الرئيسية / مقالات / الرواية والمرأة الإماراتية

الرواية والمرأة الإماراتية


*يحيى القيسي

قادتني خطاي في معرض أبوظبي للكتاب خلال الأيام الماضية إلى فضاء للنقاشات الأدبية أزوره للمرة الأولى تحت لافتة تقول “مؤسسة بحر الثقافة”، وكانت الفعالية التي وجدتني في منتصفها تحتفي بجائزة الإمارات للرواية في دورتها الأولى، حيث كان هناك حديث للروائيات الشابات المرشحات للجائزة القصيرة خولة السويدي، ولؤلوة المنصوري، وهند البار وميثاء المهيري، بحضور جمال الشحي أمين عام الجائزة، وقد لاحظت في هذا الفضاء أمرين أولهما الحضور المكثف للمرأة القارئة سواء الإماراتية، أو من ضيفات المعرض وأيضا المقيمات، وقلة العنصر الرجالي بل ندرته أحياناً بحيث ظننت للوهلة الأولى أنني ولجت المكان الخطأ لولا دعوة كريمة من الأديبة د . حصة لوتاه لي للجلوس ومتابعة الندوة، فيما كان الحضور من الرجال لا يتجاوزون عدد أصابع اليد الواحدة، وواضح أن ظاهرة الصالونات الأدبية، والفضاءات الثقافية النسائية عنصر بارز في المعرض نتمنى أن تنتقل عدواه إلى كل الدول العربية .

أما الأمر الثاني الذي وددت الإشارة إليه فيتعلق بنصيحتين قدمتهما الناقدة الفلسطينية المعروفة د . سلمى الخضراء الجيوسي إلى الروائيات الإماراتيات الشابات تتعلق الأولى بعدم الوقوع في فخ التنظير للكتابة الروائية في هذه المرحلة والانشغال فقط بالكتابة نفسها وتعميق التجربة، وهي ملاحظة ذكية جداً، اذ أن هذا الأمر سيقود بالتالي للانشغال بالدفاع عن العمل نفسه شفوياً، وهو أمر هامشي – برأيي- لا علاقة له بالإبداع الروائي نفسه، ولا يزيد أو ينقص من إعجاب القارئ الذكي بالعمل أو بإهماله، فالعلاقة بين القارىء والكاتب هي النص في النهاية وليس التنظير حوله، ولا كثرة الإعلام والجوائز، وقد كان واضحاً أن صاحبة المركز الأول في الجائزة خولة السويدي اكتفت بالإشارات القصيرة من دون العبارات والشرح في الحديث عن عملها، وهو العمل الوحيد الذي قرأت شذرات منه متفرقة في صفحتها على “الفيس بوك” حيث كانت تنشره بشكل متواصل، ولا أدري بالضبط كيف انتهى العمل إلى رواية، إذ يقتضي هذا الأمر أن أطلع عليه في شكله الحالي الجديد، فقد كنت أعتقد من قراءاتي السابقة للنصوص أنها مشروع قصص قصيرة أو قصائد نثرية، اما النصيحة الثانية للجيوسي، فكانت رداً على إحدى المتداخلات التي سألت عن إمكانية إدخال الكتابة الروائية باللغة الإنجليزية للجائزة، إذ وقفت الجيوسي بشدة أمام هذا التوجه أو تشجيعه مشيرة من خلال تجربتها الطويلة الخاصة إلى أن معظم العرب الذين كتبوا روايات باللغة الإنجليزية فشلوا بشكل واضح خصوصاً إذا كانت الإنجليزية لغتهم الثانية وليس الأم .
وهذا أمر أكدته د . حصة لوتاه أيضاً، إذ ترى أن مقصد الجائزة تشجيع الكتابة باللغة العربية، وليس لغة أخرى، ولكن نصائحها أيضاً ككاتبة وإعلامية ومثقفة مطلعة ولديها خبرات معمقة يتعلق بأمر آخر بدا واضحاً من النقاشات حول الروايات، وخصوصاً تلك المنشغلة بالعوالم الأخرى أو الماورائيات إذ يصنفها بعضهم مباشرة ومن دون تمحيص على أساس أنها “خرافات” وهذا أمر رفضته د . حصة داعية الكاتبات الشابات إلى الكتابة بعفوية عن أي موضوع يرغبن وأن ما يراه بعضهم خرافات قد يكون حقيقة ناصعة .
بقيت مسألة أخيرة أرى أنها جديرة بالانتباه في هذه التجارب الواعدة بالمزيد من الأعمال الروائية في قادم الأيام وهي تتعلق بالترويج لها على المستوى العربي، إذ لا يكفي أن يتم توزيع الأعمال هنا، ولا الاحتفاء بها عبر الجوائز والطباعة الفاخرة والندوات على مستوى معارض الكتب في الدولة، فالمطلوب أن تصل الروايات إلى قطاع واسع من القراء العرب، وهذا يقتضي برأيي الاشتغال على النشر المشترك مع دور عربية معروفة وواسعة الانتشار لتصدر الأعمال في عواصم عدة في الوقت نفسه، وأيضاً إيجاد وسيلة لإيصال الكتب للنقاد والأدباء العرب لكي يطلعوا على الأعمال، وفي كل الأحوال تبدو الروائيات الإماراتيات الشابات محظوظات من ناحية توفر دور النشر والتشجيع الكبير وايجاد المناخ المناسب للكتابة، لكن لهذا الأمر أيضاً محظوراته إذ أن النفخ كثيراً في التجارب الغضة وإعطاءها أكثر من حجمها قد تكون له أثار سلبية في أصحابها، فالمبدع الحقيقي في النهاية يخشى دوما فعل الإبداع، ويظل يتوجس من ردود فعل المتلقي على عمله، ويسعى بكل وسيلة لتقديم كل ما هو مغاير وحقيقي، خصوصا إذا كان التنافس في فعل الكتابة على المستوى العربي ولا يقتصر على الجانب المحلي فقط . 
_____
*روائي من الأردن ومؤسس ورئيس تحرير ثقافات/ الخليج الثقافي

شاهد أيضاً

المصابيح الزرق انطفأتْ من زمان

*خليل النعيمي كنا صغاراً، وكانت «الحسَكَة» كبيرة. كبيرة جداً علينا. كنا ثلاثة: هشام وعوّاد وأنا. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *