الرئيسية / نصوص / بية‮ ‬19*

بية‮ ‬19*


كمال الرياحي *


صحيح تماما ما قاله عني‮. ‬ضاجعت نصف من قالوا لي”صباح الخير‮” ‬ومستعدة لمضاجعة كل من يقول لي‮ “‬مساء الخير‮”.‬
لست حاقدة‮ ‬عليه ذلك البائس الذي‮ ‬نعتني بالقحبة منذ قليل‮. ‬لم يقل إلا الحق‮. ‬لست سوي قحبة‮. ‬لكن لماذا أهيم علي وجهي منذ أن خرجت من هناك وكلمته تدوي في رأسي مثل ذبابة‮ ‬الخيول العنيدة؟‮ ‬
كل يوم نفس الوجوه وكل يوم نفس الأسئلة‮. ‬متي سينتهي هذا التحقيق‮ ‬المقرف‮. ‬مع إنه انتهي كل شيء‮. ‬
هاهي‮ ‬ساحة باستور‮. ‬تعبت‮. ‬سأجلس علي ذلك المقعد الحجري‮. ‬العشب مازال أخضر هنا‮. ‬هذا ما بقي من البلاد؛ ساحة الكلب‮. ‬هنا تتجمع الكلاب والقحاب‮. ‬مر وقت طويل علي آخر مرة لمس فرجي هذا العشب‮. ‬هنا كان شقلة الملعون‮ ‬يتفقده،‮ ‬يدخل فيه أصابعه الطويلة‮ ‬حتي يفرغ‮. ‬أقفز وراءه علي الفيسبا ونعود ينزلني قبل مدخل الحي‮. ‬لا أذكر كيف كانت بدايتي معه‮. ‬هناك شيء ما‮ ‬غريب في لم أفهمه،‮ ‬بمجرد أن يضع رجل علي يده أنهار كالصلصال‮. ‬مركز البريد الذي أمامي الآن‮ ‬ضاجعت خمسة منه‮. ‬ستة نوافذ ضاجعت خمسة،‮ ‬خلف السادسة كانت تجلس‮ ‬امرأة‮. ‬حتي المرأة فكرت فيها يوما لكن‮ ‬صارت هذه الثورة القحبة‮. ‬تعطل كل شيء وسقطنا في هذا الخراء‮.‬
لا علاقة لما كنت أفعله بالأخلاق‮. ‬لم أكن أطلب مقابلا‮. ‬كنت فقط أستسلم‮. ‬لا أعتقد أن كلمة أستسلم في مكانها لأنني لا أذكر أن‮ ‬أحدا أرغمني علي شيء‮. ‬كنت في الغالب أستمتع‮. ‬هل هذا هو الاستعداد الطبيعي للقحب؟ لاأعتقد‮. ‬ومع ذلك لا أنكر تلك السعادة التي أقول بها لرجلي‮ “‬أنا قحبتك‮”. ‬أعتقد أنها الكلمة الوحيدة التي قلتها بصدق واستطعمها حرفا حرفا‮. ‬ستيلا‮ ‬هو أول من طلبها مني‮. ‬استجبت وهمست بها.أعجبتني‮. ‬أصبحت أهمس بها في أذنه كلما لمست به تعبا فيهيج‮. ‬كانت مفتاحي،‮ ‬كلمة السر التي أخلع به أقفاله‮. ‬
ستيلا‮! ‬انتهي كل شيء الآن‮.‬
شهر كامل وهم يحققون معي‮. ‬لم يصلوا إلي شيء‮. ‬لا شيء واضح‮. ‬ما حدث قد حدث‮. ‬مثل الشحم تنبت حولنا الأحداث وتذوب‮. ‬لا يمكن أن نحدد لها أصلا‮. ‬هكذا قال لي الكاتب يوما‮.‬
‮ ‬أبدو سمينة بعض الشيء‮. ‬لم أكن بهذا الحجم‮. ‬كنت أقل وزنا لكن نهداي كانا عظيمان دائما،‮ ‬يأسران كل من ينظر إليهما‮. ‬لم يشكل لي حجمهما عقدة بل علي العكس أصبحت أتعمد أن ابرزهما‮. ‬عندما يختلي بي رجلي لا يحتار من أين يبدأ‮. ‬يغمس رأسه مباشرة بينهما ويتمرغ‮. ‬الكاتب فقط هو من قال لي وهو ينتزع رأسه من بينهما‮: “‬أنت ملائكة‮”. ‬نعم كان سكران لذلك صدقته‮. ‬لا شيء يمنعني من تصديقه‮. ‬أنا أثق بالسكاري‮. ‬ستيلا،‮ ‬أيضا كنت اثق به عندما كان يشرب ويسكر‮ ‬،‮ ‬يكون أروع وأصدق رجل وهو سكران لذلك لم أتركه يوما‮. ‬حتي عندما يدخل السجن‮ ‬كنت أنتظره‮. ‬لا يعني هذا أنني لم أجرب‮ ‬غيره‮. ‬ليس هناك من فرج ينتظر سنوات‮. ‬أتحدي أي امرأة أن يصمد فرجها سنة واحدة دون أن يقف بظرها لرجل آخر‮. ‬لا أدري لماذا‮ ‬يعتقد ذلك المحقق الأحمق وهو يصفني بالقحبة أنه يعلن عن اكتشاف سر عظيم،‮ ‬قلت منذ البداية أنني لا أستطيع أن أرد رجلا وضع يده علي‮. ‬ما يزعجني الآن هو هذه الأوجاع القحبة في الظهر وهذه الدوالي الزرقاء‮ ‬البشعة‮ ‬بساقي‮. ‬أمرني الطبيب بالمشي وها أنا أمشي‮. ‬ولكن إلي متي سأبقي أمشي وكل شيء من حولي ثابت لا يتحرك‮.‬
‮***‬
غدا الخميس سيتواصل التحقيق‮. ‬لكن سيكون أفضل من هذا اليوم بالتأكيد‮ ‬فلن أري ذلك المحقق الأشهب الغبي‮. ‬غدا سيكون دور المحقق الاسمر الوسيم‮. ‬أصبحت أعرف أوقاتهم‮. ‬الإربعاء فقط يستقبلني الأشهب بنظرته الحقيرة‮. ‬كل تصرفاته تؤكد أنه عنين‮. ‬لا يمكن لرجل قد شبع مضاجعة أن يكون قميئا مثله‮. ‬حتي عرقه مقرف،‮ ‬كلما نزع معطفه أطلق رائحة عطنة كرائحة الكلاب العفنة‮. ‬ضاعف الأشهب من كرهي لهذا اليوم التافه‮. ‬الأربعاء؛ فيها كل بؤس الأيام مجتمعة‮. ‬ظلت مشدودة إلي ذاكرتي بخيط حزين‮. ‬الإرب‮..‬عاء البشعة‮. ‬الكاتب ايضا يكرهها يقول إنها بشعة في كل اللغات التي عرفها‮.‬
‮ ‬يومها أيضا كان اربعاء‮. ‬كنت أمام محل للأحذية النسائية بشارع باريس عندما رأيته‮. ‬كان بلا كعب‮. ‬شدتني سيوره الجلدية‮. ‬كنت أعلم أنها مغامرة‮. ‬ومغامرة‮ ‬غير مضمونة العواقب‮. ‬لكن سحر الصندل جعلني أتقدم وأدخل المحل أسأل واحدا بمقاس قدمي‮. ‬كان صعبا علي أن أنزع حذائي‮. ‬تجنبت مرآة أمامي عكست صورتي‮. ‬رفعت رأسي إلي السقف وانتزعته بقوة‮. ‬
‮ ‬هل كان يجب أن أفعلها؟ ظل هذا السؤال ينقر دماغي سنوات‮. ‬لم يكن قرارا سهلا‮. ‬ربما كان علي أن أتريث قليلا‮. ‬اشتريت يومها الصندل وخرجت‮. ‬الفتاة التي كانت تهذي بجودة الماركة ومتانة جلد الصندل لم أهتم بها.لم أكن أسمعها‮. ‬لم أناقش سعره المرتفع‮. ‬كما الضحية التي راحت تنتقي أفضل السكاكين لتهديها لقاتلها انتقيت الصندل ودفعت وخرجت‮.‬
‮ ‬كان قد مر عام وهو لا يعلم شيئا‮. ‬لكن يومها قررت أن أحسم الأمر وأضعه وأضع نفسي أمام الأمر الواقع‮. ‬أعتقد أنه قرار أحمق‮. ‬ليس علينا أن نختبر السعادة هل هي حقيقية أم زائفة‮. ‬السعادة هي السعادة‮ . ‬ليس هناك سعادة حقيقية وأخري زائفة‮. ‬عندما وصلت بيته كان كعادته نائما‮. ‬الغرفة‮ ‬سابحة في رائحة نعاس ثقيل‮. ‬لم يفتح النافذة منذ أسبوع كالعادة‮. ‬لحيته ثائرة كشجرة عطشي‮. ‬أخذت أجمع من حوله كومة النفايات؛ قوارير المشروبات الغازية وعلب السلتيا الفارغة وأكواب الحليب والكتب والمرمدة الممتلئة بأعقاب السجائر‮. ‬كان ينام كعادته في مزبلة وكان صباح الاربعاء موعدي معه‮.‬
‮ “‬بية ؟ أتيت؟‮” ‬
قال جملته بصعوبة وعاد إلي النوم‮. ‬لم يمهلني حتي وقتا لأجيبه‮. ‬ذهبت إلي المطبخ لأحضر له قهوته السوداء الثقيلة‮. ‬خمنت هناك‮ “‬العدد الكبير من علب السلتيا‮. ‬لم يكن وحده البارحة‮. ‬نومه الثقيل يؤكد لي انه لم ينم الا الصباح‮. ‬هذه حاله دائما عندما يستقبل أصدقاءه الذين رحلوا منذ قليل وتركوه يتقلب في مزبلته‮.” ‬المطبخ كان أكثر قرفا من‮ ‬غرفته‮. ‬صحون وصحاف ملوثة بالمرق وطناجر محروقة من أثر التسخين المتكرر للطعام‮. ‬
‮ ‬مضت ساعة حتي أعدت المطبخ إلي هيئة مطبخ آدمي‮. ‬حملت القهوة علي طبق مع الخبز الطازج الذي يحب وتوجهت إليه في السرير كعريس‮. ‬
عندما رآني تململ وانقلب متكاسلا‮. ‬بعد محاولات طويلة لايقاظه رفع عنه الغطاء‮. ‬قبل جبيني وغادر نحو الحمام‮. ‬من داخل الحمام راح يصرخ طالبا كتابا‮. ‬يريد أن يقرأ أي شيء في الحمام‮. ‬كثيرا ما قال لي أنه لا يقوي علي التبرز إن لم يقرأ‮. ‬من أجل هذه العادات السيئة ربما وقعت في حبه ذلك الغر الشيوعي الأقحب‮. ‬عرفت بعدها انه كان يقلد أناس آخرين قرأوا قبله وهم يتبولون ويتبرزون‮. ‬لكن يومها كان سيئا أكثر مما يجب‮. ‬عندما خرج من الحمام انتبه إلي الصندل‮. ‬ابتسم لثوان قبل أن يمتقع وجهه ويغرق في الصمت‮. ‬
‮ ‬علمت أنني قد جنيت علي نفسي‮. ‬ها قد ارتبك وتبعثر المناك النحيل‮. ‬قلت وقتها‮. ‬ما كان يجب أن أفعل ذلك‮. ‬كان يجب ان امهد له‮. ‬الصندل ليس أمرا سهلا‮. ‬جلس يترشف قهوته في صمت قاتم‮. ‬وجلست أنتظر‮. ‬عادت إلي ذاكرتي صورة كفي المضطربة أمام أصابع قدمي بريشة صبغ‮ ‬الأظافر‮ . ‬الفراغ‮ ‬بين الاصبع الصغير والذي يليه كان بشعا مثل مغارة باردة‮. ‬اكله الفأر‮. ‬هل أقول له كما قيل لي قبل عشرين سنة وأنا أسأل عن اصبعي‮ “‬أكله الفأر‮”. ‬لم يمهلني لأقول له أي شيء قام ممثلا دورا رديئا لرجل متأخر عن موعد،‮ ‬قبل جبيني ورحل‮. ‬كانت قبلته مثل الرصاصة أطلقها علي بين الحاجبين تماما وأكله الفار‮. ‬
كان ذلك يوم الاربعاء‮. ‬يوم الاربعاء الذي يليه كان ورفاقه ينتظرون امرأة الاصبع الناقص التي لن تقول‮ :‬لا
‮ ‬أطلقوا علي لقبا جديدا‮ “‬بية ديز نوف‮” ‬بية‮ ‬19‮ ‬هذا هو اسمي الكامل‮. ‬اسمي الحركي الذي عرفت به بعد ذلك‮ . ‬سقط لقب‮ “‬شرّاد‮” ‬في الحمام وتشردت‮ .‬
‮ ‬ستيلا،‮ ‬ما كان عليه أن يترك الفأر يأكل ساقه كلها‮. ‬طبيعي ألا أقبل به هكذا‮. ‬كان يذكرني بنكستي لذلك فعلت ما فعلت به ولست نادمة‮. ‬نعم كنت أقيد يديه إلي الخلف،‮ ‬نعم‮. ‬وكنت أرميه علي الأرض وأمد له قدمي‮. ‬ليصبغ‮ ‬أظافري‮. ‬كنت أتمتع وأنا أراه يختنق بالبكاء أمام ذلك الفراغ‮ ‬بين الأصابع الأربعة‮. ‬ابن الكلب تحطمه رؤية اصبع مفقود‮ ‬ولا يخفق‮ ‬له قلب وهو يقطع كل تلك السيقان‮.‬
_______
* الفصل الأول من رواية ” نكسة69″ / أخبار الأدب 
**روائي من تونس

شاهد أيضاً

أغنية محشوة بالريش

خاص- ثقافات *عبد الرحيم التوراني في غرفة الانتظار ظلوا مدثرين بالصمت، وبقوا على حالهم هذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *