الرئيسية / فنون / ونيس وثقل المعرفة

ونيس وثقل المعرفة




*د. دينا عبد السلام

( ثقافات ) 

“أقف أمام هذا الجبل عاجزا، 
يملؤني صمته بالغضب وأنا لي نصيب فيه”
استوحى شادي عبد السلام فيلمه “يوم أن تحصى السنين” والمعروف بـ”المومياء” من وقائع اكتشاف خبيئة المومياوات بالدير البحري في العام1881، حيث اتخذ شادي من هذا الحدث التاريخي، وهو خروج ما يقارب من الأربعين “تابوت” من سفح الجبل، لبنة أعاد صياغتها فنيا ليقدم طرحه الخاص عن مأزق الإنسان المصري. 
البعث هو مبتدأ الفيلم: “لك الخشوع يا رب الضياء، أنت يا من تسكن في قلب البيت الكبير، يا أمير الليل والظلام، جئت لك روحا طاهرة، فهب لي فما أتكلم به عندك، وأسرع لي بقلبي يوم أن تتثاقل السحب ويتكاثف الظلام، أعطني اسمي في البيت الكبير، وأعد إلى الذاكرة اسمي، يوم أن تحصى السنين”. 
هكذا يبدأ الفيلم، حيث يتم ترديد مقطع من إحدى تعاويذ كتاب “الخروج في النهار”، والمعروف بكتاب الموتى. الروح لا تعود للميت إلا إذا تعرفت على اسمه، فهويته مرتبطة باسمه، تعود ساعتها إليه فيبعث من جديد ليحصي السنين. يجتمع بعض مفتشي وعلماء الآثار حول هذه البردية الجنائزية التي ظهرت في أسواق تجارة الآثار. يشير ظهورها إلى وجود مقابر مجهولة للأسرة الحادية والعشرين، لا بد وانه اكتشاف جديد في طيبة لا يعلمون عنه شيئا. تبدأ من هنا رحلة الكشف عن الخبيئة الجديدة، وتبدأ معها رحلة اكتشاف الهوية. الموسيقى مهيبة تبعث على القلق، والشخصيات تتحدث الفصحى، وإيقاع الفيلم متمهل، ما يشعر المشاهد من الدقائق الأولى للفيلم بأنه أمام عمل مختلف، له لغته ومفرداته الخاصة. 
وتقوم الحبكة على الصراع النفسي الذي يعتمل داخل ونيس بطل الفيلم بعد وفاة والده، فحين يموت سليم والد ونيس وسيد قبيلة الحربات، يحين موعد توزيع الميراث، فيأخذه أعمامه إلى جوف الجبل حيث الخبيئة التي لا يعلم مكانها أحد سوى أسياد قبيلة الحربات التي استوطنت الجبل منذ خمسة قرون، فلا سكان الوادي يعلمون بأمر الخبيئة ولا مفتشو هيئة الآثار أو “الأفندية” كما يطلق عليهم سكان الجبل. يرونهم “أفنديه” كونهم يرتدون البدل والطرابيش، ويأتون من القاهرة على متن السفن في رفقة العساكر المدججين بالسلاح، ولكن الأهم أنهم يرونهم غرباء، متطفلين عليهم، ولذا يفضلون عليهم أيوب ذلك التاجر الذي يشتري منهم آثار الأجداد مقابل المال الذي يتعيشون منه، فالأفندية لا يدفعون لهم شيئا، بل ينقبون عن آثار الأجداد ويأخذونها لعرضها في متاحف القاهرة. 
ولكن حين يرى ونيس وأخوه توابيت الأجداد أمامهم في بطن الجبل، تأخذ الأمور اتجاها مغايرا، فأخوه يرفض الاسترزاق من الأموات ويجدها تجارة بغيضة، يفصح عن رأيه ويجاهر به، فتسخط عليه أمه، فلقد انقلب على دين أبيه وقبيلته، تقول له: “ملعونة حقيقتك وملعون أنت”، يبدو جليا أنها لا تريد أن تزعزع الثوابت التي تؤمن بها، ولا تريد أن تعرف حقيقة مغايرة لما تربت عليه. صار وجوده مقلقا، فيقتله عمه لأنه لم يعد يؤتمن على سر الخبيئة. أما ونيس فيبدو تائها حيرانا، يشعر بأن ثمة خطأ ما، يشعر بثقل المعرفة، وما يتبعها من مسئولية والتزام، ويرى أن علمه بمكان الخبيئة “ذنب، والجهل به ذنب أكبر”، صار يئن تحت نير المعرفة. الجهل بالأشياء دائما أسهل، أما المعرفة فيتبعها الألم، مما يذكرنا بمأساة “أوديب ملكا” لسوفكليس، إحدى أهم كلاسيكيات الدراما العالمية، والمستوحاة من أسطورة إغريقية قديمة يعتقد أن لها أصول مصرية، فلقد قتل أوديب أباه ولم يكن يعلم أنه أبوه، وتزوج بأمه ولم يكن يعلم أنها أمه، عاش ردحا من الزمان هانئا قرير العين، ولكن حين تكشفت له الحقيقة، شعر بوطأة المعرفة، وظلت جوكستا (أمه وزوجته في آن) تثنيه عن إصراره على التنقيب عن الماضي، فهي تعلم أن المعرفة يتبعها ألم وعذاب، ولكنه أصر على استبيان الحقيقة كاملة، وحين عرفها، كان لابد له من تحمل المسئولية، كان لا بد له من تطهير بلدته من ذلك الدنس الذي أصابها جراء زواجه من أمه وقتله لأبيه، فشعبه يواجه وباء يفتك به، هو في الحقيقة المتسبب الأساسي فيه، حتى مع انتفاء القصدية. وحين تتضح الحقيقة، تنتحر جوكستا، أما أوديب فيفقأ عينيه ليتطهر من ذنبه ثم يتخلى عن ملكه. إنه يتحمل ألما أكبر من وزره حتى يعم الخير على سكان بلدته، فالمعرفة تثقل كاهل صاحبها، وكذا ونيس، نراه في العديد من مشاهد الفيلم مضغوطا في سراديب ضيقة، يتحرك فيها صعودا وهبوطا، مما يعبر عن حيرته، ونراه يسير ذاهلا وسط الأحجار والنقوش القديمة، لا يستطيع فك طلاسمها، أحجام اللقطات كبيرة، يبدو هو فيها ضعيفا ضئيلا، لكن شيئا ما يربطه بها، شيئا ما يصله بجذوره، فروح الأجداد لازالت عالقة بتلك الجدران والنقوش. لقد أغترب عن تاريخه كسائر المصريين، أغترب عن ثلاثة آلاف عام من عمره، عن فترة ازدهرت فيها حضارة أصيلة نابعة من طين هذه الأرض، حضارة متسقة مع روح المصريين فهم اللذين سطروها بذواتهم، ولكن ملامحها طمست على مر الزمان، تتابعت ثقافات جديدة قادمة من أراض أخرى واستوطنت مصر، باعدت بين ونيس وأجداده الأصلين، بحيث صاروا لا يرونهم سوى “رمادا أو خشبا من آلاف السنين” كما يقول قريبهم، مأساة ونيس تنسحب على جميع المصريين، أويكون ونيس رمزا؟ ولم أختاره شادي إنسانا بسيطا؟ لقد قامت الحضارة المصرية القديمة على أكتاف هؤلاء، فكانت الزراعة ركيزتها الأساسية، ونهر النيل شريانها. وملامحه المنحوتة تشبه ملامح قدماء المصرين المنقوشة على جدران المعابد: عيناه اللامعتان، وجنتاه البارزتان فيما وجه منسحب في استطالة. له نفس السمرة، يراها شادي مريحة للأعين، فعيناه لا ترتاح سوى لذلك اللون الذي صبغته أشعة الشمس، أشعة حورس في عليائه بينما جناحاه يحلقان في السماء. 
ويأتي شخص لا نعرف له اسما، يدعى الغريب، من يكون؟ قال أنه جاء من الوادي ودعا ونيس ليكسب قوته بالحلال، في كل لقاء له بونيس كان يفتح عين الأخير على حقائق جديدة. من يكون إذا؟ من الصعب حصره في معنى واحد، فهو دال له دلالات عدة، أويكون الأخر، ذلك الذي نعده غريبا عنا؟ أويكون وحيه وإلهامه، وبوقا لصوت ضميره؟ أويكون رمزا لوجه بحري؟ وحد مينا القطرين، الأرضين، الشمال والجنوب، وجهي بحري وقبلي، وليألف بين قلوب الشعبين، لبس تاجا مزدوجا، تاج الشمال والجنوب بلونيهما الأبيض والأحمر، وبمرور الوقت صارا شعبا واحدا، ورغم التوجس والحذر الذي يتعامل بهما ونيس مع الغريب في بادئ الأمر، إلا إنهما ينسجمان معا، يسيران معا وسط آثار الأجداد، في محاولة لاستيعابها وفك شفراتها، فيما يذوب الأبيض في الأحمر والشمال في الجنوب.
الرياح تعوي طيلة الفيلم، لابد وأنها تسر لنا بشيء، وحتى إن لم تصلنا الرسائل، فصفيرها يثير في نفوس الأبطال وكذا في نفوسنا شجنا وقلقا ما، وتظل ألوان أرض طيبة الترابية مهيمنة على مشاهد الفيلم، فيما التضاد بين الأبيض والأسود يخيم على البعض الأخر، مؤكدا على تناقضات الحياة، والصراع الذي يعتمل بنفوس الأبطال. حركة الممثلين محسوبة تماما تشبه ما نراه من حركات القدماء المصريين على جدران المعابد، والنساك في محاريبهم، فكل حركة والتفاتة وسكون لها قدسية خاصة، أما كادرات الفيلم فهي تكوينات بصرية وتشكيلات لونية رسمها شادي بعناية، كل كادر إنما هو لوحة فنية قائمة بذاتها لها جلال ملحمي وهو ما يجعلها تنطبع في ذاكرتنا حتى بعد انتهاء الفيلم، وهو أمر ليس بالمستغرب على من عمل مصمما للملابس والمجوهرات ومهندسا للمناظر بالعديد من الأفلام، فحاز الإعجاب ولفت الانتباه.
ويحدث أن يجيء مراد، ذلك الشخص الوصولي الذي كان يساعد أيوب فيما مضى ويريد أن يستأثر بتجارة الآثار لنفسه، يجيء لونيس ليعرض عليه أن يأخذ المال لنفسه دون أن يتقاسمه مع أهل الجبل، فيرفض ونيس عرضه، ويرفض عرض أيوب، لكنه لازال يظن أن اللذين يقبعون في جوف الجبل “موتى لا أحد يعرف لهم آباء ولا أبناء”، فما الضير من بيعهم؟ لازال الصراع يعتمل في صدره، ولكن أحقا ليس لهم أبناء؟ من يكون هو إذن؟ يخبط رأسه في منتصف الفيلم على أحد جدران المعابد ويقول أنه صار يرى الأحجار تبدو حية أمامه، لحظة أن ألصق رأسه بجدار المعبد لحظة فارقة، لحظة يتصل فيها بجذوره، حتى بعد مضي آلاف السنين، مازال ونيس، والذي يحمل نفس ملامح الأجداد ولونهم، يستشعر نبضهم، الأحجار ليست جمادا، فلقد رفعوها على كواهلهم، ليشيدوا بها معابدهم وتماثيلهم، والنقوش ليست طلاسم، بل هي لغتهم التي تداولوها، وتآلفوا بها، ونيس ذلك الشاب المصري البسيط، الذي لم ينل حظا من التعليم، فلا هو المثقف ولا هو الأفندي، يجد شيئا ما يحركه بعفوية وتلقائية من دون تنظير ولا فلسفة جوفاء، شيئا ما يدفعه نحو التمسك بجذوره وعدم التفريط فيها مقابل حفنة من المال، يبدو أن شادي آمن بذكاء المصري البسيط، أمن بالفلاح الفصيح الذي فاض حكمة أذهلت الفرعون، رأى أن الأرض فطرته على الحكمة والدهاء، فكان أن أخرج فيلم “الفلاح الفصيح”. أمن بأن الجندي البسيط قادر على الإتيان بالنصر فهو ابن جيوش الشمس تلك الجيوش التي صنعت عرباتها الحربية من معدن نفيس براق، فإذا بانعكاس الشمس على عرباتها يرهب الأعداء، فكان أن أخرج الفيلم التسجيلي “جيوش الشمس” عن حرب 73، حيث سجل الاستعداد للحرب وشهادات الجنود عنها، احتفى بالنصر، فلقد كان على قناعة بأنه آت واحتفى بالجندي البسيط، بينما صدى عربات الشمس يجلجل في الأفق. 
نرى مراد يوسوس لونيس في الظلام، فيتركه ونيس ويهرع لسفينة الأفندية ليخبرهم عن سر الخبيئة، فيما مراد يشده من دبره ليثنيه عن قراره، وحين يفشل يعاركه، مشهد دال ربما حتى عن صراع ونيس مع ذاته، صراع يعتمل بداخله بين الأنا والأنا العليا، إغواء أخير ينتصر فيه لمصريته، لجذوره وأصوله التي تمتد لآلاف السنين. يخرج الأجداد من المقابر ساعة بزوغ نهار يوم جديد، ويلفحهم الأبناء بملاءات بيضاء، وفي مشهد مهيب، نراهم محملين على أكتاف العمال وسكان الوادي اللذين يرتدون الجلابيب البيضاء.
وحين يمر العمال وسكان الوادي والعساكر وسط جبل قبيلة الحربات متجهين إلى السفينة وهم يحملون المومياوات، يأمر عم ونيس قبيلته بمهاجمتهم فهي على حد قوله، فرصتهم الأخيرة لاستعادة تلك المومياوات، فإذا بهم يرفضون: “الموتى! هل هذا عيشنا؟”. حتى الذين كانوا يتاجرون بالأمس بتاريخ الأجداد، ويتكسبون من تهريب الآثار، شعروا بهيبة وجلال الأجداد وهم يمرون بينهم، نرى ذات الشعور العفوي يدفع سيدات القبيلة لتوديع المومياوات وهي تخرج من جوف الجبل إلى الوادي حيث السفينة بانتظارهم، ينتحبن على فراقهم وكأنما قد ماتوا للتو، يهرعن للحاق بهم، ويؤدي الرجال التحية العسكرية لهم، فيما ونيس ينكمش على ذاته وقد دبت البرودة في أوصاله، يهرول وحيدا ضعيفا، فلقد تركه الأجداد، عرف أنه يحبهم، عرف أن لهم أبناء، مات أبوه في مطلع الفيلم، ونراه الآن يودع آباءه الأولين، تأتيه الصدمات تباعا، ينزوي على ذاته ويهرع بعيدا، فيما السفينة أيضا تبتعد بحمولتها من الأجداد متجهه صوب القاهرة.
ألم وفراق، ولكن إذا بتعويذة كتاب الموتى ترد بنهاية الفيلم كما وردت ببدايته: “أنهض فلن تفنى، لقد نوديت باسمك، لقد بعثت”، بعث الأجداد مجددا من مرقدهم، فلقد عرفهم الأبناء بل تعرفوا على أسمائهم، فإذا بهم ينهضون، أحمس، أمنحتب، رمسيس الثاني، تحتمس الثالث، وفراعنة كثر من الأسرة السابعة عشر وحتى الحادية والعشرين، حفظهم كهنة أمون منذ ثلاثة آلاف عام في ذلك المخبأ خوفا من عبث اللصوص، كانوا يعرفون أن الأحفاد سيجدونهم، البعث إذن مبتدأ الفيلم ومنتهاه، وكذا حال ونيس، فلقد بعث من جديد، طرح عنه خسة من يتاجرون بتاريخ أجدادهم، واستعاد مصريته. وفي حركة دائرية، يبدأ الفيلم وينتهي بتعويذات البعث، فلقد أمن المصري القديم بدوران الحياة ولا نهائيتها، وهو ما نراه في استدارة قرص الشمس، رمز الإله حورس.
عرض الفيلم في العام 1969، أي بعد مضي عامين على هزيمة 1967، هزيمة لم تكن لتتقبلها مصر فلقبتها بالنكسة للتخفيف من وطئتها، كانت النفوس محزونة، فيما شادي يستلهم مصريته ليسطر حاضره، فلقد كان على يقين بأننا سنبعث من جديد فقط إذا ما عرفنا اسمنا…فقط إذا ما عرفنا هويتنا.
-شكر خاص للسيدة مهيبة عبد السلام ود/مريدي النحاس وجمعية أصدقاء متحف شادي عبد السلام
________
* روائية من مصر 

شاهد أيضاً

عروة الأحمد مخرجاً في كان، وممثلاً في هوليوود

خاص- ثقافات *منى الزيدي لم يكد الفنان السوري “عروة الأحمد” يعلن عن انتهاء تصوير فيلمه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *