الرئيسية / قراءات / مفلح العدوان في رواية العتبات: ذلك العاشق المتيّم بالمكان

مفلح العدوان في رواية العتبات: ذلك العاشق المتيّم بالمكان



د. ديانا رحيّل*

( ثقافات )


تبدو تجليات المكان ظاهرة جليّة في جلّ نتاج الكاتب مفلح العدوان، من قصص وروايات ومسرحيات، إضافة إلى مشروعه الضّخم “موسوعة القرى الأردنية” بجزأيه الأول والثاني. والمكان دون شك أحد أهم مكونات الانتماء وعناصر الهوية في وجدان الإنسان.
تأتي رواية العتبات للكاتب مفلح العدوان إضافة إلى أعماله السابقة، كدليل على اندماج الوعي داخل مجراها. فالعدوان يستثمر ذاكرة المكان الذي يمثل الشخصية المحورية، إذ تتأسس الرواية على فكرة مركزية المكان، وأن علاقة الجدل تنشأ بين المكان المركزي والمكان الهامشي الذي يدخل في مكان تأثيره، هي التي تحدد طبيعة العلاقة بين الواقع والخيال في داخل الرواية. ويتمثل المكان حاضرا بشخوصه ومآسيه وسطوته على مصائر ساكنيه.
يبدأ العدوان روايته بدليل لها ” هنا مخطوط يقرأ بثلاثة دروب، وأزمنة ثلاثة، وبعناوين موسومة بثلاث ترقيمات مختلفة، هي العربية، والهندية، واللاتينية، لكنها أحيانا تتوازى أحداثها، وقد تتداخل، ولسوف تلتقي كلها عند نقطة واحدة، كي يلتئم شمل السرد، ويستقر بوح العتبات”. فنحن أمام مدخل غامض ثري في الوقت نفسه، ينبئنا ولا يكشف لنا، يختلس شغفنا شيئا فشيئا ليغور بنا رويدا رويدا داخل متن الرواية.
في روايته يستنفر العدوان اللاشعور ليكون أكثر تسيّدًا في تتابع النص ومروياته، ذلك لأن التأليف الروائي اعتمد على توالي أنساق من السرد الروائي المتأرجح بين منطق الواقع ومنطق الخيال، إذ يتحول النص إلى مجموعة رؤى وتصورات تتداخل مع بعضها، ومع ما هو مستل من ذاكرة الموروث في إحالة السرد إلى شكل من أشكال الروي الذي ينسحب إلى مدخل تعدد الرواة.
كان تعامله مع المكان تعاملا ذاكراتيا، مرتبطا بفعل آني، وهذه المفردات المسترجعة عن المكان تجد لها متسعا من الحيوية والنماء وإعادة الحياة، ولا تقود إلى محدوديته، لأننا نرى انعكاس العلاقة الذاتية التأريخية مع تفاصيله، حيث تسفر عن ذلك الحالة الوجدانية المحركة له، مما يضفي على تلك العلاقة نبضا جديدا، وينمّي حالة تجديد لخصائصه.
فالمكان من منطلق كونه الحيز الذي يحتوي الشخصية، ومن مجموع العلاقات ضمن دائرته، يتشكل وعي الشخصية، إذ يكون منطقيا أن نعتبره مجازا شخصية فاعلة، لأنه يمثل ضربا من الفعل وانعكاساته، ويشير إلى مؤثر وتأثير. في هذا ينبغي النظر إلى المكان ليس باعتباره جغرافية فقط، بل يمكن اعتباره الجغرافيا الخلاقة، ومسمى عبر العلاقة الذاتية بين خصائصه وبناء الشخصية، إذ تلعب الذاكرة الفردية والجمعية صمام الأمان لحظة تحريك أجزائه ومفاصله، فالمكان هنا بقدر ما يعني خصائصه، فإنه يرتبط بالزمان، باعتباره المياة الجارية حوله، فالمكان والزمان في رواية العدوان يشكلان بنية متلازمة يكمل كل طرف منها الآخر. ومن هذا المنطلق يتطلب المكان فعلا جاريا فيما تستكمل الدائرة محيطها، فالفعل هنا يؤثر ويتأثر، ومن هذه الفعالية يستجيب المكان عبر الشخصية إلى نوع من الفعل ورد الفعل، مما يسفر عن نوع من الصراع الذي يولد حدثا.
” لم يترك الناس كهوفهم من قلة، فقد ازدحمت المغائر بذاكرتهم، تزايدت حتى لم تستطع تلك المساحات المحدودة أن تجمع داخلها الناس وقصصهم في ذات الوقت، كان صراعا مبطنا، مخفيا، وكل منهم كان يحتشد لهذه المعركة غير المعلنة، وكانت أقوى الحجج في تلك المعركة تمسك الناس بذكرياتهم هنا، وتمسك الذكريات بمادتها البشرية في المكان”.
إن ما يجري هو إعادة تأثيث المكان عبر نمط ذاكرتي، ومن هذا يكون المكان هو الكيان الاجتماعي الذي يحتوي على خلاصة التفاعل بين الإنسان ومجتمعه. “مشتاق لأن تأتي كي أخبرك بالإنفصام الذي أعانيه في القرية هنا. بالنسبة لي ما يحدث حولي ممتع، لأن العودة كانت خياري، كما تعلم، ولكن حجم الفوارق تتشابه عليّ في أم العرقان، فمرة أحسها غير موجودة وأنني أتوهمها، ومرة أخرى أجزم بأن حال الدنيا تغير كثيرا فيها، وتارة أستشعر شفقة نحو كل من حولي حتى أبي”.
لذا فالحيز هنا يشكل حاضنة لكل خصائص الإنسان وأفعاله وإرثه المادي والمعنوي، فهو بهذا الشكل التأريخ الأمين للناس وفعاليتهم، وهو الخازن لكل تجاربهم وطقوسهم وشعائرهم، فمن خلاله يمكن قراءة سيكولوجية ساكنيه، وطريقة حياتهم، وكيفية تعاملهم مع الطبيعة، بما تكشفه الذاكرة من مطابقات في ما هو موجود، ومفارقات في ما هو متغير،”لم يترك الناس كهوفهم من قلة، فقد ازدحمت المغائر بذاكرتهم، تزايدت حتى لم تستطع تلك المساحات المحدودة أن تجمع داخلها الناس وقصصهم في ذات الوقت، كان صراعا مبطنا، مخفيا، وكل منهم كان يحتشد لهذه المعركة غير المعلنة، وكانت أقوى الحجج في تلك المعركة تمسك الناس بذكرياتهم هنا، وتمسك الذكريات بمادتها البشرية في المكان”.
ان فعل الذاكرة يستدل بالشواهد ليثير ما هو كامن وخفي في العقل الباطن والذاكرة الجمعية، فعلى سبيل المثال نجد أن ما يثير هذا التذكر ” في قرية اسمها (ام العرقان) تغير مزاجها، وتحول عرف سكانها، واختلفت بيوتها، بعد زواج ابني من ابنة الوراق، بدلنا كهوفنا ببيوت حجرية، وسكنا صخورا نقلناها على البغال والجمال”، لكن ثمة ما يشير إلى تأريخه، هذه المفردات كفيلة بإعادة النشاط الرمزي للمكان باعتبارها حيوية مفترضة، ترضي الجانب النفسي وتوازنه.
ان مثل هذه الشواهد ترتبط بعلاقة مباشرة بالمخيلة الساردة، لأنها لا تمتلك قدرة إعادة تأريخ المكان وتشكيله في الذهن، الأمر الذي يعيد للحياة حيويتها. فهنا المكان هو الذي يشكل بخصائصه وتأريخه النص، وتأريخية نموذجه الإنساني باعتباره الهوية الذاتية الخالصة له، وهي هوية فنية بحتة تتحكم في صيرورته الداخلية، وذلك بنقله من حيز الواقع إلى حيز الفن النص.
فالمكان هو المكمن الأول أو الحاضنة التي من شأنها إنماء التذكر والاسترجاع، خاصة في العمل الإبداعي، فالاعتقاد بأن معرفتنا للشيء محدودة بالزمن لا تعكس إلا جزءا من هذا التصور، بينما الحقيقة أننا أمام درجات ومستويات من واقع المكان، أو الأمكنة المتوارية، وإن العودة إليها وإن اشترطت بالزمن، إلا أنها تجعلنا ندخل عملية يتم من خلالها استرجاع أحداث الماضي، أي الإمساك بحركة الزمن ضمن حيز المكان، “وهو لا يسترسل في الكلام إلا إذا كان الحديث منصبا حول ذاكرة (أم العرقان) عند هذه اللحظة يفتح كل منابع التاريخ التي يحفظها، ويبوح كثيرا، يتكلم بلا انقطاع، وبتفاصيل أحسده فيها على ذاكرته بعد هذا العمر”، “… لا بد لي من اكتشاف أهلي هناك، دهشت… زادت دهشتي عندما أخبرني عن قريته، والمذبحة التي حدثت فيها، وعن الكهوف التي صارت مقبرة، وعن جده الذي شهد تفاصيل تلك الدماء التي سالت، ويكره الكلام عنها”.
وأكثر ما يبرز في الرواية حدوث التغير على المكان الذي يستفز مشاعر نماذجه، ويعطل فعلهم ويعتور طموحهم. فالعلاقة مع المكان شابها التوجس والخوف من بعد العودة، بسبب صعوبة إقامة العلاقة معه، وهو على هذه الصورة من التغيير، مع اختفاء القيم والرموز التي اعتاد أن يقيم معها علاقة حميمة،” تغيرت القرية مذ خرجت منها، صارت عدة قرى داخل حدود، وعدة أزمنة، وبقايا أناس مختلفون لا رابط بينهم سوى الأجداد الأوائل لهم في هذه البقعة، وأنا حائر أحاول أن أستوعب ما حولي بعد أن عدت… لم أشعر أنني غبت طوي عن القرية، لكن ما حدث في هذا الوقت القياسي، يثيرني، فيصيبني إحساس بمرور مئات السنين، وليس سنوات معدودة”.
” … غلفت مسحة من الكآبة وجوه الحاضرين، ورنوا إلى هذا البناء الذي يتخيلونه قبرا للغرباء يريدونه بدل خيمة اختلفوا على لونها، وعوضا عن كهف احتاروا في ذاكرته، وتركوا كل هذا مؤثرين أن يبنوا قصرا يقصر أعمارهم”، وبنية العتبات تعمل على محور إعادة الصلة مع المكان من بعد العودة إليه.
إن حركة الشخصيات وردود أفعالها تتأثر ببنية المكان، خاصة متغيراته، وحسه التاريخي، وذلك بسبب ارتباط هذه النماذج معه بفعلين، هما فعل الحاضر، أي المكان حاضرا، وفعل التذكر، وهنا يظهر وجهان لذلك: فعل مرتبط بالمكان من حيث حالة التغيير الحاصلة عليه، وبهذا تحصل المقارنة الذهنية، وفعل يرتبط بصورة الماضي من منطلق توفر الحرية داخله وحوله في زمان مضى، وفي كلتا الحالتين يتوفر محرك في المكان، تلعب من خلاله الذاكرة دور المستنهض، والمؤسس لفعل الدفاع عنه باعتباره شكّل تاريخها وصيرورتها.
قرية أم العرقان هي الحيز الذي أخذ خصائصه من التعدد ليصب في مركز يشكل دلالة رمزية واحدة، هي الوطن، وهو البعد الكلي للدلالة، وهو المكان الأكبر، لأن وعي الشخصيات يتشكل من طبيعة المكان باعتباره وعاء وحاضنة، وما يهدد المكان هو الإمحاء القسري، خاصية المكان الأولى، أو تأسيس الطفولة. فالشخصية ترتبط مع المكان برباط الذاكرة، بمعنى إجراء مقارنة بين ما هو بالأمس، وما هو راهن، أي ملاحقة التغيير ومحو محتوى الذاكرة.
” أكثر ما يحيرني في أم العرقان هي جغرافيتها التي جمعت كل المتناقضات على امتداد مساحتها، حيث تتربع في الجزء الشرقي منها القرية الأقدم، مثل كهل عتيق، محتفظة بذاكرة تحيلها إلى الأيام التي كانت بيوتها كهوفا محفورة في الجبل، يسكنها الأجداد الأوائل، بينما يخدمها طريق صخري وحيد يخترفها، وتصطف كل الكهوف حوله. الطبقة الثانية من القرية هي تلك التي بنيت فيها بيوت الحجر والطين والتي جرى تشييدها بعد قصة تشبه الأسطورة حول نبع الماء الذي يتوسط البيوت. أما في الجهة الغربية من أم العرقان فهناك بيوتها الحديثة المشيدة من الحجر الأبيض، والزجاج، والبلور، تتوفر فيها كل أسباب الحياة العصرية، وفيها أشعر أنني لم أعد من المدينة …”.
إن تعدد مستوى الأزمنة فيها ارتبط بمستوى التوازن والسببية بين الزمان والمكان، يضاف إلى ذلك تشكل المكان كذاكرة، وهي إحالة المكان إلى الزمان، عبر ذاكرة فردية وجماعية.
فرواية العتبات تتناول النسيج الاجتماعي والطبيعة الطبوغرافية والملامح الانثروبولوجية للقرية، وتعطي وظائف جديدة لفن السرد الروائي، انعكس في قدرة واضحة في التمثيل السردي للمرجعيات التاريخية، واستثمار الإرث المحلي، وتحتاج لذاكرة معبأة ومحشوة بالتفاصيل. والرواية تخطف قارئها وتحبس أنفاسه وهو ينتقل بين عوالمها، وفضاءاتها المكانية المتباينة.

* ناقدة وأكاديمية من الأردن

شاهد أيضاً

رحلات في حجرة الكتابة

*إنصاف قلعجي هي ليست ” رحلات ” داخل حجرة، كتلك التي يختارها الكاتب لينزوي بين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *