الرئيسية / إضاءات / الحلم في أرض الكابوس

الحلم في أرض الكابوس


*أمير طاهري

كما كان متوقعا، أثار المهرجان الشعري غضب نظام الملالي، والأجهزة الأمنية التابعة له؛ فقد وصفت صحيفة «كيهان» اليومية – التي تصدر تحت إشراف «المرشد الأعلى» علي خامنئي – المهرجان باعتباره «وكرا يتآمر على الإسلام».

في كل ربيع تستضيف إيران مهرجانا للشعر يشارك في حضوره الآلاف من كافة أنحاء العالم من عشاق الشعر. وكان من المفترض أن يكون لمهرجان هذا العام – الذي انعقد في وقت مبكر من هذا الشهر – طابع خاص: حيث ألقى الشاعر يد الله رويائي – أحد أكثر شعراء «الموجة الجديدة» في حقبة ما قبل الثورة الشعبية – مجموعة من قصائده. وجدير بالذكر أن رويائي، الذي يبلغ من العمر 28 عاما واسمه معناه «الحلم»، كان في المنفى في فرنسا لعدة عقود، ووافق على الدعوة التي وُجهت له لحضور المهرجان من أجل تقييم سياسة الغلاسنوست Glasnost (تعني المصارحة والمكاشفة) التي ينتهجها الرئيس حسن روحاني.
بدأ مهرجان هذا العام في ظل أجواء من السخط، نظرا لإعدام هاشم شعباني، شاعر شاب من منطقة الأحواز، فضلا عن اعتقال شاعرين آخرين من محافظتي بلوشستان وجيلان. ورغم الوجود الأمني الكثيف، تم توزيع ساميزدات (كتيبات صغيرة) تتضمن بعض القصائد الأخيرة التي كتبها شعباني، على المشاركين في المهرجان. وفي إحدى القصائد، تنبأ شعباني بإعدامه. يقول:
لست متأكدا بأي طريقة ينوون قتلي
كل ما أنا متأكد منه أنهم ينوون قتلي
أنكروا علي الضحك والموسيقى،
أخذوا حصتي من ضوء الشمس،
صادروا قلمي ودفتر كتابتي
والآن، يخططون لسرقة جدران هذه الزنزانة التي
خربشت عليها بيتا أو بيتين من الشعر
هناك ألف طريقة لقتل رجل
وكما كان متوقعا، أثار المهرجان – الذي نظمه عبد الجبار كاكايي – غضب نظام الملالي، والأجهزة الأمنية التابعة له؛ فقد وصفت صحيفة «كيهان» اليومية – التي تصدر تحت إشراف «المرشد الأعلى» علي خامنئي – المهرجان باعتباره «وكرا يتآمر على الإسلام».
وكان من الواضح أن هذا الادعاء ليس له أي أساس من الصحة؛ فمن بين آلاف القصائد التي تم إلقاؤها هذا العام، كان هناك عدد قليل من القصائد يدور حول موضوعات دينية. ومن وجهة نظر خامنئي، فإن الأسوأ من ذلك، عدم إعداد قصيدة واحدة لمدح قيادته.
اعتاد الشعر الفارسي على مدى أكثر من 1000 عام على التناول الحر للموضوعات الدينية والموضوعات المعتادة في العمل الفني والأدبي دون أن يتحول ذلك لشكل من أشكال الدعاية. وفي بعض الأحيان، سخر الشعر الفارسي أيضا من هؤلاء الذين يتاجرون بتقواهم وورعهم.
الأمر الذي أثار غضب خامنئي – الذي يعد من عشاق الشعر وهو شاعر بالسر – أن الجيل الجديد من الشعراء يعارضون علنا الرواية الرسمية المتداولة حول الثورة، والحرب المقدسة، وإقامة «مجتمع إسلامي مثالي». ومن أمثلة ذلك ما ألقاه ماجد كريمي:
القمر الأحدب فوقنا يسخر منا
وهو يرى أرض الظهور المكسورة هذه
حيث كانت عبادة الجمال مرة هي الإيمان
الأقبح يحكم الآن الأسمى
وهذا مثال آخر لما ألقاه أحمد أمير خليلي، مشيرا إلى الحرب الإيرانية العراقية:
ما أزال أدفع ثمن تلك الحرب التي
سميتها حربا مقدسة
نحن كلانا ضحية تلك الحرب
وفي قصيدة أخرى، ألقى رضا جوادي صرخة يأس:
لا أملك شيئا ليأخذوه
لا شيء.. فلا شيء مُنحتُ،
لا شيء مُنحتُ..
كل شيء كان دَيْنا
هذه اللحظة، هذا اليوم، هذه الحياة
وأثارت شاعرة غضب أنصار الخميني، بشكل خاص، وهي الشاعرة مريم بهروزي، التي يعبر شعرها عن النسوية المتحررة، الذي يردد صدى شعر الراحلة فروغ فرخزاد، أحد الأدباء البارزين في الستينات. وما يلي سطور قليلة من قصائد بهروزي التي ألقتها في مهرجان الشعر:
لست على ما يرام هذه الأيام
أبكي منتصف ضحكتي،
وفي الليل، أخاف
أن أحاول الانتحار،
فأربط يدي بالحبال
وفي النهار أفقد شهيتي للأكل،
ما عدا حبوبا مرة الطعم.. لتوقظني
أهيم.. أهيم مع ذكرياتي
وأنت تدفع بي
وكان هناك حنين كبير لعصور ما قبل الثورة، ولا سيما في قصائد الشعراء، الذين لم يكونوا قد ولدوا في ذلك الوقت. وإليكم إحدى تلك القصائد التي ألقاها إحسان رشيدي ميهرابادي:
علينا أن ننعش ذاكرتنا،
علينا أن نعود إلى الماضي بأي طريقة ممكنة،
علينا أن نرخي عقد أحجبة رؤوسنا
تعالي، دعينا نتحدث بأعيننا،
حديثا خاصا،
بعيدا عن الآذان المخفية
وكان دائما الحب يمثل موضوعا رئيسا في الشعر الفارسي، ولكن في هذه الأيام أدت أبسط درجات الانحراف عن القواعد الصارمة التي تحكم سلوك الرجل والمرأة إلى اعتبار أي تعبير عن أي شكل من أشكال الحب خارج إطار الزواج التقليدي يعد – إن لم يكن جريمة – على الأقل «إهانة للثورة»، ولكن الكثير من القصائد التي ألقيت هذا العام تخالف بشكل علني هذه القاعدة.
وما يلي مثال لما ألقته الشاعرة الشابة يلدا أنغلي:
شخص ما يجلس قبالتي، محتلا مكانك
شخص عيناه مليئتان بالحياة
تذكر كم سألتك من قبل: «هل سيبقى أمل بعدك؟»
الآن أعرف أن هناك مأدبة بانتظاري،
وأن جلطة دموية ستقتل أحزان الماضي
وأخيرا، ففي الكثير من القصائد نجد إشارة توحي بالتحدي.
ومن أمثلة ذلك، ما ألقاه عباس فوماني:
ما الذي تستطيعون أن تفعلوه أكثر مما فعلتم؟
من ستقتلونه؟
أي كذبة ستنشرونها؟
أي شجرة ستقطعونها
لتنصبوا مشانق أكثر؟
ترجم القصائد عن الإنجليزية فاضل السلطاني.
________
*الشرق الأوسط

شاهد أيضاً

خليل حاوي في غربته المتمادية

*شوقي بزيع ليس بالضرورة أن تكون نصوص الشعراء مطابقة لطرائق عيشهم أو لسلوكهم الظاهري. ذلك …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *