الرئيسية / مقالات / الحب في زمن ‘الواتس أب’

الحب في زمن ‘الواتس أب’


*رابعة الختام

مازالت خطابات أبي وصور ذكريات الأماكن التي زارها تحتل مكانها المحترم بالحقيبة السوداء فوق دولاب أمي. تخرجها.. تستنشق رائحة عطر أبي الجميلة، وتستعيد أحلى أيام العمر، وتقرأ كلماته العذبة، تعلمت الحب من خطابات أبي، وبكيت لرهافة أحاسيس أمي وهى تقول، “محمد كان بيصالحني برقة بعد خصام لا يستغرق ساعات حتى أنني كنت بتْلكك وأخاصمه علشان أستمتع بالصلح الجميل”.

وكانت أمي بعد مشاجرة بسيطة تقول لأبي في المساء لن يغمض لي جفن حتى ترضى، يا الله على الحب الجميل.صوت نجاة كان بداية الكلام بينهما “من حنانك من جمالها يومها وأنت بتصالحني كنت عايزة يومها أقولك قوم خاصمني”.
كان يوم سفر خالي إلى حقول بترول الخليج هو إشارة البدء لزوجته الحسناء للدخول في حالة من الحزن الشديد، والكآبة الطويلة، وارتداء الألوان القاتمة، والجلوس لساعات في شرفة المنزل بانتظار ساعي البريد، أو النظر بترقب إلى الهاتف “ذي القرص” الراكد بسلام.
وكانت دائما ما تردد كلمات عمنا عبدالرحمن الابنودي “شهرين يا بخيل ستين شمس وستين ليل.. لو أطول قلبك لأقطع بسناني الحتة القاسية فيه”، وعلى الرغم من أنه لم يمض على سفره سوى شمسين وليلين إلا أنها تردد ستين شمسا وستين ليلا لدرجة الملل حتى أن العائلة بأكملها كانت تبتهل لله تعالى ليخترق صوت ساعي البريد صمت المكان، ومع وصول الخطاب المنتظر تغني بصوت فرح “يا جي من عند الأحباب طمأنت قلبي عليه يا جواب”، ومع الخطاب الثاني تصدح بأغنية محمد رشدي “يا ليلة ماجالي الغالي ودق علي الباب.. اتبسمت أنا زي العادة وقلت يا باب كداب”.
كنا نعلم متى يسافر خالي، ومتى يعود من خارطة الأغاني التي تشدو بها زوجته، في ليلة السفر ترسل رجاء إلى الشمس “قولو لعين الشمس ما تحماش.. أحسن حبيب القلب صابح ماشي”، وحين تغني لوابور الساعة 12 “حبيبي قلبه دايب وأنت قلبك حديد” نعلم أن الزوج المشتاق بثها لوعة الفراق.
واليوم تغيّرت معالم المشهد العاطفي في سفر الزوج وبُعد الحبيب، ونزل الخطاب من عرشه كرسول بين الأحبة، وتلاشى في زمن التكنولوجيا، وأصبح الهاتف النقال يتغلغل في تفاصيل الحياة حتى أنه يدخل غرف النوم دون استئذان.
وفي زمن “الواتس أب” لم تعد تصدح الأصوات الجميلة بالشوق الملتهب، ولا تنتظر النساء ساعي البريد في الشرفات، ولكن بكبسة زر يبدأ “الشات”.وباتت المشاعر جافة، باردة غرائزية، لغة أجساد، وليست دقات قلوب أو همس عيون اكتحلت بالسهر، المشاعر الآن مبعثرة بين الطرقات، في عالم افتراضي وصوت زعيق “أوكا و أورتيغا” المصنف خطئا في خانة الغناء يملأ المكان، والأغاني باتت لمطرب يحمل “حلة محشي”.
______
*العرب

شاهد أيضاً

ذكرى كاتب عظيم

*أمير تاج السر هذا الشهر، تكون مرت أربع سنوات كاملة على رحيل الكاتب الكولمبي الشهير …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *