الرئيسية / نصوص / إن مسقط رأسي يؤلمني

إن مسقط رأسي يؤلمني


*سيف عبد الكريم


ـــــــــــــــــــــــ 1 ـــــــــــــــــــــــ
اعتلت الشمس فوق النبال اللامعة والرؤوس المغطاة بالخوذ الفولاذية على جانبي مدخل القصر.. كان الشاعر يخطو برفق ويحمل بيده أذيال ثوبه، وفي اليد الأخرى رزمة أوراق مطوية، يرنو إلى الحراس المزروعين على الجانب ومرة أخرى إلى أعمدة القصر الشاهقة والمزخرفة بفنون معمارية رائعة ومن فوقها شرفات مقوسة تبرز منها رؤوس الرماة المتربصين بأي خطر ممكن أن يحدث.. في وسط الحراب والدروع والسيوف كانت أنظار المارة والوافدين إلى القصر تستريح في مساحات خضراء وأزهار معتنى بها.. قبل دخول الشاعر الشاب بوابة القصر الكبيرة استوقفه قائد الحرس الخاص الذي كان على معرفة بالشاعر الشاب ذائع الصيت حتى في البلاد المجاورة، رحب به ودعاه للجلوس في باحة الانتظار بينما يأمر الملك بلقائه. كان بعض الجالسين والمارين يرمقونه بنظرات عميقة تكتم في شعاعها غضبا صريعا بينما يدير أنظاره عنهم مبديا ملامح اللامبالاة.
دخل الشاعر الشاب القاعة التي يتوحد في جانبها القصي مجلس مهول يتربع عليه الملك البدين. أبدى له الشاعر التمجيد والطاعة بانحنائه قليلا واضعا يده على صدره.. كان مشرق الوجه هادئ الملامح ذا مهابة.. بعد أن ألقى التحية على الملك اخذ ينشد أبياتا بحق الملك وجيشه، لقاء ذلك أمر الملك بإعطائه حفنة نقود، وأشار عليه بالبقاء ضمن حاشيته وذويه..
ـــــــــــــــــــــ 2 ـــــــــــــــــــ
منذ تلك الأبيات المحابية ولم يعتل صوت آخر صوت الشاعر ذي الوجه المشرق، بل كان يكتم كل صوت لا يروق له بعد أن أصبح من مقبول الرأي لدى الملك، وكان الكثير من عامة الناس وشعرائهم يقضون حوائجهم لدى الملك بوساطة شاعر المملكة الأول.. ورغم انه لم يغادر أسوار القصر لكن كلماته كانت ترن بصداها لتتعدى حدود المملكة، حتى في الحروب كانت تقف صفا مع الجنود وتستل سيوفهم من أغمادها وتعترض الهاربين لتؤنبهم، وتزعق بعد انتهاء الحرب.. عاش الملك..
ـــــــــــــــــــــ 3 ـــــــــــــــــــ
عندما قدمت الجيوش المرعبة واقتحمت الأسوار وحاصرت المملكة، لم يقاومها الجيش ولم تفلح أبيات الشاعر الكهل ذي الوجه المشرق بحث الجنود على المقاومة، كانوا مهزوزين من داخلهم ولم يجدوا غير بطن الأرض مأوى لطعنات سيوفهم، سوى بعض منهم تحصنوا داخل القصر فحوصروا وهدم عليهم بالمجانيق… وأخرجت من تحت الركام جثة الملك المحطمة وعلقت في إحدى الساحات المهمة في الدولة الجديدة.
ـــــــــــــــــــــ 4 ـــــــــــــــــــ
مل الشاعر الكهل ذو الوجه الكالح حياة الهاربين التي عاشها في سنيه الأخيرة، فقد أصبح مرفوضا من الجميع حتى رفقائه أعابوا عليه تخليه عن ملكه وعدم وقوفه تحت كتل النيران الملتهبة التي رمتها المجانيق. أخيرا لملم بقاياه وتوجه نحو مدينته مخترقا أسوارها وميادينها، ووصل إلى بيت الحاكم بعد أن امتلأت أذناه بالشتائم وبذيء الأوصاف. 
دخل على الحاكم الذي كان متواضعا بمجلسه وهيئته، لكن حاشيته مكتظة بوجوه مترقبة قاسية الملامح… لم ينحن، بل ألقى تحية باردة واكتفى الحاكم بهز رأسه كرد على تحيته، وأشار بيده إيذانا للشاعر الكهل ذي الوجه المتعب بأن يفيض بما لديه..
– أينكرني أحدكم فاعرفه بنفسي؟ “قالها الشاعر ذات ثبات”
أحس الحاكم بان سؤال الشاعر قد يشحن الجو ما لم يتداركه، فاجابه بهدوء وحزم:
– تعلم بانك من المطلوبين لحكومتنا.. وأن بامكاني ان أفصل رأسك عن جسدك
– لكنني جئتكم بنفسي، ولو كان لي ذنبا لتواريت عنكم.
اطرق الحاكم قليلا، ثم اتكا باحدى يديه على مسند كرسيه الخشبي، ولوح بيده الاخرى قائلا:
– وهذا ما ستكافأ عليه بالعفو، شريطة ان تغادر البلاد، وسيقطع رأسك بمجرد عودتك.. كنت من المقربين لدى الملك ومن صفوته، لهذا فانك عدو لحكومتنا.
حبس الشاعر أنفاسه قليلا، ووزع نظراته على وجوه الحاضرين ثم أردف:
– لازلت أتمسك بولائي للملك وإجلالي له رغم موته..
قاطعه الحاكم وقد التمعت عيناه غضبا ورددت الجدران صدى صوته الزاعق:
– وتقول ذلك علنا؟! انك تتحدانا.. سأجعل موتك قصة يتناقلها أطفال المدن والقرى..
ساد صمت رهيب في المجلس، ولم يجرؤ الحراس أو الحاشية حتى بالنظر الى وجه الحاكم الغاضب… قال الشاعر وقد تسلل اليه الخوف:
– ايها الحاكم، تعلم باني شاعر والشاعر انسان كباقي بني آدم، ومن الممكن ان يكن مشاعر الحب والكره لأي انسان آخر، وهذا الامر لا يحاسب عليه اي قانون..
– انك وقح ولازال الغرور يغشي عينيك، سوف اقوم بتاديبك كي تتعلم منطق الحديث مع النبلاء..
اقترب الشاعر من الحاكم بخطى وئيدة، وتحدث بصوت منخفض ومتعب:
– ايها الحاكم، انني لم اكتب قصائدي كلها في تمجيد الملك، بل كتبت اكثرها في حب هذه البلاد وجمالها وتاريخها، ورثيت عظماءها وتغزلت بنسائها.. فليس من العدل ان موقفا واحدا يمحو كل كلماتي. اما انا فلا اطلب شيئا سوى أنني حين اموت أوارى التراب الذي شممته لحظة ولادتي..
ـــــــــــــــــــــ 5 ـــــــــــــــــــ
يحكى ان شاعرا مغتربا قد قدم الى بلاده الام بعد عدة سنوات، وقد أصبح كهلا وهربت ثلثا ذاكرته، وعند حدود بلده ترجل من ناقته الهزيلة بعد ان اعترض طريقه فرسان وسألوه عن سبب قدومه، وكانوا على معرفة به فأجابهم ان الحاكم اعطاه الإذن أن يدفن في مقبرة أجداده، وقد اتى الان بعد ان احس أن أوانه قد اقترب..
وضع أحد الفرسان يده على كتف الشاعر، وقال له والأسى يكاد يستمطر عينيه: ان الحاكم الذي اعطاك الاذن قد قتل وانهارت حكومته وجيشه، وقد اصبحت زمام الأمور بيد عدوك وعدوه… أنصحك بالعودة من حيث أتيت.
واختفى الفرسان في رمال الصحراء وظل الشاعر وحيدا..
____
*العالم الجديد

شاهد أيضاً

أغنية محشوة بالريش

خاص- ثقافات *عبد الرحيم التوراني في غرفة الانتظار ظلوا مدثرين بالصمت، وبقوا على حالهم هذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *