الرئيسية / مقالات / ماذا لو زحفوا لإيقاظ هارون الرشيد؟

ماذا لو زحفوا لإيقاظ هارون الرشيد؟



شاكر نوري



لا بدّ أن السير مئات الكيلومترات على الأقدام، لنساء وشيوخ وأطفال وشباب في بغداد، دلالة رمزية على تعذيب الذات وتطهيرها من الذنوب، وهي تسعى إلى إرضاء لما عاناه ذلك الرجل القابع في ضريحه، لكنّ هؤلاء السائرين، وكأنهم في المنام، لم يسقِهم أحد السّم، كما حصل مع الإمام الكاظم، في ذكرى استشهاده السنوية، وهو لمن لا يعرف سيرته، الإمام موسى بن جعفر الكاظم (7 صفر 128هـ – 25 رجب 183هـ)، الإمام السابع ضمن الأئمة الاثني عشر الذين يرجع نسبهم إلى الإمام علي ابن عم رسول الله (ص)، وزوج ابنته فاطمة الزهراء، ووالده هو الإمام جعفر بن محمد الصادق، أحد أكبر فقهاء الإسلام في عصره. واستشهد الإمام الكاظم مسموماً في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد سنة 183 هجرية، بعد أن قضى جزءاً من حياته في السجن، وعاصر فترة حساسة من تاريخ المسلمين، وكنيته أبو الرضا، ومن ألقابه، الكاظم والعبد الصالح وباب الحوائج وسيد بغداد. 
المشهد الذي تتناقله الفضائيات العراقية في غاية السريالية: نساء ورجال يجهشون بالبكاء، عند سماعهم سيرة الإمام الكاظم، وهم يرتدون السواد الملطخ بالطين، تعبيراً عن حزنهم، لكنهم لا يجهشون بالبكاء على أنفسهم. يصاحب هذه المسيرة المليونية، حسب إحصاءات السلطة العراقية، مواكب تخدم الزائرين، وتوزع الطعام المجاني لهم، من دون مقابل، كسباً للأجر، كما هو شائع. مغامرة كبيرة يقوم بها هؤلاء، لأنهم قد يتعرضون في أي لحظة لمحاولات استهدافهم من “إرهابيين” انتحاريين. هؤلاء الناس الفقراء الذين يسكنون في أحياء بغداد، الأكثر فقراً، مثل مدينة الصدر والشعلة والشعب، وغيرها، هائمون في سديم الماضي، من دون أن يلتفتوا إلى الحاضر، كأنهم مخدرون بتراتيل سرمدية، آتية من القرون السحيقة، لا تهمهم أمور الكهرباء، ولا الضمان الصحي، ولا مستقبل أولادهم في المدارس، ولا التفجيرات التي تحصد أرواحهم ولا مؤامرات القادة السياسيين. ما يهمهم هو السير، على الأقدام العارية، إلى حيث ضريح الإمام الكاظم، ينهالون عليه بالقبل وتنكيس الرؤوس والعبادة، كأنهم اختاروا الطريق الأقصر نحو السماء، ومفاتيح الجنة في جيوبهم. وإذا كان هذا الطوطم ضريحاً يعود إلى نحو أكثر من ألف عام، فإن الطوطم الحيّ لا يزال يحرّك السياسة العراقية، فهو المرجع الأعلى، ذلك الرجل الطاعن في السن، والذي يحرّك الانتخابات العراقية وائتلافات الأحزاب الشيعية، بهزة خفيفة من رأسه. ذلك المجهول الذي يتحصّن بين أسوار النجف، ولا يستقبل القادة السياسيين، إلا بموعد مسبق، يكتفي بالاستماع إليهم فقط، على أن يصدر مكتبه، فيما بعد التعليمات المقدسة (قدس الله سرّه)! هؤلاء القادة السياسيون الذين يجيدون التمثيل، أحدهم يقوم بتحريك (الهريسة) في قدر، وهي الأكلة الشعبية التي توزع في مثل هذه المناسبات، ولا يذوقها أبداً. ولا يزال مجموع راتب عضو البرلمان العراقي 32 مليون دينار بين راتب اسمي، ومخصصات الحماية والسكن، ولا تقل رواتب الوزراء والمسؤولين والقادة الأمنيين عن ذلك.
الجموع، المليئة بالأنين والندم وتأنيب الضمير، سعيدة بالمرور من باب المراد، المهيب المؤدي إلى الضريح المقدس للإمام موسى الكاظم، كاظم الغيظ، يطرقونه، ويتلمسون القضبان المحيطة بقبره، الموشح بالأسود، رمز الحزن عند الشيعة، وهم ينكّسون رؤوسهم، ولا يرفعونها إلا لرؤية القباب الذهبية التي تزيّن قبره. 
لو فكرت تلك الجموع بأحوالها المزرية: لا ماء ولا كهرباء، ولا أمان، ولا آفاق، ومعظمهم يبحث عن طعامه في النفايات، في بلد ميزانيته السنوية أكثر من 140 مليار دولار، لزحفت بمليونيتها إلى مقر رئيس الوزراء، نوري المالكي، وبسطت أمامه أحوالها، ألم يكن يناصرها الأمام الكاظم ويدافع عن حقوقها؟ بماذا كان يجيبهم، لو نهض من قبره، هل ينصحهم بهذه الزيارة التي يقومون بها سنوياً لضريحه؟ لا تزال هذه الجموع تصغي إلى تعليمات المرجعية بضرورة انتخاب الأحزاب الشيعية، لأن فقدان سلطتهم يعني نهايتهم، وعودة الديكتاتورية. هكذا يلقونهم من دون أن يجيبوا عن تساؤلاتهم الوجودية. ماذا لو أوقف الزاحفون بالملايين مواكبهم دقيقة واحدة، وعصروا رؤوسهم بالتفكير في أنفسهم، بدلاً من إسناد مهمة التفكير في أحوالهم إلى قادتهم من الأحزاب الشيعية التي تقامر بمصائرهم في الغرف المظلمة، وتنسج المؤامرات والائتلافات والاتفاقات، من أجل بقائها في السلطة؟
أضرحة خرساء، تتنفس الجموع غبارها منذ أكثر من ألف عام، ولا نيّة لديهم في نزع وشاح السواد الحزين، من أجل أن يبتهج قادتهم بالغنائم المليارية وليست المليونية. ماذا لو زحفوا بالملايين لإيقاظ هارون الرشيد من قبره؟ لو فكروا قليلاً بإمبراطوريته المزدهرة، لأجهشوا بالبكاء على خرائب بغداد الآن. ولو نهض الإمام الكاظم من قبره، لطالبهم بالكف عن زيارته بالملايين، والبحث عن زيارة ضريح آخر، هو مقر رئيس الوزراء الدائم، نوري المالكي.

 -* روائي ومترجم من العراق يعيش في دبي
( العربي الجديد )

شاهد أيضاً

وزارة الثقافة المغربية تأكل أولادها!

خاص- ثقافات *محمد مقصيدي   هل وزير الثقافة المغربي على علم حقا بما يجري في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *