الرئيسية / قراءات / “يوميات خريج عاطل” ..تشخص الخطاب الثقافي المأزوم

“يوميات خريج عاطل” ..تشخص الخطاب الثقافي المأزوم


* عائشة سلطان

( ثقافات )

دبي – صدر حديثاً عن دار “ورق” للنشر والتوزيع” بدبي رواية “يوميات خريج عاطل” للإماراتي الشاب عمران محمد. وهي أولى بواكيره الروائية، وتتألف من ستة فصول، موزعة على خمسمائة وثلاثين صفحة من القطع الوسط.
الرواية تحكي قصة صديقين، أحدهما عامر وهو خريج قسم التاريخ، والأخر هو سلطان خريج قسم علم النفس، ولكنهما لا يعثران على عمل طيلة عام ونصف من التخرج، ما يجعلهما من مدمني المقاهي واحتساء “الكابتشينو” بصحبة النارجيلة، حيث يمتد حبل الدردشة، ويطول شريط الكلام، وربما الخصام حول الأفكار، التي يسعيان لمناقشتها في محاولاتهما الدؤوبة للخروج من حالة البطالة، التي تقض مضجعهما، وبخاصة منهما بطل الرواية (عامر)، الذي تقف أمه له بالمرصاد صبح مساء بالتحفيز حيناً، والتوبيخ معظم الأحيان، بسبب عجزه عن تأمين الوظيفة، التي تعيلهما بدلاً من خاله سعيد، الذي يتحمل هذا العبء عنه، بحكم الواجب وإلتزام الأخ الأخلاقي حيال أخته لا أكثر، الأمر الذي يدفعه دفعاً للفرار من البيت إلى الطرقات في كل الأوقات، خصوصاً خلال فترة ما قبل الظهر، حيث يقضيها بالتسكع على غير هدى أمام واجهات المحال التجارية، بعد أن طرق كافة الأبواب الرسمية والأهلية، خلال الشهور الأولى من بحثه عن الوظيفة، حيث قدم أوراقه وإستعداده الكامل للعمل لدى كل الجهات وفي كل المجالات دون فائدة. أما خلال فترة المساء والسهرة فكان عامر يقضيها بالغالب مع سلطان في المقهى حتى ما بعد منتصف الليل.
العنوان “يوميات خريج عاطل” بدى مبتوراً، أي غير مكتمل المعنى، ذلك لأن صفة أو حال الخِرّيج تُرك مضاف، ما يجعله مفتوحاً على دلالات عدة، منها البطالة، ومنها العُطْلُ أو التعطيل غير القابل للإصلاح، وقد تذهب الدلالات إلى العطالة بالمعنى الأخلاقي، وربما أبعد من ذلك. وهذا التعدد بالدلالات هو مقصود بالتأكيد من قبل الكاتب، وذلك للإحالة إلى معان ثقافية أكثر منها تشخيصية، لمشاكل اجتماعية وإقتصادية أو ما شاكل ذلك. فالكاتب عندما يتكئ على موضوعة البطالة وإدمان المقهى والنارجيلة، في البناء الروائي للشخصيات والأحداث، لا يسعى إلى مقاربتها ومعالجتها روائياً بالمعنى الاجتماعي، وبالتالي لا يتوخى عرضها أو معالجتها روائياً كما يفترض موضوعها، لذلك بدى السرد غائباً – على الأقل طيلة الفصول الثلاثة الأولى، التي تقترب من نصف الرواية – عن تناول تفاصيل أسرة سلطان، البطل الثاني في الرواية، أو أسلوب حياته في المنزل أو علاقاته الاخرى بعيداً عن عامر. كذلك الأمر بالنسبة إلى حَصّرِ أسرة البطل عامر بشخصيته وشخصية الأم فقط. وعندما أراد الكاتب أن تتشعب البنية الروائية إلى مستويات أخرى من السرد والشخصيات، وجدنا أن شخصيتا عامر وسلطان انفتحتا على شخصيتين، هما بمثابة عنوانين لقضيتين ثقافيتين، هما من أخطر ما تواجهه الثقافة العربية في الوقت الراهن. 
الشخصية الأولى هي شخصية جون، وهو أكاديمي أميركي يُعَلِّمُ البرمجة اللغوية العصبية في إحدى الكليات ويقيم بيننا، فيسعى الكاتب لبناء شخصيته بالمتن الروائي، من أجل وضعه بمقابلة ثقافية مع الشخصية العربية، من خلال البطل عامر، الذي يتدثر بكرهه للأجانب لمداراة فشله وعجزه في تأمين الوظيفة، التي تحفظ له إنسانيته قبل معيشته بكرامة، وللإشارة إلى ماراج في بعض الأدبيات التي تعلل التطرف والارهاب بالفقر والبطالة، رافضاً فكرة الأستعانة بالأجنبي للعثور على وظيفة أو عمل في وطنه. ولكن المقابلة بين الشخصيتين، رغم المواجهة الثقافية المقنعة، ليس غرضها إبراز إشكالية الهُوية الثقافية فقط، وإنما أراده أن يكون بمثابة مرآة ليرى البطل ذاته، في محاولة للإضاءة على آلية التفكير الديني القروسطي، التي تطغى على الخطاب الثقافي للشخصية العربية الراهنة، التي تبرر التطرف والارهاب بإحالته إلى الفقر والبطالة. وفي الوقت عينه هي محاولة لإبراز النَزَعات الصدامية الكامنة بالشخصية الاسلامية المعاصرة، وخاصة تجاه الآخر المختلف دينياً، من موقع الحقد والكراهية إن لم نقل العنصرية الإستعلائية، إبنة ماض أفل زمنه في الثقافة الإنسانية المعاصرة، حيث بات احتقار الآخر بكل المعاني العرقية أو الدينية، بمثابة سلوك بغيض تمقته الأعراف والمواثيق الدولية بكل تمظهراته أو أشكاله الثقافية.
يعلق البطل (عامر) في سياق الحوار مع جون، حول تحريم البوذية ذبح الحيوانات كونها مخلوقات ربانية، بأن البوذيين جهلة وعبدة الأصنام، ويعقب على نفسه بحوار داخلي أو ذاتي بنهاية الحوار مع جون، بآخر فقرة من الصفحة71، فيقول: “شعرت وأنا أنطق بردي ذاك بأنه لو تحول إلى وجه بشري، وعُرض على المرآة، لتشقق زجاجها من فرط قبحه وركاكته”.
الشخصية الثانية هي شخصية خلفان ابن جلدتنا، النموذج المثالي لأحادية التفكير المغلقة، الذي يعبر عن الموقف الديني السائد برؤية ماضوية، لا تُعير الواقع أدنى مقاربات، فيستخدم مفردات العصور الوسطى ويعيش بأدواتها، متجاهلاً تدحرج التاريخ بعيدا في الزمان والمكان، بعماء تجاهله معطيات الحداثة وما حتمته من شروط إنسانية على كل المستويات الدينية والأخلاقية، التي تقضي بضرورة الانفتاح والتواصل مع الآخر بوئام وسلام، من أجل عمارة الأرض بما يرضي خالقها حينما وررّثها لآدم وأبنائه وأحفاده من بعده. حيث يعبر عن شخصيته (بنهاية صفحة 178) خلال الرد على عامر الذي حاول أن يُذَكِرَهُ بقاعدة “لا إنكار فيما أختلف فيه”، فيرد عليه بقوله: “يبدو أنني وقعت بين إثنين من الذين يحاولون التفريط بمسلمات ديننا باسم التيسير في الدين، بل ربما باسم التنوير والحداثة”، وهي مقولات المتثاقفين ممن يسمون أنفسهم أبناء التيارات الإسلامية الأصولية أو السلفية. 
وعلى هذا الأساس لم يشكل الموضوع أو المكان في الرواية ثيمة أدبية للبناء الدرامي، وإنما هما مجرد دُثار تقنع به الكاتب، لطرح رؤى وأفكار ثقافية، سعت خلال العقدين الآخيرين لتشخيص قضايا ثقافية بحتة، مثل مشكلات التشدد أو التطرف والعنف أو الإرهاب، أو غياب ثقافة التسامح عن الخطاب العربي والإسلامي على السواء، وهي سمات طغت على الخطاب الثقافي بقوة في الآونة الأخيرة، بحيث بدت وكأنها وباء يجتاح أدنى مفهوم للعقلانية أو المنطق في الفكر العربي والاسلامي المعاصر، ما جعل الدين الأكثر تسامحا بين الأديان يبدو وكأنه غول ينهش بلحم الإنسانية كما تفعل الضواري. 
كذلك يتكئ الكاتب على موضوعة البطالة، والمقهى والنارجيلة، وضرورة الإقلاع عن التدخين، للإطلالة على علم “البرمجة اللغوية العصبية”، الذي يلقى هوى لدى الشباب في العقدين الأخيرين، لأنه يعزف على أوتار ما يمكن أن نسميه “صناعة الحلم”، في زمن ضاقت به فسحة الأمل.
الكاتب عمران محمد ينجح بتناول قضايا على قدر عال من الأهمية في الخطاب الثقافي العربي الراهن، بأسلوب روائي غير مفتعل، بل مقنع إلى درجة كبيرة، بحيث بدت القضايا التي تناولها الكاتب، على الرغم من تعقيداتها وإشكالياتها المعرفية أو إشكاليات أدواتها المفهومية، وكأنها من نسيج السرد الأدبي الروائي، أي لم تثقل على اللعبة الروائية بشروطها الفنية المعروفة، سواء لجهة التشويق والامتاع في السرد وجذالة اللغة، أو لجهة البناء الأدبي والحبكة الدرامية في تطوير الشخصيات، والأحداث الدالة على الأبعاد الجمالية والمحمولات الفكرية والفلسفية في الكثير من القضايا الوجودية والميتافيزيقية أو الماورائية، التي وردت في سياق النص، بشكل مركز ومقصود في أغلب الأحيان. 

شاهد أيضاً

الواقعية السحرية في المجموعة القصصية ” عصا الجنون ” للروائي والقاص أحمد خلف

خاص- ثقافات *قراءة خلود البدري عن دار ميزوبوتاميا للطباعة والنشر والتوزيع صدرت المجموعة القصصية ” …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *