الرئيسية / قراءات / زينة عازار: شاعرة تنساق وراء غيومها

زينة عازار: شاعرة تنساق وراء غيومها


*عبد الكريم كاظم

أنا مكان رجع إلى إيقاع الأزمنة/ إنغبورغ باخمان

1
للكلمات أن تختار مكانها في النص الشعري …
غيمة للتوازن باكورة الاعمال الشعرية للشاعرة اللبنانية “زينة عازار” صدرت عن دار مخطوطات، وقد صمم غلاف المجموعة الشاعر ناصر مؤنس، جاءت المجموعة بــ(80) صفحة و(53) قصيدة. بهذا العنوان أو المعنى المرادف لعناوين أخرى فاجأتني القصيدة وهي ترى إلى المعنى الجمالي يتسع لفضاء الكلمة والدلالة، غير أن المفاجأة كانت بالنسبة للقراءة النقدية أكثر من انطباعات فنية أو لغوية، إنها تستهدف دلالات القصيدة، وتحلل بنيتها التعبيرية، أي أن تُظهر علائق التركيب بين الجمل والالفاظ من جهة، وبين فنية النص والقول الشعري من جهة أخرى، هكذا تقيم نصوص الشاعرة زينة عازار علاقة شبه متكاملة بين الوجود الإنساني والعالم، إلا أن تشكيلة هذه العلاقة تضع نصوصها في محيطها الجمالي كتتويج للمعنى وكصلة لا نهائية مع فنية اللغة، كما تقدم الشاعرة نصاً شعرياً جامعاً بين الأنا الفردية/ والأنا الجمعية بناء على معرفة بسيكولوجية الخطاب الشعري، إذ تكتب الشاعرة أيضاً كيفية قراءة الأنا الفردية في علاقتها مع الآخر لنجد، لاحقاً، أن الأنا عند زينة (محورية)، خصوصاً وهي تقول: (لم أخطط يوماً الاستمرار في التواجد/ جلّ ما أفعله مراقبة الأشياء وهي تبددني وأحياناً اشاركها الحصاد)، أما في القصيدة فهي (تآلفية) وتحديداً في هذا الجزء: (ثمة أصابع تكتب دائماً، غير آبهة بالعالم، رغبتك الدائمة في الاختفاء) ولا تسهب في كتابة المعنى، بل في إرساء القيمة الجمالية للمعنى وبالمقابل أيضاً فإنها ترصد ميزات النص الشعري الذي تكتبه ليبدو وتبدو في لغتها الشعرية أكثر إيحائية، وهذه الأخيرة تجعل القراءة النقدية ترى لضرورة البحث عن القيمة الفنية المجردة التي يمثلها الخطاب الشعري، بشكله الخاص، وجماليته وصدقه، أنه خطاب شعري مغاير لا مجال للحشو اللفظي أو الهذر البلاغي فيه، لنقرأ هذين المقطعين: (في هذا الجزء من العالم/ ماذا لو لم تكن حقا أنت)، (أنت لا تفهم شيئاً سوى أنك تسمع طرقاً في مكان ما حيث الحياة هشة وأنت لا تجرؤ على الالتفات).
تلجأ زينة عازار في نصوصها إلى التورية، وهذه الأخيرة، كما هو معروف، أداة لغوية مهمة لإحداث التمويه ووضع القراءة النقدية بين معنيين: أحدهما واضح والآخر ملتبس ولغايات جمالية أيضاً تجعل من النص الشعري نفسه بعيداً عن فجاجة اللغة السائدة أو المستهلكة، كما تلجأ أيضاً إلى تقسيم نصها الشعري، بقصد أو بدونه، لقسمين: أولهما مباشر وثانيهما غير مباشر، ومن هنا تعيدنا الشاعرة إلى (المعنى) و(معنى المعنى) عند الجرجاني، غير أنها لا تقف عند هذا المعطى المعرفي إذ تتضح جمالية نصوصها من خلال التحول إلى بلورة المعنى الأول الذي يتشكل حالما يبدأ دور معنى المعنى، وتأسيساً على ذلك لابد من استقراء خاص لخصائص النص الشعري، الذي تكتبه، ودوافعه لفهم معرفية الخطاب وأدواته اللغوية والرمزية والفنية وقدرته في توليد المعاني والدلالات، لنتأمل هذه العبارات الشعرية: (في ذاكرة الخشب قصة قديمة منسية تحت كرسي قديم أيضاً/ لكل إنسان شجرة مشابهة)، (كأن الآلهة تنام/ ترجئ آلام العالم ليوم آخر)، (كأنه السكون أصدق ما في النهايات).
2
الومضة الشذرية …
تتصف بعض نصوص زينة عازار بوتيرة واحدة نتيجة استقرار الأنا المتكلم في رسم حال واحدة هي الذات، وتدليلاً على أن الذات شبيهة بالكتلة الشعرية الواحدة أو الشذرة الملتفة بنواتها الإنسانية الخاصة لممارسة أقصى حالات الحرية فيتكرر المعنى بتماثل أسلوب الكتابة الشعرية مع الذات، من هنا تصبح اللغة مجالاً للخلق الشعري مثلما تبدو الذات وجهاً لهذا الخلق الذي يتشبث بالمعنى مثلما يتحين الفرصة للوصول إلى الدلالة الزاخرة بالالفاظ المتماهية مع الذات الانثوية المحلقة في الهواء الطلق أو في فضاءات النص الشعري، وقد تلمسنا الوتيرة التي تستمرئ مع الأنا في هذه المقاطع: (كلانا سائلٌ ذوبته المسافات/ نحن الذين من نهر واحد/ كلانا أحب فانزلق وانتهى)، (كنت أفكر في هذه الزاوية/ حيث يكتمل ذَرفُ العالم ومرور العديد من الغرباء/ في مكان قَصيّ الأثر/ في نقطة تشبه الألم/ وأنا السائر بينهم بلا طريق/ بلا مسافة/ بلا احتمال). الصورة الشعرية، لدى زينة، بمختلف أشكالها صناعة جمالية محضة، لأن مجرد التقاطها، نقدياً، يخضع إلى حركة ذهنية تنحدر من مرجعية لغوية وفنية ورمزية أو تجربة معينة، ثم ان طريقة التقاطها مرتبطة بجمالية المعنى، والجمالية، كما أشرنا مرة في قراءاتنا النقدية للشعر، فعل معرفي بدرجة أولى، وبالرغم من كون الصورة الشعرية مرتبطة بالمخيلة، فهي لا تخلو من التعبير الرمزي الذي هو بمثابة الشواهد الدالة على خصائص الكتابة الجمالية التي تميّزه، من هنا أيضاً يتبيّن لنا أن الصورة الشعرية حاضرة في النص وخالية من وجود علامات لغوية فائضة ولا تفضي إلى مدلول معين. ثمة ومضات شذرية تتماهى مع العلامات اللغوية التي توصلنا إلى الطبيعة الجمالية المقابلة للدلالات الراسخة في الشكل الفني، وهذه الومضة الشذرية تتعلق بصناعة المعنى، وبهذا تكون قابلة للتواصل اللغوي، وعملية التواصل (ستتآلف مع عبارات دلالية متمثلة بالمعنى)، حسب تعبير الناقد الفرنسي رولان بارت، وأن حقيقة هذه الومضة، بوصفها التقاطة جمالية أو خلجة أو شذرة وانتباهة مدهشة، لم تنشأ إلا مع الصورة الشعرية الموجزة التي تقترن بالبصيرة كما جاء في عنوان أحد نصوصها (يسهرون بعيون معلقة).
الكتابة الشذرية، تعصب لغوي، لها مدلول مختلف، وهي لا توحي بمنطق جمالي وحسب بل فني ورمزي يتحرك على قاعدة الإيجاز، كما أن مدلول الكتابة الشذرية يرتبط بصلات القربى اللغوية مع المعنى الذي يمهد لانفتاح الدلالة على تفسيرات أو تأويلات نقدية مختلفة، وقد يجنح البعض إلى ممارسة الكتابة الشذرية نتيجة جنوح المخيلة أيضاً، لنتأمل هذه الومضات الشذرية: (يسهرون بعيون معلقة على أرصفة الكلام)، (لفهم لغة الريح والأرصفة والأشجار التي لا يزيدها الليل عتمة)، (بالرغم من غياب الوجهة، تأخر الوقت في حياة وجدتها شاغرة).
كل شيء، على مستوى الشعر، لدى زينة عازار أحجية وكل شيء لديها له معنى، بالنسبة للنص الشعري، ليس سوى وسيلة، الهدف هو دائماً المعنى الجمالي والفني واللغوي، ويمكن لنا أن نلمس بوضوح صدى هذا الكلام في نصوصها المعنونة (قمر جوّال)، ففي هذه النصوص تتبنى الشاعرة هذه النظرة وتعطيها مضموناً أكثر جمالية وهي ترد الفرق بين المعنى والدلالة إلى فرق في الجمالية، بشكل أساسي، وتضع، أيضاً، في النص أوجه التقارب، كما أسلفنا، بين المعنى ومعنى المعنى، غير أن فكرة المعنى الجمالي هذه تأخذ عند زينة طابعاً متقارباً بين الحياة والموت أو الزمان والمكان وهذا الطابع محكوم بجمالية النص أيضاً وبقدرته على تعميق التماهي بين الحياة والموت من جهة وبين عالم الشاعرة من جهة أخرى، إذن فالنص لا يكتمل إلا بالمعنى الجمالي المرتبط بذاتية تدفعه دفعاً نحو الحياة، لنقرأ بعض المقاطع من قمر جوّال: (وأنا لمرة واحدة دخلت الحياة ونزلت فيها بحركة بديهية)، (كأن الحياة تمضي غصباً عنها في الحجرة/ لا شيء يتغير في الأرجاء سوى اختيار الموت)، (ربما أنا وحدي التي محت اسمها عند انتهاء القصيدة)، (سأضع في الغد إمضائي على الزجاج وأمضي خالية من حبر الجحيم). 
من هنا يمكننا القول أيضاً أن الكتابة الشذرية تستطيع أن تصل إلى تفسير الدلالة، وما يصنعه المعنى من اتصال وتوصيل، على أن الأمر سيكون عملية فنية استخلاصية وليست تذوقاً واستمتاعاً شعرياً أو تفسيراً وحسب .
3
نصوص في الهواء الطلق …
لا تفسير يقع خارج محيط المعنى الشعري، لذلك لا تسعى القراءة النقدية، أحياناً، إلى شرح النصوص بمعيار اللغة وحسب، بل بمقياس التشظّي الفني المتصل باللغة وبوحداتها الدلالية. ثمة دلالات لغوية تمنحنا مساحة أكبر لتأويل النص الشعري أو إعادة صياغته على مستوى المعاني، وبهذا أيضاً تبقى اللغة لصيقة بفضاء النص ودلالته بالرغم من وجود بعض الإشارات الرمزية والتي لا تمنعنا من تلمس جمالية المقاطع أو معاني العبارات الشعرية .
ثمة سؤال نقدي حول مجمل نصوص هذا الديوان: كيف يتسنى للكتابة الشعرية التماهي مع الذات؟ إن الإجابة على هذا السؤال ترتبط بالمناخ النفسي الذي خلقته التجربة لتزيد الذات الشاعرة قلقاً على ما يجري في طبيعة اللغة الشعرية نفسها، فليس هناك أدنى شك في حاجة كل شاعر/ة إلى التجربة المتصلة بنظرته الخاصة إلى اللغة وإلى كيفية توظيفها جمالياً. إن تجربة، زينة عازار في باكورة أعمالها الشعرية، أنها كُتبت، على ما يبدو لي، في ظل مناخ جمالي مفتوح وذاتي ضيق سيطرت عليه المعاني والدلالات والرموز، لنقرأ هذه العبارات: (أمسخُ آلاماً لم أشف منها)، وكذلك (النافذة بجانبي ترى وتسمع عني).
ثمة إشارة أخيرة تتعلق بتسلسل النصوص: بقدر ما يتوضح المعنى الجمالي بقدر ما تبقى النصوص عارية، وهذا العري يكسبها قيمة فنية مضافة، ونقصد بالعري هنا هو غياب العناوين، ولأن الشاعرة لا تتعاطى، في نصوص هذه المجموعة، مع العناوين، بل مع الأرقام التي تصل إلى (53)، وغياب العنوان هنا يبدو كتقطيع درامي للنص أو كوسيلة فنية تقول المعنى، ولعل ذلك، أيضاً، ما يبرر غيابه، يبقى هذا الموقف من العناوين معبراً عن حرية الشاعرة في اختيار الأسلوب الذي ترتاح إليه ويتلاءم مع ميولها الشعرية ونهجها في الكتابة .
________
*العالم الجديد

شاهد أيضاً

“غزة: التاريخ الاجتماعي تحت الاستعمار البريطاني” لأباهر السقا

خاص- ثقافات صدر حديثاً عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية كتاب “غزة: التاريخ الاجتماعي تحت الاستعمار البريطاني، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *