الرئيسية / إضاءات / بثينة العيسى: التمرد هو صميم العملية الإبداعية

بثينة العيسى: التمرد هو صميم العملية الإبداعية


*إيمان الخطاف

لكل روائي أدواته الخاصة وبصمته الاستثنائية، وحين يأتي اسم الروائية الكويتية بثينة العيسى ربما تقفز إلى ذاكرة القارئ تلك اللغة الشعرية التي تكتب بها بثينة وتميزها دائما، سواء عبر الأعمال الروائية أو النصوص القصيرة وحتى المقالات الصحافية التي تكتبها بشكل أسبوعي، فهي تؤمن بأنه من خلال اللغة يضيء تاريخ آلاف البشر، قائلة: «لا يمكن بناء أي منجز حضاري خارج اللغة». وهي تصف نفسها بأنها «روائية أحيانا، وكاتبة دائما».

العيسى هي عضو في رابطة الأدباء الكويتية، وصدرت لها عدة روايات، الأولى «ارتطام.. لم يسمع له دوي»، ثم رواية «سعار» التي حازت عنها جائزة دولة الكويت التشجيعية لعام 2006، تلتها رواية «عروس المطر»، ثم رواية «تحت أقدام الأمهات»، ورواية «عائشة تنزل إلى العالم السفلي»، إلى جانب نصوص بعنوان «قيس وليلى والذئب»، وأخيرا روايتها التي صدرت حديثا «كبرت ونسيت أن أنسى». هنا حوار معها:
* عند قراءة أعمالك الروائية، يبدو طغيان اللغة الشعرية فيها.. فكيف بدأت علاقتك مع اللغة؟
– كتبت أول قصة قصيرة في حياتي عندما كنت في الثانية عشرة من عمري، سبقتها محاولات شاحبة لاجتراح قصة، ولكنها كانت تفتقر إلى البناء الدرامي. في قصتي الأولى الفتاة «نور» التي تهرب من البيت لتعيش حياة القراصنة، اكتشفت ما أريد فعله في حياتي؛ أريد أن أبقى قريبة من اللغة، أريد أن أكتب. في البداية ضايقني وجود تلك الفجوة اللعينة بين ما أكتبه وما أريد قوله. منذ تلك السنة وحتى اليوم، وأنا أحاول أن أنصت إلى كل كلمة. في بداياتي المراهقة كنت أستخدم الصفحة اليمين من دفتر «روايات الكاتبة الصغيرة» كما أسميه، لكي أدون فيها صورا وعبارات ومجازات أنتخبها انتخابا من قراءاتي، بالإضافة إلى المفردات الجديدة التي أكتشفها. كنت صديقة للمعاجم، معجمي المفضل – الذي أحتفظ به حتى اليوم – هو «المنجد في اللغة والإعلام»، ليس فقط لأنه يعيد كل كلمة إلى جذرها، بل لأنه، من خلال اللغة، يضيء تاريخ آلاف البشر. أعتقد أنني حدست على نحو ما، أنه لا يمكن بناء أي منجز حضاري خارج اللغة. علاقتي مع اللغة بدأت من هنا.
* تنطلقين دائما في رواياتك من فكرة الموت، لماذا؟
– أعتقد أنه سؤال ملح. حتمية الرحيل، حتمية الفقد، كلها أشياء تضعنا في مجابهة صريحة مع السؤال. أعتقد أن الطريقة التي ننظر من خلالها إلى الموت تشكل نظرتنا للحياة.
* هل يخيفك الموت، الفقد، الانتهاء؟
– يخيفني كثيرا. نعم، ولكن ما يخيفني أكثر هو أن يشلني خوفي، أن أعيش حياة ناقصة.
*خصومة مع الرجل

* نساء رواياتك بسيطات، من طبقة متوسطة، يشابهن الكثيرات.. تتعمدين ذلك؟
– أنا منحازة عاطفيا لهذه الفئة. لا تستهويني الكتابة عن ظروف استثنائية، كالغنى الفاحش والجمال الصارخ. أريد العادي، اليومي، البسيط والمباشر. أريد شخصيات يسهل على القارئ أن يمد فيها جذوره.
* عملك الأخير «كبرت ونسيت أن أنسى» تناول معاناة المرأة من الوصاية الذكورية.. هل يؤرقك ذلك؟
– كل فعل مصادرة يحيل إنسانه من ذات إلى موضوع، يغضبني جدا.
* تتطرق الروائيات الخليجيات إلى صراع المرأة والرجل بصورة شديدة الحدة.. أين تقفين أنت؟
– لا أعتقد أن خصومتي مع الرجل. من الغباء أن نظن ذلك، خصومتنا الحقيقية مع نظام اجتماعي يفرخ المسوخ – رجالا ونساء – ممن يعيدون ولادة الظلم مرة بعد مرة. الطريقة المثلى للتصدي لهذا النظام تكون بتفتيت لغته، تفكيكها. أن تضعها تحت الشمس حتى تجف.
* هل التمرد ضروري للكتابة؟
– لا أومن بكتابة غير متمردة. التمرد هو صميم العملية الإبداعية عموما، والكتابية خصوصا. كيف يكتب المرء إذا كان متصالحا مع العالم؟ كيف يكتب دون أن ينطلق من موقف احتجاجي؟ أنا أجيبك؛ سوف يكتب جثثا من يقين.
* مشروع تكوين

* أسست مشروعك الثقافي «تكوين».. ما الدافع الذي ألهمك هذه الفكرة؟
– ثلاثة دوافع بالدرجة الأولى؛ الأول أنني لم أعد قادرة على العيش في شيزوفرينيا حياتي السابقة، كموظفة في وزارة وكاتبة في أوقات الفراغ. احتجت بعد بلوغي الثلاثين أن أختار بينهما، وسأختار الكتابة بطبيعة الحال. سيكون من قبيل الانتحار الاجتماعي والاقتصادي أن أعيش مما تدره علي الكتابة، لكن من خلال مشروع متكامل وحقيقي ربما أستطيع أن أصل إلى حل توفيقي بين متطلبات المعيشة ومتطلبات الشغف. الدافع الثاني هو ولعي بالكتابة، أن أتعامل معها كمهنة أمارسها كل صباح لثماني ساعات، هذا هو أكثر أحلامي جمالا. إنني أعيش «الفيري تيل» الخاصة بي. الدافع الثالث هو ترميم النقص، ليس لدينا في العالم العربي مشاريع تعنى بالكتابة الإبداعية، لا على مستوى التدريب (ورش العمل) ولا على مستوى التنظير وبناء النصوص (الإصدارات والمؤلفات)، والمواد التي ترجمت أقل من قليلة، فلماذا لا أتصدى أنا للأمر؟ هكذا ولد «تكوين».
* تركيز «تكوين» على النصوص المترجمة.. هل يعكس إيمانك بشح حركة الترجمة العربية؟
– من جهة نعم، ومن جهة ثانية لاحظت أن الكاتب العربي لا يتناول العملية الكتابية بشكل أساسي، بقدر ما يتعاطى مع ثمارها، من قصة وقصيدة ورواية. وحتى تعاطيه مع الكتابة يكون في إطار من الشاعرية التي لا تتجاوز مفاهيم القرين وشيطان الشعر والوحي والموهبة. يندر أن تجدي من يتعاطى مع فنيات الكتابة بمهنية.
* يقال إن «القراءة صيد والكتابة قيد».. فهل تشعرين أنك مكبلة بالقيود؟
– قيود من اختياري. قيود من حرية! التزامي بالكتابة والقراءة يجيء من شغفي بهما تحديدا. سيكون رائعا لو أن قيودنا جميعها بهذه الخفة!
* لدى القارئ شغف دائم بمعرفة طقوس كاتبه.. ماذا تقولين هنا؟
– أقول بأنني أفضل أن أكتب تحت أي ظرف، مثل الجندي الذي يخط رسالة لحبيبته وهو منبطح على بطنه بين أكداس الأجساد الحية والميتة، تحت القصف المباشر. لا أريد أن أكون أسيرة لطقوس كتابتي، أكتب في المقهى، في البيت، في الصمت، في الضجيج. الشيء الوحيد الذي يحول بيني وبين الكتابة هو الموسيقى؛ إنها تسرقني تماما.
* هل تخططين سلفا لأحداث الرواية، أم تفكرين أثناء الكتابة وتتركينها تنقلك من محطة لأخرى؟
– الأمر يتفاوت من عمل إلى آخر. معظم رواياتي تتخلق بشكل عضوي، عفوي. في مناطق معينة أحتاج إلى خطة. ثم أستسلم للنص وأسمح له بأن يجرفني. لا أفضل البناء الحكائي الذي أعرف عنه كل شيء من البداية إلى النهاية، روايتي الأولى كانت من هذا النوع ولم تكن كتابتها تتضمن أي اكتشاف. كانت تفريغا ذهنيا صرفا. ليست ممتعة. ومع ذلك لا أومن بكتابة قائمة على الجهل التام، أحب ذلك التشبيه الذي قرأته مرة؛ الخطة في النص الروائي تشبه أن تقود سيارتك في الظلام، الأضواء الأمامية لا تكشف لك إلا أمتارا قليلة من الطريق، ولكن فيم أنت تتحرك أكثر، تكتشف الطريق كله. الخطة هي تلك الأمتار القليلة التي تكتشف المزيد منها في كل صفحة.
* ما الذي يغويك لممارسة الكتابة؟
– العالم محرض رئيس للكتابة، بكل جماله وبشاعته.
* مكتبتك المنزلية.. ما أبرز ملامحها؟
– دمى الحيوانات الصغيرة، لوحات سوزان عليوان، الآلة الكاتبة «الكارونا الأنتيك».
* هل بثينة العيسى من فريق «أسمع فيروز صباحا وأنا أحتسي القهوة»؟
– لا. ولست صعبة المراس فيما يتعلق بالموسيقى، أو القهوة. «الساوند كلاود» في هاتفي مؤلف من خليط هجين من الأغنيات، يمكن أن أسمع «ارفعي البوشية» ثم جورج مايكل «كيرلس وسبر» ثم «مضناك جفاه» لأنغام، ومنها إلى إيديت بياف دون أن أشعر بأي تناقض.

* في مقالاتك تمارسين الكثير من الحنين، فهل أنت من المهووسين بالنوستولوجيا؟
– في الحقيقة لا، أنا شغوفة بالأجنحة أكثر من الجذور.
* الكتابة بالنسبة لك.. إدمان أم تنفيس أم وظيفة؟
– الكتابة هي طريقتي في الوجود.
* صدر لك حتى الآن نحو سبعة مؤلفات.. ما سر الإنتاج الغزير في كتاباتك؟
– سبعة مؤلفات خلال عشر سنوات، لا أجده غزيرا. إذا لم أكتب فسأختنق!
* قسم من كتبك في قائمة «أكثر الكتب مبيعا»، فهل أصبحت ثرية من الكتابة؟
– لا. ولا بعد مليون سنة.
* بعض تغريدات في «تويتر» تموت سريعا، فهل يزعجك ذلك؟
– لا. أنا لم أكتبها بصفتها نصا أدبيا، كتبتها لكي أوثق لحظة عشتها. علاقتي بها تنتهي بوجودي في لحظة مغايرة.
* «غازلت» أدب الطفل في عمل يتيم.. لماذا لم تكرري التجربة؟
– غازلته نعم، لم أجترحه تماما. «قيس وليلى والذئب» ليس عملا للأطفال، ولكنه عمل طفل. أعتقد أنه أقرب كتبي إلي، وسأعيد التجربة إذا سنحت الفرصة، أحب أن أعود إلى تلك المنطقة البكر، الخضراء، إلى غابة الأسئلة وغواية الذئاب.
* صخب معارض الكتب الخليجية مع فورة الإصدارات الشبابية.. كيف تنظرين للمشهد؟
– متفائلة جدا. توجه عام للقراءة، أشخاص جدد ينتسبون كل يوم إلى أندية القراءة ومجاميع الكتابة، الكتاب الكويتي يعيش ذروة مجده، وأعتقد أننا ندين بذلك إلى فوز سعود السنعوسي بالبوكر 2013 إلى حد بعيد.
_____
*الشرق الأوسط

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *