الرئيسية / إضاءات / مختارات من “تاريخ الجنون”

مختارات من “تاريخ الجنون”



ميشيل فوكو


ترجمة: أمين صالح



سجين رحلته 


كان الغرض من تسليم المجنون إلى البحّارة هو ضمان عدم رجوعه وتسلّله خلسةً تحت أسوار المدينة، وللتأكد من أنه سوف يمضي بعيداً، وسوف يصبح سجين رحلته.
لكن المياه تضيف إلى ذلك كتلة غامضة من القيم الخاصة.. إنها تجرف، لكنها تفعل أكثر من هذا: إنها تطهّر.

الإبحار ينقل الإنسان إلى مجهولية المصير. في البحر، كل فرد منا يكون بين يديْ قدره الخاص. كل إبحار، بشكل محتمل، يكون الأخير. إلى العالم الآخر يبحر المجنون في زورق المجانين. ومن العالم الآخر يأتي حين يرسو الزورق وينزل.

إن رحلة المجنون هي انفصال صارم وانتقال مطلق في آن واحد.

***

الممرات الألف

محتجزاً في السفينة، التي لا مهرب منها، يتم تسليم المجنون إلى النهر بأذرعه الألف، إلى البحر بممراته الألف، إلى تلك المجهولية الهائلة. إنه السجين وسط أكثر الطرق حريةً وانفتاحاً: مكبّلاً بإحكام على تقاطعات الطرق اللانهائية.

إنه المسافر بلا منازع: أي، سجين الرحلة.

والأرض التي سوف يصل إليها مجهولة، مثلما هي – ما إن يهبط من السفينة – الأرض التي جاء منها. هو يملك حقيقته وموطنه فقط في ذلك الامتداد العقيم بين بلدين لا يمكن أن ينتميا إليه.

***

تخوم الموت اللامتناهية

الخوف، في مواجهة المدى المطلق للموت، ينتقل إلى الداخل في مفارقة متواصلة: الفرد يعطّل فعالية الموت سلفاً، ويجعله موضع سخرية باعطائه شكلاً عادياً وداجناً، بتجديده على نحو دائم في مشهد الحياة، ببعثرته عبر رذائل البشر وعوائقهم وعبثيتهم.

***

الكرة البلّورية

قال جيروم كاردان: «المعرفة، مثل الجواهر النفيسة، يجب انتزاعها من أحشاء الأرض».

هذه المعرفة، المتعذّر بلوغها، الهائلة جداً، يمتلكها المجنون. وبينما لا يفهم رجل العقل والحكمة إلا شظايا منها، فإن المجنون يحملها سليمةً مثل كوكب غير محروث. 

تلك الكرة البلورية، التي تبدو للآخرين جوفاء، هي في نظره متخمة بمعرفةٍ غير مرئية.

***

حقيقة الجحيم

من جميع النواحي، الجنون يفتن الإنسان. الصور الخيالية التي يولّدها ليست مظاهر زائلة تتلاشى على عجل من سطح الأشياء.

بتناقض ظاهـري غريب، ما ينتج عن الهذيان الأكثر غرابةً هو مسـتتر، مثل سـرٍّ، مثل حقيقةٍ لا يمكن بلوغها، في أحشـاء الأرض.

***

لم يعد يتربص

الجنون ليس مرتبطاً بالعالم وأشكاله الخفيّة والسريّة، بل بالأحرى هو مرتبط بالإنسان، بضعفه وأحلامه وأوهامه.

الجنون لم يعد يتربص بالجنس البشري عند أركان الأرض الأربعة. إنه يندسّ داخل الفرد.

*** 

العلامة الأولى 

الارتباط بالذات هو العلامة الأولى للجنون. وبسبب هذا الارتباط والتلازم يقبل الفرد الخطأ بوصفه صواباً، والأكاذيب بوصفها حقائق، والقبح والعنف بوصفها جمالاً وعدلاً.

***

العبور من غير إكراه

الضرورة، المكتشفة في القرن الثامن عشر، لتجهيز نظام خاص للمجنون، وأزمة الاحتجاز التي سبقت بفترة قصيرة الثورة الصناعية، هما متصلتان بتجربة الجنون المتاحة في الحاجة العالمية للعمل. لم ينتظر البشر إلى ما بعد القرن السابع عشر لإخراس المجنون، بل إنهم في هذه الفترة بدأوا في «احتجاز» أو «اعتقال» المجانين مع حشود من الهامشيين في المجتمع من ذوي العاهات والعاجزين والعاطلين والشاذين. إذا كان، في الجنون الكلاسيكي، شيء يتصل بمكان آخر وبأشياء أخرى، فليس ذلك لأن المجنون يأتي من عالم لا عقلاني حاملاً سماته، بل بالأحرى لأنه يعبر تخوم الوضع البورجوازي طوعاً، من غير إكراه، ويعزل نفسه خارج الحدود المقدسة الخاصة بأخلاقيات البورجوازية.

***

المعضلة

الاحتجاز كان ابتكاراً عرفياً خاصاً بالقرن السابع عشر. وقد اكتسب من البداية أهميةً وشأناً ميّزاه عن مفهوم السجن، كما كان يُطبّق في العصور الوسطى. لقد اكتسب قيمة ابتكارية كإجراء اقتصادي وتدبير وقائي اجتماعي.

لكنه، في تاريخ الجنون، سجّل حدثاً حاسماً: إنها اللحظة التي كان فيها الجنون منظوراً على الأفق الاجتماعي للفقر، وعدم القدرة على العمل، والعجز عن التواصل والاندماج في الجماعة. إنها اللحظة التي بدأ فيها الجنون يصنّف كأحد معضلات المدينة. إن المعاني الجديدة المنسوبة إلى الفقر، والأهمية الممنوحة إلى إلزامية العمل، وكل القيم الأخلاقية المرتبطة بالشغل، هي في النهاية وضعت حدوداً لتجربة الجنون وحرّفت مساره ووجهته. 

***

مادة للفرجة

في عصر النهضة كان الجنون حاضراً في كل مكان، وممتزجاً بكل تجربة بواسطة صوره أو خطورته. أما أثناء المرحلة الكلاسيكية، فقد كان الجنون معروضاً، لكن خلف القضبان.. حاضراً، لكن من بعيد، وتحت إشراف العقل الذي لم يعد يشعر بأية علاقة معه، أو تماثل. لقد أصبح الجنون مادةً للفرجة: لم يعد وحشاً داخل إنسان، بل حيواناً ذا ميكانيكية غريبة.. بهيمية كانت مقموعة منذ زمن طويل.

***

التخم الأخير

احترام الجنون لا يعني تأويله كمرض لا إرادي ومحتوم، وإنما الإدراك والتسليم بهذا الحد الأدنى من الحقيقة الإنسانية، الحد الذي هو ليس عرَضياً بل هو جوهري.

وكما أن الموت هو حدّ الحياة البشرية في مملكة الزمن، فإن الجنون هو حدّ الحياة في مملكة الحيوانية. 

***

ليس مجنوناً من يتخيّل

التخيّل ليس جنوناً. في اعتباطية الهذيان، حتى لو تجد العزلة المدخل الأول إلى حريتها العقيمة، فإن الجنون يبدأ فقط وراء هذه النقطة، حين يقيّد العقل نفسه إلى هذه الاعتباطية، ويغدو سجين هذه الحرية الظاهرية.

في لحظة استيقاظ المرء من حلم ما، يمكن أن يلاحظ: «أتخيّل أنني ميّت». هو بذلك يشجب وينظم اعتباطية الخيال. إنه ليس مجنوناً. يكون مجنوناً عندما يفترض، كتوكيد لموته، المحتوى الحيادي الثابت لصورة «إنني ميت». ومثلما الوعي بالحقيقة لا يُنقَل بواسطة حضور الصورة فحسب، لكن في الفعل الذي يحدّد أو يواجه أو يوحّد أو يفكك الصورة، كذلك الجنون سوف يبدأ فقط في الفعل الذي يمنح الصورة قيمة الحقيقة. 

***

اللبّ الخفي

الجنون يكمن وراء الخيال، مع ذلك هو متجذّر فيه بعمق لأنه يمنح الصورة مدلولاً عفوياً، وحقيقة كليّة مطلقة.

الشخص الذي يتخيّل أنه مصنوع من زجاج، ليس مجنوناً، لأن أي نائم يمكنه أن يحرز هذه الصورة في حلمه. الشخص يكون مجنوناً إذا اعتقد فعلاً أنه مصنوع من زجاج، وقرر – وفقاً لذلك – أنه هشّ وسهل الكسر، وأنه يجب ألا يُمسّ أو يتصل بشيء يسبّب له الأذى والكسر، وأنه ينبغي أن يظل ساكناً، بلا حركة طوال الوقت.

هكذا يفكر المجنون ويستنتج، وعلينا أن نلاحظ بأن هذه الأفكار، في حد ذاتها، ليست عبثية أو غير منطقية. على العكس تماماً، إنها تطبّق – بشكل سليم – أكثر مظاهر المنطق صرامةً ودقة. القياس المنطقي نجده عند الشخص الذي يضرب عن الطعام حتى الموت لأن «الموتى لا يأكلون. وبما أنني ميت، إذن لا ينبغي أن آكل». الاستقراء الذي يمتد إلى اللاتناهي، نجده عند الشخص الذي يعاني من وهْم الاضطهاد: «أ، ب، ت هم أعدائي. جميعهم من البشر، إذن كل البشر أعدائي».

والقياس الإضماري نجده عند شخص يعاني: «أغلب الذين عاشوا في هذا البيت قد ماتوا. إذن أنا، الذي عاش في هذا البيت، ميت». هذا المنطق المدهش، الذي يتبناه المجنون، يحاكي، على نحو تهكمي تماماً، منطق علماء المنطق، ويماثله بدقة تامة. إنه في اللبّ الخفي للجنون، في صميم الأخطاء العديدة، في الأمور العديدة المنافية للعقل، في الكلمات والإيماءات التي ليست ذات نتيجة منطقية.. نكتشف، في الأخير، كمال اللغة المستتر. 

***

نقيض ذاته

بمزاوجة الرؤية والعمى، الصورة والرأي، الهذيان واللغة، النوم واليقظة، النهار والليل.. فإن الجنون يصير، في النهاية، عدماً، ذلك لأنه يوحّد فيها كل ما هو سلبي. لكن التناقض الظاهري لهذا «العدم» هو «إظهار» نفسه، تفجّره في علامات، كلمات، حركات. وحدة لا تنفصم من النظام والفوضى، من الكينونة العاقلة للأشياء وعدمية الجنون.

الجنون، إذا كان عدماً، لا يمكن أن يُظهر نفسه إلا عن طريق الرحيل عن ذاته، وانتحال مظهرٍ في مرتبة العقل، وبالتالي يصبح نقيض ذاته.

– الاتحاد

شاهد أيضاً

هَوَامِشٌ عَلى دَفْتَرِ الشُّجُونِ التَّعْلِيمِيَّةِ

خاص- ثقافات *الدُّكْتُورُ بَلِيغ حَمْدِي إسْمَاعِيل ثمة إشارات عن النظام كمحنى إنساني جديرة بالاهتمام والتبصير …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *