الرئيسية / إضاءات / من أين يأتينا الولع بالكتب؟

من أين يأتينا الولع بالكتب؟


*أحمد خلف

من الجميل أن نسأل أنفسنا قبل غيرنا: من أين يأتي إلينا هذا التعلق بالكتب ولماذا نحن دون الآخرين؟ بالطبع يوجد أكثر من رأي يخص هذا الشأن، ولعل من أبرزها التصور المعروف بين الأدباء والمثقفين؛ وهو: انعدام وسائل الترفيه والمتعة والتسلية في طفولتنا ومطلع شبابنا، لأن أغلب المثقفين العرب ينتسبون إلى الطبقة الفقيرة أو أبناء شغيلة. وأنا أتفق مع وجهة النظر هذه بدافع من طفولتي الخالية من وسائل الترفيه. نعم، كان الأمر كذلك إلى أن جاءت سارية المعرفة والشعر والجمال؛ أعني أستاذي في المرحلة المتوسطة في منطقة الكاظمية والشاعر مظفر النواب الذي قدم لي روايتين، هما: «وتشرق الشمس أيضا» لهمنغواي، و«أفول القمر» لجون شتاينبك، الأول علمني معنى الاهتمام والعناية باللغة القصصية، والثاني نبهني لسطوة النازيين الغزاة، وأظن أن من هنا تعلقت في مطلع شبابي بكتب أندريه مالرو ودخوله على مفهوم الحرية والمغامرة الإنسانية، وهو الذي قادني إلى كتب سارتر، والشغف الشديد بكل ما ترجمته بيروت والقاهرة للوجوديين الفرنسيين: سارتر، وألبير كامو، وسيمون دي بوفوار، وكذلك كافكا. في تلك المرحلة المبكرة، وقد أخذت بمقولة سارتر حول الالتزام والحرية في الاختيار، الذي نبهني لدستويفسكي، ووليم فوكنر الذي قرأت له مقولة، شاعت بيننا في ستينات القرن العشرين: «أنا أجدف عكس التيار لكي لا أشبه دستويفسكي». قرأت هذه العبارة الاستفزازية قبل أن أقرأ لفوكنر «الصخب والعنف»، أو رائعته القصصية «وردة لإيميلي». لكن في عام 1983 حصل لي حادث مروري أقعدني لثلاثة أشهر في البيت، قرأت فيها الروايات الأربع العظمى لدستويفسكي: «الجريمة والعقاب»، وكنت قد قرأتها مع ذكريات من بيت الموتى عام 1978، ثم رواية «الأبله»، و«الأخوة كرامازوف»، و«الشياطين». لكن دهشتي تمثلت بعد أن أغلقت الصفحة الأخيرة لرواية «الأبله»، وما تركته صفحاتها الطوال من أثر في نفسي وعقلي، ظننت أن هذا سيمحى تحت تأثير تقادم الزمن، ولكن هيهات! فقد انحفرت الصورة التراجيدية للأمير ميشكين في الأعماق البعيدة من روحي ووجداني حتى الآن، وحين قرأت «الغريب» لألبير كامو تذكرت جيدا العبارة التي قفزت من فمي تلقائيا: «ها هو الابن الضال» للأمير ميشكين، وخيل إلي لفترة طويلة من الزمن، أن كامو لم يكتب رواية «الغريب» ما لم يولع بدستويفسكي ولعا استثنائيا حد الهيمنة.. ترى، هل يكمن في دواخلنا ميشكين خاص بنا؟ أم هي مقدرة الروائي العظيم على خلق حوار إنساني عميق فيما بيننا وبين أبطاله المسحورين بالجدل والماورائيات؟ هذا الكاتب المأخوذ بالمسيحية، وبالسلافية، والتصدي للتناقض بين الأشياء في رواياته، ونحن إذ نعدد تلك الصفات إنما نريد أن نرسم له صورة قبل الإحاطة بصورة ميشكين الذي هو عنوان التناقض الصارخ على العذاب البشري: «وهناك الكثير مما يوحي بانقسام شخصية ميشكين، وكل ما نجده لديه من ازدواج هو برهان على بشريته وعدم كماله ومشابهته للناس المحيطين به». (موري كريفر من كتاب دوستويفسكي، تأليف: رينيه ويليك) أحسب أن دستويفسكي الذي رافقني أكثر من 50 عاما من القراءة وتعلم الدرس الأدبي، قد ترك أثرا بليغا على ما كتبته بدافع من تعلقي برواياته التي أعود إليها بين حين وآخر مثلما يحدو بي الشوق القديم إلى كتاب وروائيين آخرين، فألتمس العذر لنفسي إذا ما تأخرت في العودة إلى ستاندال وملفل أو هرمان هسه وتوماس مان ونجيب محفوظ.

أعود ثانية وأقول الأجدر بنا التوجه بالسؤال عن حقيقة ولعنا بالكتب إلى أنفسنا؛ إذ كلما قرأنا كتابا صار دافعا نحو قراءة كتاب آخر، كأننا لم نقترب من الكتب من قبل أو لم نكتب بعضا منها؛ حيث أصبحنا زملاء لأساتذتنا بكل جدارة وحق.
* قاص وروائي عراقي. من أعماله: «تيمور الحزين»، «خريف البلدة»، «خوذة لرجل نصف ميت»، «نزهة في شوارع مهجورة»، «الحلم العظيم»، «في ظلال المشكينو»، «موت الأب».
________
**الشرق الأوسط

شاهد أيضاً

حلم العالم في الترجمة

خاص- ثقافات حوار مع : هيلين كاردونا/ أجرته : اليسون وليامز/ترجمة وتقديم : خضير اللامي   …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *