الرئيسية / مقالات / الحبُّ خفيفاً ومرحاً

الحبُّ خفيفاً ومرحاً


*أمجد ناصر

«لقد علَّمتك كم ينجح قلم الحمرة في تحسين المظهر،

وإن أخفق الدم في توريد خديك، ورِّديهما بالفن،
وبالفن يمكن أن تسوّي طرفي حاجبيك الذابلين،
بينما تخفي لمسات التجميل الوجه الطبيعي.
أما الجفون غيرالمحتشمة فتستعمل خطوطاً من الكحل
أو الزعفران النامي على جانبي نهر كيندوس. 
لقد كتبت دليلاً صغيراً للتجميل،
لا حدود لفَعاليَّته، وإن كان قليلاً بالجملة.
وهناك وسائل لعلاج المظاهر الخربة يمكن تعلُّمها:
إن فنّي لا يتوانى حيث تكون الحاجة مُلِحّة».
هذه وصايا في التجمُّل والتجميل. ليست لمصفِّف شعر. ولا لخبير مكياج. إنها لشاعر. بل لشيخ شعراء روما «أوفيد» الذي نُفِي، حتى الموت، إلى أقتم بقعة في الإمبراطورية من دون أن يعرف معاصروه سبباً مباشراً لِنَفْيه.. أو على الأقلّ من دون أن يتَّفقوا على سبب لذلك النفي المُحيِّر. لم تكن تهمة «أوفيد» التجديف على الآلهة. قد تبدو نبرته ساخرة حول بعض طباعها، لكنه لم يُتَّهَم بالمروق أو بالكفر. مشكلته كانت مع الإمبراطور أوغسطس شخصياً. هكذا بدا الأمر لنخبة روما التي فوجئت بنفيه بأمر، مباشر، من قِبَل الإمبراطور، ومن دون أن يمرّ هذا القرار- كما هو معتاد في حالات كهذه على ما يبدو- بمجلس الشيوخ. فجأة يأمر الإمبراطور بحرق كتب الشاعر على الملأ، ويقرِّر نفيه إلى قرية شبه بربرية في رومانيا تدعى «توميس». مكان مظلم ينتظر فيه عاماً بعد عام عفواً إمبراطورياً لم يصدر قَطّ. لم يعرف أحد- على وجه اليقين- سبب نفي «أوفيد». ولكن، قيل إن كتابه «فن الحب» الذي أحرقه أوغسطس علناً (كانت هناك، لِحُسْن حظِّنا، نسخ لم تصل إليها يد الإمبراطور) هو السبب.
هذا الكتاب (تُرجم إلى العربية مرَّتين: الأولى قام بها ثروت عكاشة، والثانية قام بها علي كنعان) يكاد أن يكون دليلاً (GUIDE) لمن تلفحه رياح الهوى: كيف يصل إلى قلب الحبيبة، ثم كيف يحتفظ بها، وما هي الأساليب التي يتوجَّب على الحبيبة تعلُّمها للاحتفاظ، هي أيضاً، بالحبيب لا من خلال رمي السهام والرماح، كما يفعل الرجل، بل بالتجمُّل وإبراز أفضل خصالها النفسية والجسدية.. هذا دور «أنثوي» يسنده «الأستاذ» أوفيد لها.
الشاعر هنا أستاذ لا في البلاغة والأوزان الموسيقية، بل في فن الحب.
غير أنَّه الحبّ الخفيف المرح الذي لا تضحيات كبيرة فيه.
الحبّ الذي يقدر عليه ابن البشر لا أبناء الآلهة، ولا أبطال الأساطير.
إنه لا يشبه حبّ «بنلوبي» لـ «عوليس» الذي تقاذفته الحروب وأمواج البحار عشرين سنة ليعود إلى امرأته المنتظرة الصابرة. ولا حبّ «إيفادني» لـ «كابانيوس» التي صاحت قبل أن ترمي نفسها في المحرقة: خذني معك يا كابانيوس، كي يختلط رمادي برمادك!
هذه أكلاف كبيرة للحبّ في نظر أوفيد الذي يطرح نفسه معاصراً وابن زمنه الروماني المفعم بالمتع الحسّية والخفّة، لا ابن العصور الإغريقية وملاحمها.
لا يحتاج الحب- إذن- إلى هذه التضحيات التي لا قِبَلَ للمرء بها.
فهي تثير سخرية الشاعر.
الإحساس بما نسمّيه «الراهنية»، أي الانتماء إلى لحظته وزمنه، كان قويّاً جدّاً عند أوفيد.
فهو يقول: فليسعد غيري في اجترار ذكريات الماضي، 
أما أنا فهنيئاً لي لأني ابن هذا العصر الملائم لطبعي ومزاجي. كأن هذا ما قصده أبو نواس، بعد نحو سبعة قرون، عندما قال: 
قُلْ لمنْ يبْكي على رَسْمٍ دَرَسْ
واقـفـاً، مـا ضَرّ لو كـان جلــسْ؟
اتـركِ الـرَّبْـعَ وسَـلمى جـانـبـاً،
واصطبحْ كرْخيّة ً مثل القبسْ.
***
بيد أن أعمال أوفيد، حتى وهي تخوض في غمار الأيروسية، لا تتخلّى عن نبرتها الساخرة.
فهو يرى الطبيعة منحازة، أساساً، إلى المرأة، لا إلى الرجل. ففي حين تقسو على مظهر الرجل فيتساقط شعره كما تتساقط الأوراق عندما تهزّها الريح، تحتفظ المرأة بشعرها وتستطيع، إن ضعف أو بهت لونه، أن تصبغه بالأصباغ الجرمانية، بل يمكن لها أن تضع شعراً مستعاراً بلا خجل (باروكة يعني)!
________
*الدوحة

شاهد أيضاً

مدن أم عناقيد قرى!

*خيري منصور ما كتب عن مفهوم الملدنية ونشوئها في الغرب يندر أن نجد ما يماثله …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *