الرئيسية / قراءات / «حورية البحر».. الحب في كل الأحوال

«حورية البحر».. الحب في كل الأحوال


*كريم السمـاوي

ترجمت أعمال الكاتب الدنماركي، هانس كريستيان أندرسن، إلى أكثر من 150 لغة عالمية، وهو من أكثر كتاب قصص الأطفال شهرة في العالـم، وكانت قصته «حورية البحر الصغيرة» أشهر قصصه.

ولهذا أقام لها الدنماركيون، تمثالاً من البرونز، صممه إدوارد أريكسون، بطول متر وربع المتر، وبزنة 175 كيلوغراماً، وضعوه على صخرة مطلة على مدخل ميناء العاصمة كوبنهاغن، منذ سنة 1913، ويزوره سنوياً مئات الآلاف من السياح، حتى أصبح رمزاً يعتز به الدنماركيون.. وتعكس حكاية «حورية البحر»، قيمة غاية في الرفعة: الحب في كافة الاحوال. إذ تعرفنا بمدى أهمية الحب في جوهره. فمن يحب يضحي ولا يتوقف عن ذلك، وإن كان الثمن خسارته وفشله في أن يحظى بالحبيب.
«مقص طوال الحياة»
اشتهر أندرسن بالحكايات الخرافية، فضلاً عن كونه شاعراً وروائياً وكاتباً مسرحياً، كما امتاز بإبداع موازٍ في فن التشكيل بالقص، فمن خلال المقص الذي حمله طيلة حياته، شكل رسوماً على الورق غاية في الروعة. ومن أعماله استوحيت العديد من المسرحيات والرسوم المتحركة والمسرحيات ورقصات الباليه.
يتيم «محظوظ»
تهيأت لأندرسن، الفقير المعدم، الذي عاش يتيماً، فرصة حظ كبير، مرّة، عندما التقى وهو في مقتبل حياته، ملك الدنمارك، جوناس كولن. وأعجب الملك بذكاء الفتى وحرص على رعايته.. وتحولت الأشهر من بين حكايات الكاتب: «حورية البحر الصغيرة» التي نشرها سنة 1837، إلى العديد من الأفلام الكرتونية الرائعة. وهي قصة مثيرة ونقطة التحول في حكاياته.
«في عمق البحر»
تبدأ الحكاية بالنص التالي: «بعيداً في عمق البحر يكون لون الماء بزرقة أزهار (القنطريون) الجميلة. نقياً كأصفى زجاج، ولكنه عميق جداً، أعمق من أن يصل أي حبل مرساة إلى قاعه. يلزم العديد من أبراج الكنائس، الواحد فوق الآخر، كي تنوشَ القاع إلى ما فوق سطح البحر. هناك يعيش بنو البحر».
وتتابع الحكاية: “من الخطأ أن نعتقد أن ما هناك مجرد قاع رملي أبيض عارٍ. لا، فهناك في الأسفل تنمو أعجب الأشجار والنباتات ذات السيقان والأوراق الطيّعة التي تجعلها تهتز لأقل حركة للماء وكأنها حية، تنسلّ بين أغصانها كل الأسماك الصغيرة منها والكبيرة كما الطيور عندنا في الأعلى”.
ونقرأ فيها ايضا:” أما قصر ملك البحار فيقع في أكثر الأمكنة عمقاً. جدرانه من المرجان ونوافذه المدببة النهايات مصنوعة من أصفى (كهرب)، أما السقف فهو من صدَفِ المحّار الذي ينفتح وينغلق حسب وجهة جريان الماء، وتلك المحّارات الجميلة جداً، احتوت كلٌ منها لآلئ رائعة، إحداها ستزين متلألئة، تاج الملكة”.
ملك عازب
يختار أندرسن في حكايته، تسليط الضوء على جزئية محددة تدور حول ملك البحار. إذ تقول الحكاية: «ملك البحار عازبٌ منذ سنين عدة. واعتنت أمه العجوز ببيته. وهي امرأة مدبرة حكيمة، فخورة بأصلها أيضاً، وتراها تسير باثنتي عشرة صدفة في ذيلها، أما النبيلات الأخريات فلهن الحق في أن يضعن ست صدفات فقط.
غير ذلك، فالأم تستحق الكثير من الثناء، خاصة لحبها الكبير لأميرات البحر الصغيرات، بنات أولادها. كنّ ست بنات جميلات، أصغرهن الأجمل بينهن، بشرتها صافية رقيقة كورق الورد، عيناها زرقاوان كأعمق بحر، ولكنها كالأخريات كانت بلا قدمين، فجسدها ينتهي بذيل سمكة».
نصيحة الجدة
هكذا يسير أندرسن بالحكاية كي يعرفنا إلى الحورية الصغيرة والجميلة، محور القصة. ثم يسير بنا ليعرفنا كيف تقضي أوقاتها بصحبة شقيقاتها.
الحدث الأجمل
انتظرت الحورية الصغيرة دورها لتبلغ السن التي يُسمح لها فيه أن تصعد من قاع البحر نحو الأعلى، بعد أن أخبرتها جدتها بالكثير وهي تقص لها ولأخواتها، عن ما يوجد فوق المياه، لهذا كانت في غاية الشوق كي يأتي دورها بعد أن صعدت أخواتها الخمس على التوالي.
وحين صعدت الحورية الصغيرة إلى فوق كفقاعة خلال الماء، تمكنت من رؤية القمر والنجوم. كما سمعت الموسيقى والصخب والضجيج من العربات والبشر. وشاهدت الحورية الصغيرة سفينة بثلاث صواري، حيث أوقدت الفوانيس فوقها في المساء، ورأت الناس بكامل زينتهم للمرة الأولى، بعد أن رفعها الموج إلى حيث النوافذ الزجاجية.
ولكن الأجمل، رؤيتها للأمير الشاب ذي العينين السوداوين. لم يكن عمره يتجاوز 16 عاماً، والمناسبة هي عيد ميلاده، لذا وضعت كل هذه الزينة، وحولها رقص الملاحون، وحال ظهور الأمير، انطلقت الألعاب النارية عالياً في الهواء، وأضاءت السماء.
حين أبحرت سفينة الأمير، سرعان ما غشيها الموج حتى علاها الماء كجبال. وفي البداية، رأت الحورية في ذلك مرحاً ولهواً، بينما رأى الملاحون العكس، ثم غطت السفينة كبجعة بين الأمواج العالية بعد أن عم الظلام. وعقبها، على ضوء البرق، بدا للحورية كل شيء، رأت الملاحين يحاولون النجاة، بحثت عن الأمير الشاب.. ثم غطست عميقاً وكافحت حتى أنقذت الأمير وسحبته نحو اليابسة وتركته مستلقياً على الرمل، ثم راقبته عن بعد، حيث أنقذته فتاة شابة.
معرفة فقرار
علمت شقيقات الحورية بالحكاية وعرفن سبب حزنها الأخير، فهي تعشق الأمير الشاب، ولهذا فهي كثيراً ما تطفو فوق الماء على أمل أن تراه.. وتمنت أن تعيش كالبشر، إذ هامت بالبشر أكثر فأكثر، ثم سعت إلى ذلك.
علمت من جدتها أن للبشر روحاً خالدة بعد الموت، بينما الحوريات يعشن 300 سنة وبعدها يتحولن إلى زبد فوق الماء. وحين عرفت أنها يمكن أن تحصل على روح خالدة، بعد أن يحبها إنسان يكون عقله وقلبه متعلقاً بها ويتزوج منها، صممت على الذهاب إلى الساحرة رغم مخاطر الطريق. واستعانت بها لتسحرها وتجعلها تمتلك، عوضاً عن الذيل، ساقين بقدمين كالبشر، صابرة على ما يسببه لها ذلك من آلام وثمن.
وبذلك، تمكنت الحورية من العيش مع الأمير الذي أحبها كما يحب المرء طفلاً عزيزاً، وفي المساء تسمع غناء أخواتها الجميل في البحر، ورغم أن الأمير يحبها إلا أنه لم يفكر باتخاذها زوجة له، حتى حين أخبرها بأنها تشبه فتاة أنقذته من الغرق ويحبها كثيراً، فبقيت قريبة منه تحبه بصمت، كما أن الأمير سيتزوج بابنة ملك المقاطعة المجاورة، والتي كانت تشبه الفتاة التي أنقذته يوماً.
فوق الغيمة الوردية
أيقنت الحورية بذلك، أن حياتها ستنتهي مع زواج الأمير وبزوغ الشمس لتتحول إلى زبد فوق الماء.. انتهت حياة الحورية الصغيرة بعد أن رفعت ذراعيها تجاه الشمس. وللمرة الأولى، شعرت بدموعها وصعدت فوق الغيمة الوردية التي أبحرت في الهواء.
إن «حورية البحر الصغيرة»، مثيرة ألهبت الخيال الإنساني. وتحولت إلى أفلام كارتونية وأشكال إبداعية متنوعة.

في السينما
1989 تحولت قصة حورية البحر الصغيرة إلى فيلم كرتوني بتصرف، أنتجته شركة والت ديزني الشهيرة سنة 1989، فاقت أرباحه المائة مليون دولار في الولايات المتحدة الأميركية وحدها، ومثل تلك الأرباح في العالم أيضاً. وحاز الفيلم جائزة الأوسكار لأفضل أغنية.
جائزة دولية تعد جائزة هانس كريستيان الدولية لقصص الأطفال، من أهم الجوائز العالمية التي يتنافس حولها، حالياً، كتاب قصص الأطفال في العالم.
في التشكيل
1993 رسم توضيحي للفنان جيليبيان بريس.
1953 لوحة تجسد مضمون العمل، لسولاميث وولثينغ.
________
*البيان

شاهد أيضاً

الواقعية السحرية في المجموعة القصصية ” عصا الجنون ” للروائي والقاص أحمد خلف

خاص- ثقافات *قراءة خلود البدري عن دار ميزوبوتاميا للطباعة والنشر والتوزيع صدرت المجموعة القصصية ” …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *