الرئيسية / نصوص / روميو وجولييت سيدي بوتفاحة

روميو وجولييت سيدي بوتفاحة


*نبيل قديش

( ثقافات )

صالح ومريم الزّوج الذي جعل منهما الأهالي مضرب الأمثال، روميو وجولييت سيدي بوتفّاحة. بدأت الحكاية، قبل ما يربو عن أربعين سنة وأسفرت عن حبّ مقدّس حظي ببركة الولىيّ الصالح ورأى النّور في مقامه. خلال تلك الأيّام الخوالي، قبل الإستقلال، كان شارلي من واردي العين الزلال التي نبعت في صدر المقام، ماؤها حلو المذاق تلذّ لشاربيها. كانت الشابّة ذات الثمانية عشر ربيعا تجلس في مقام الوليّ الصّالح، عند رأس الضّريح تسقى زوّار المقام من نساء وشيوخ وأطفال، وتضع لهم نصيبا من الموائد التي تنصب لروحه، كانت تدعى “الزرد”. يرتحل إليه زوّاره ومريدوه من كلّ حدب وصوب، يأتونه من كلّ الأصقاع المحيطة بمدينة باجة. المرحومة أمّها كانت إحدى عشّاقه، كانت كثيرا ما تردّد أنها إبنة سيدي بوتفّاحة. يصبح الإنتساب إلى الأولياء الصّالحين ملاذا أخيرا يعوّض حرمان الأب والأمّ والأهل والمعيل. لم تشذ مريم عن تلك الطقوس، هي أيضا أصبحت إبنة سيدي بوتفّاحة…لجأت إلي الزّاوية حين وجدت نفسها يتيمة ووحيدة في هذا العالم الشّاسع. يبدو أنّ أمّها عهدت بكفالتها إلي الولىيّ الصالح. وجدت نفسها تهرع إلي الزّاوية دون تفكير. لم يتجاوز عمرها العشرين ربيعا حين أطلّ عليها بغباره وغربته. كان ذلك اليوم يوما فاصلا في حياة شارلي كما في حياة ناجية. خرج هو للتوّ من السّجن، وكان يبحث عن بعض الصفاء والهدوء.
اختار أن يبيت ليلته هناك ويفكّر في وجهته لليوم المقبل. باجة كانت ستكون محطّة في سفر حياته، لولا ظهورها القدريّ فيها. كان سيغادرها في الغد على أقصى تقدير، هربا من ذكريات سجن ومقت. لم يعلم أنّ اجتيازه المقام ذلك اليوم، كان خطوة دخوله دنيا جديدة وأنّ تلك الليلة التي باتها هناك سوف تقلب حياته رأسا على عقب. لم يكن لديه استعداد لأن يمكث فيها يوما إضافيا، فأصبح لا يريد مغادرتها ولو لساعة. تذكّر شارلي أنّه لم يزر بنزرت منذ خمسين عاما. توقّف عن دفع عربة اليد، سحب نفسا طويلا من سيجارته التي شارفت على النهاية. اجتاحته موجة من حنين إلى المدينة التي عاش فيها جنّة ضائعة. استدرجته الذكريات تباعا إلى حلبة. فابيان نديمه الفرنسيّ كان أوّل القافزين إلي خياله، رحلاته المنتظمة إلي موطنه بجنوب فرنسا، كانت سبب تذمّر وتقريع الشلّة له. كان ينفق كل ما يكسبه على تذاكر الباخرة التي تقلّه من ميناء بنزرت نحو مرسيليا. قال له يوما: جرّب أن تعيش يوما بعيدا عم موطنك لتكفّ عن لومك وتقريعك لي. غير أن شارلي غادر بنزرت، هجرها كأنه طير هاجر من أجل الحياة. مات في رحلته الطويلة وأكلته الديدان في أرض غير أرضه. اليوم بعد كل تلك السنين، يبتسم من مكانه القصيّ لفابيان، لقد كنت مخطئا يا صديقي، لقد أنساني بنزرت عشق ناجية، بنزرت المدينة العتيقة، المرفأ القديم ، البار الفرنسي العجوز الذي أحتض أمسيات حميمية مع فابيان ومارتان والمومس، عشيقة المجموعة سونيا. كيف نسي كل ذلك الزخم الذى طبع حياته بالسّعادة؟ ألأنه لم تكن له جذور تربطه بتلك التربة؟ كانت له جذور فاقتلعها الزمن بكل قسوة. عاش شارلى غصنا يافعا منذ طفولته المبكّرة بدون جذور. نبت في أرض غير أرضه، لم يعرف له أما ولا أبا ولا عائلة. أنجبه المرفأ وتربّى فيه وكان يهيم في النّهار ويعود ليأوي إليه في اللّيل. عاش شارلى حجرا مقذوفا مهجورا فى براري الدنيا بعد أن استؤصل جذره، وراح القدر يسخّر له في كل مرّة ساق صبيّ أخرق تقذفه فى طريقها وتصب عليه جام غضبها.
لمّا وقعت عيناه عليها ذلك اليوم، أحسّ بأن الدّنيا ارتجّت قليلا. شعر بدوّار صغير يلمّ برأسه وغشاوة على عينيه. وقف عند مدخل الزّاوية وأتكأ على مصراعه الخشبيّ العتيق ذو اللّون الأخضر وتمسّك بمزلاجه الكبير الصدأ. ظنّت الفتاة أنّ خطبا ما أصاب الزّائر. عالجته بكوب ماء بارد من الفخاّر. تأمّلته بنهم وهو يكرع الماء. كان عريض المنكبين، واسع الصّدر أشعث الشعر، يرمقها بنظرات حيوان جريح جائع. أعمل يده بمزلاج باب الزّاوية في هيأة من يحكم إغلاقه. تراجعت إلى الخلف متحسّبة من نوايا الزائر الغريب. كانت هيأته تفضح قوّته وصلابته، لكن عيناه تشي بطمأنينة غريبة. ظلاّ لبرهة من الزّمن في حضرة الصمت، يتراشقان بالنظرات. بينما غرق المقام في السّكينة، وكان باردا على خلاف الهجير الذي في الخارج. أمكن لهما أن يتسارّا في حضرة الصمت. لم يكن أي كلام جميل ليجعل الفتاة تطمأن له ذلك اليوم، لكنّ الصمت فعل عنه كلّ شيء . لجأ شارلي ذلك اليوم إلى مقام الوليّ باحثا عن السكينة والهدوئ، فوجد في إنتظاره عاصفة هوجاء، وقع فى رحاها من أوّل وهلة. قال لنفسه بعد أيّام أنّ حبّ تلك المرأة طامّة هبطت من السّماء لتقع فوق رأسه، وكأنها اصطفته من بين كل النّاس، لتقع عليه هو بالذات، وكأن فوق رأسه جاذبية لا يحملها غيره.
___
*روائي تونسي

شاهد أيضاً

عمود الخيمة

خاص- ثقافات *محمد بقوح     حاول الكاتبُ الذي تمردتُ عليه في الأمس أن يجعلني اليوم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *