وسياسيين متسيّدين:
الأول: رفض أن تكون للثورة أهداف عامة وتشمل السياسة والاقتصاد والمجتمع والتعليم والثقافة والنقابات، وحدّدها بثورة حرية وإنهاء الاستبداد، وعبر التدخل العسكري الخارجي، وتكلّم عن القابلية للاحتلال واستدعاء الخارج وأن العالم متداخل ولا بد من التخلص من إرث الوطنية والقومية والاشتراكية، وطلب المعونة، وإلا سيكون الدمار العظيم ولن يسقط النظام. أي أنّ منطق الفكر هنا مثاليٌ ومنعزلٌ عن الواقع أي الثورة كرافعة للتغير، ويقول: إن الشعوب لا قيمة لثوراتها، وإن ما يحسم الصراعات المجتمعية، هو فقط التدخل العسكري الإمبريالي والسلاح، وأن كل نقدٍ لهذه القضية هو خدمةٌ مباشرة للنظام؛ هذا المنطق لا يقرأ لسان الإمبرياليات وأزماتها وتحديدا بعد عام 2008، ورفضها لكل تدخل عسكري في سوريا وانسحابها من العراق من قبل، ومنذ اللحظة الأولى للثورة. اللسان والمصلحة تقولان إنّ الحل السياسي هو الوحيد الممكن في سوريا.
غياب النقد
هذا الاتجاه، إذن، تجاهل دور الشعب في الثورة وفي تطويرها وإيصالها إلى الانتصار أو الحل السياسي. هو تيارٌ ليبراليٌّ وإسلامي سوري بصفة خاصة، منطقه ذاك ساهم بدفع الثورة نحو فوضى السلاح وفوضى التدخل الخارجي وقاد كل ذلك مباشرة إلى الجهادية لاحقا، أي تحوّل الوعي الديني إلى وعي جهادي عند قطاع مجتمعي. ومع الجهادية أعيد إنتاج الشمولية ولكن عبر السلطة السماوية والأرضية للأمير كليّ القدرة؛ ودخل النظام عبر داعش والنصرة وسواهما، وأطبَقت الطائفية الأصولية على الثورة وتحديداً عبر السلاح؛ وبذلك تحولت الثورة إلى فوضى عسكرية كاملة، فكان الدمار وكان اللجوء وكان الموت وكان الحصار.
إذن المنطق هنا بسيط جدا، ويرى طرفا واحدا للصراع هو الطبقة المسيطرة وممثلها النظام السياسي، بينما الطرف الآخر غائب كلية، أي الثورة ومن مثّلها؛ لذلك لا لم ينتقد نفسه أبدا فهو منطق المعارضة التي تسيّدت على الثورة؛ وإن جاء النقد فيأتي خجولا وعموميا وليس محدّدا؛ كأن يقال إنّ المشكلة في قيادة المعارضة، بينما يُفترض فيه أن يحدّد بدقة مكامن أزمة منطق المعارضة، وعبر قراءة الرؤى والسياسات التي تنتهجها، والتي حاولنا تحديدها أعلاه هنا. الممثل السياسي لهذا التيار هو المجلس الوطني ولاحقا الائتلاف الوطني، وفي الثقافة المثقفون المؤيدون لهذه القوى.
الثاني: رفضَ كليّةً منطق الثورة وأنّها قادرةٌ على إسقاط النظام وهي ثورة شعبية اجتماعية من أجل التغيير الشامل، ورآها أداةً سياسة ومن أجل هدف سياسي واحد (الديمقراطية) ولإجبار النظام على الحوار والسير بالإصلاح الذي قال به لعقودٍ متتالية نحو النظام الديمقراطي، مشكلة هذا المنطق أنه لا يريد فهم هذا النظام على حقيقته ولا الثورة؛ فالنظام مغلق بشمولية مانعة لكل انفتاح على الشعب، ولا يعترف بأيّ حقوق له، باستثناء حق الطاعة والعبودية المطلقة. وبالتالي ليس من إمكانية للحوار والإصلاح من داخله أو معه دون الثورة عليه، والأخيرة فعل شعبي بامتياز.
عقائدية ودوغمائية
والسؤال هنا: ما قيمة المنطق الذي يُعلي من شأن الحوار والإصلاح ويتجاهل منطق الواقع! الحقيقة أن هذا المنطق غالى “بتطرفه الديمقراطي” ورفع لاءاتٍ محدّدة، وقبل أن تتجه الثورة نحو فوضى السلاح والعنف والطائفية، فقال إنه ضد هذه القضايا، أي هو فهم جيداً استراتيجية النظام، وأنّها في دفع الثورة نحو هذه القضايا، وبالتالي رفض كل ذلك، ووجد أنّ النظام قابلٌ للإصلاح والتغيير السلمي والحوار! متجاهلاً بذلك طبيعته، وكونه غير قابل للتغير إلا بقوة الثورة الشعبية، وبضرورة تطوير الثورة كي تنتصر عليه. الممثل السياسي لهذا التيار هي هيئة التنسيق الوطنية ومثقفوها.
هذا المنطق يندّد بالثورة ذاتِها لأنها خالفت أطروحاته. عصيٌّ عليه فهم صيرورة الصراع، والتعبير عنه. رؤيته أقرب إلى العقائدية والدوغمائية، حيث تعيد وتكرّر تلك اللاءات البائسة كقضايا خلاصية في كل زمان وأوان؛ طبعاً الاتجاه الأول لديه الروح العقائدية والدوغمائية نفسها وإن بسياقٍ مختلف. هي بائسة لأنّها تجاهلت صيرورة الواقع وضرورة التعبير عنها ونقدها والتموقع ضمن الثورة ورفض أخطائها وتطوير إيجابيّاتها.
هناك اتجاه ثالث، لم يستطيع التوطّد عميقاً في أطروحات الثورة وبقي هامشياً؛ أطروحاته مقيدة بإصلاح منطق الاتجاهين السابقين وتياراتهما السياسية، وتوضيح أن الواقع غايةٌ في التعقيد، ويتطلب الابتعاد عن العقائدية وطلب الخارجي للتدخل سواء عبر أميركا أو روسيا، والاتجاه نحو الثورة ذاتها وتفعيل كل أوجهها بما يمنع الفوضى العارمة فيها، وهو بذلك لا يقرأ جيداً المنطق الذي يحكم تلك التيارات والقوى السياسية. إذن هو لم يستطع الاستقلال الفكري ولا السياسي، فكانت رؤيته مشوشة وهذا ما أبقاه هامشياً ودون قدرة على الفعل المستقل.
ثقافة جديدة
ظهرت رؤية يسارية جذرية ولكنها لم تستطع تشكيل اتجاهٍ رابع. هي قرأت الواقع بشكل موضوعي، ونبهت من خطورة السلاح المنفلت ومن المال السياسي ومن الطائفية عبر النصرة ولاحقاً داعش ولاحقاً الجبهة الإسلامية ومن التدخل الإقليمي والدولي ومن رداءة المعارضة وعجزها عن تبنى رؤى ثورية، ولكنها مشتّتة وضائعة بين تيارات يسارية متصارعة ومفتتة، ولا تمثل شيئاً حقيقياً في الثورة؛ هذا اليسار لم تسعفه رؤيته الموضوعية للواقع، فلم يستطع أن يعمم منطقه ورؤيته للثورة والحفاظ على شعبيتها كما انطلقت كي تصل إلى تحقيق أهدافها. ويمثلها بصورة خاصة ائتلاف اليسار السوري.
مشكلة هذه الرؤية ليست في صوابية بعض أفكارها، والتي يمكن نقدها، حيث تركيزها الكبير على طبقية الثورة، بينما يغيب هذا الملمح عن منشورات الثورة، رغم أنها ثورة شعبية؛ أقصد هنا، أن اليسار هذا عانى عزلةً كبيرة بسبب الوهم السائد في الوعي العام عن الإرث المشترك بينه وبين النظام وبأنهما يساريان، وبالتالي لا يمكن أن يكون اليسار ثوريّاً، عدا عن هجوم كاسح من التيارات الفكرية الليبرالية والطائفية عليه.
الثورة وبسبب رداءة منطق الاتجاهين الأوليين وهامشية الاتجاهين الثالث والرابع، سيطرت عليها الجهادية المسلحة، وأصبح عشرة ملايين مهجرين، وثلث البلاد مدمر ونصف مليون شهيد وربع مليون معتقل، وهناك تدخل إيراني سعودي مؤثر. إذن سوريا وبغياب أي أفق لخيار غير الخيارات المتداولة من أطراف الصراع، معرضة لأسوأ مستقبل.
النقد الآن يفترض أن ينطلق من الواقع مجدداً، ويتجه نحو صيرورته وتحولاته المستمرة. القضية ليست في تلك الاتجاهات فقط بل في العودة للقبض على الواقع ودفعه مجدداً نحو تجديد الثورة، كثورة شعبية تواجه نظاماً شمولياً، وتواجه الآن جهادية متعاظمة، وتدخلاً إقليمياً واسعاً، بل وتحكماً إقليمياً شبه كامل. هنا وإزاء التعقيدات المتعاظمة لا بد من ثقافة جديدة تبنى على وعي جديد يستطيع إعادة تعريف الثورة بأهدافها، والبناء والفعل وفقاً لذلك، أي أنها من أجل حياة أفضل لكل السوريين وضد الطائفية ومن أجل اقتصاد يؤمّن فرص عمل لملايين السوريين، ومن أجل تحسين وضع الفلاحين، ومع المركزية السياسية، ومع اللامركزية الإدارية، ومن أجل نظام سياسي ديمقراطي يستند إلى مبدأ المواطنة وسيادة الشعب، ودستور وضعي بعيداً عن أية شريعة ومذهب ديني ما، أو تغليبِ قوميةٍ على بقية القوميات.
هذه قراءة أولية لمنطق الكتابة السياسية عن صيرورة الصراع وآثار ذلك على صيرورة الثورة، وتهدف إلى إدخال المنهجية الجدلية من خلال قراءة واقع الصراع، والابتعاد عن الدوغمائية والتسييس البائس والحزبي الضيق والمنطق الصوري والديني؛ ونحو تأسيس رؤية عقلانية تسهم في تصويب الثورة، وإنقاذها من الفشل بدلاً من الندب عليها، وحتى لا يتحول مثقفو الثورة والحرية إلى مؤرخين غائبين عن الوعي.
________
*العرب

شاهد أيضاً

رمضان بين قرنين

*محمد الأسعد في العودة إلى ذكريات رمضان، كما تجلت في كتابات عصور أقدم من العصر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *