الرئيسية / إضاءات / ساندور ماراي يقتفي آثار «كازانوفا في بولزانو»

ساندور ماراي يقتفي آثار «كازانوفا في بولزانو»


لنا عبد الرحمن *



ما الذي يمكن قوله في عمل روائي عن العاشق الأشهر في التاريخ كازانوفا، الذي تنطوي سيرته على حكايات وأسرار فيها من الثراء والبعد الإنساني ما يحفز بصدق على الكتابة!

ربما تأخر القارئ العربي في معرفة الكاتب الهنغاري ساندور ماراي، الذي كتب رواية «جمرات» وتعتبر عمله الأشهر. ولد ساندور ماراي عام 1900 وكان من أشد المعادين للحكم الفاشي، واشتهر بكونه أحد أهم الروائيين الرواد في المجر. صدر له مؤخرًا عن دار التنوير رواية «كازانوفا في بولزانو»- التي نشرت للمرة الأولى في بودابست عام 1940- وقد نقلت الرواية إلى العربية بترجمة رشيقة لإيمان حرز الله.

tnw9f

كتب ساندور ماراي روايته هذه في عدة فصول، متابعًا رحلة كازانوفا وهروبه عام 1756 من سجن الليدز في البندقية، ليصل بمظهر بائس ورثّ إلى بلدة بولزانو، ورغم هذا تبدأ مرحلة أخرى من مغامراته؛ ليكون الشخص الذي عرفه التاريخ كازانوفا المغامر، زير النساء الشبق، المقامر، الجريء، المتسلط والكاتب أيضًا، الذي لم يمنعه مظهره المتشرد وفقر حاله بسبب هروبه من السجن، من أن يذهب إلى فندق فخم، وأن يقيم فيه مدعيًا بأنه رجل مهم.

يكشف الكاتب بسرد مشوق عن حكاية سجن كازانوفا، بسبب غرام «فرانشيسكا» به، وهي فتاة يافعة تزوجت من دوق بارما العجوز المتسلط الذي يدرك جيدًا أنها ما تزال تحب غريمه كازانوفا حين يعثر على رسالة غرامية تكتبها له.

لكن ساندور ماراي لا يكتفي بسرد حكاية بطله ومغامراته، بقدر ما يلقي الضوء على ما تركه من أثر في حياة الآخرين. لنقرأ هذه الفقرة: «هذا هو السر عزيزتي، هذا كل شيء: ليس ثمة خدعة، الأمر دائمًا بهذه البساطة. كلمسة شخص. لقد لمستني حين دلفت الغرفة. أظن أحيانًا أنّ هذا هو أكثر أشكال التواصل غموضًا. هل تسارع قلبك قليلاً؟ هل يحمر وجهك ؟ أنت تعلمين جيدًا أنه ليس بإمكانك الذهاب الآن. اقتربي، عودي حيث كنتِ» (ص 42).

تطرح الرواية تأملات في الحب والجسد، وطبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة، ورغم النبرة الدرامية في النص، إلا أنّ ثمة نزعة إلى السخرية تصل حدّ العدمية تحكم النص منذ البداية.

لعلّ أكثر الفصول المثيرة للمخيلة في الرواية، والتي تتضمن عمقًا فكريًا، الفصل الذي تضمن حوارًا بين كازانوفا والراهب بالبي، حيث يتحدث كازانوفا عن رؤيته للحياة والكتابة، عن تأملاته فيما يظل من الإنسان بعد تلاشي الرغبات، والأحلام، والطموحات، حيث لا يبقَ منه إلا الكلمات يقول:

أؤمن بالقدر، أجاب بلا تردد، بأقدارنا التي نصنعها لأنفسنا، ولذلك نتقبلها. أؤمن بالحياة، بتعددية الأشياء التي في نهاية المطاف، وعلى نحو ما إعجازي تصل لانسجام. أؤمن بالحب ودائرة الحظ. وأؤمن بالكتابة لأن قوتها تفوق القدر والزمن. إن كل شيء يذهب، ما نفعله، وما نرغب فيه، وما نحبه، وما نقوله، النساء العلاقات. يتراكم تراب الزمن على كل ما فعلناه، كل ما أثارنا ذات مرة. لكن الكلمات وحدها تبقى. كما أقول لك أنا كاتب…يدهشني أن أجدني كاتبًا، ليس لدي حيلة تجاه الأمر بالبي ليس بوسعي شيء فيه، لذلك أتوسل إليك أن تحفظ هذا الأمر سرًا لأنني لا أحب أن أتفاخر وأتشكى في آن واحد.

تحضر شخصية فرانشيسكا -محبوبة كازانوفا- في الرواية لتمثل القوة الأنثوية للحب، ففي موازاة رؤى كازانوفا للشغف والجسد، والعاطفة، تقف فرانشيسكا على الجهة الأخرى لتصف إيمانها الكامل بطاقة الحب التي تتجاوز الزمن، والفراق، والأقنعة النفسية التي يضعها الإنسان على ذاته كي تحول دون مشاعره الحقيقية، تمضي فرانشيسكا في تحليلاتها ليس فقط عن أحاسيسها هي بل تقدم ما تراه عن الأحاسيس الأعمق للمرأة قائلة: «حذار من أن تهدي المرأة التي تحبها مرآة، لأن النساء يستطعن في النهاية معرفة أنفسهن في المرايا». إنّ هذه المعرفة التي تحكي عنها محبوبة كازانوفا لن تصل إليها بسهولة، بل بعد صراعات مريرة مع مشاعر متضاربة، وحياة قلقة مع زوج عجوز لا تحبه، بينما قلبها مع رجل آخر تخلى عنها ومضى بعيدًا، وهي تواجه مشاعر الحب، والكره، التخلي والفراق، في وقت واحد. لذا يبدو الفصل الذي حمل عنوان «عرض الضيف» وفيه تكشف فرانشيسكا عن معاناتها، من ضمن أكثر الفصول ثراء وقدرة على وصف التشابكات النفسية والعاطفية في داخل المرأة العاشقة، أو المنشطرة بين حياتين، ورغم هذا تستعين بقوة الحب في داخلها للمواجهة، تتنكر بزي رجل وتأتي لتواجه كازانوفا، تبحث عنه كعاشقة أضناها الوجد، لنقرأ: «أنت الرجل الذي منحته لي أقداري وأظل أنا المرأة التي منحتها لك أقدارك، نحن معًا كالقاتل والضحية، كالمذنب والذنب، كالفنان وفنه…سامحني إن كان حبي لك كثيرًا. أنا أعرف أن هكذا حب ذنب عظيم..أعلم أنني سأنتظرك للأبد، وأينما يكن لي فراش فتأكد أن لك عليه وسادة».

لكن كازانوفا يقاوم هذا الحب الكبير، ليس لأنه ملتزم بالوفاء بوعده لزوجها دوق بارما، بأن لا يقترب منها أبدًا، بل لأنه يخاف وهج الحب وناره.

يختم ساندور ماراي روايته برسالة يمليها كازانوفا على رفيقه الراهب بالبي ليكتبها إلى دوق بارما، رسالة صاخبة بالمشاعر الجياشة نحو فرانشيسكا، لكنها في الوقت عينه تكشف كل ما بينهما من حب عميق، هكذا بكلمات بسيطة وصادقة يُفضل كازانوفا وحدته الداخلية على التوحد في الحب، ووجود كيان آخر برفقته.


ساندور ماراي (ترجمة: إيمان حرز الله)

دار التنوير (2013)

220 صفحة

السعر: 10 دولار

* روائية من لبنان تعيش في مصر

شاهد أيضاً

ثلاثة كتب نقدية لثلاثة روائيين

*د. ماهر شفيق فريد ليس من النادر في تاريخ الأدب أن نجد روائيين وكتاب قصة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *