الرئيسية / إضاءات / أورهان باموك روح تركيا الحديثة

أورهان باموك روح تركيا الحديثة


عارف حمزة *

* باموك أوّل كاتب تركيّ يفوز بجائزة نوبل للأدب 

ما يُمكن إطلاقه من وصف على الروائيّ التركيّ الأشهر أورهان باموك هو “روح تركيا الحديثة”. فهو يشبه تركيا نفسها في تطوّرها خلال العقدين الأخيرين من أجل الالتحاق بأوربا والمجتمع الأوروبي. ففي الوقت الذي غيّرت فيه تركيا الكثير من القوانين، والمعاملات الحقوقيّة، وصولا إلى الخطط الاقتصاديّة، نجد أنّ باموك أيضا تتدرّج في تحوّلاته اللغويّة والتقنيّة لحين الوصول إلى درجة النظر إليه ككاتب أقرب إلى الكاتب الأوروبي منه ككاتب تركي، في طريقه إلى العالميّة من خلال الحصول على جائزة نوبل في الأدب في عام 2006.

قدر إسطنبول الشخصي


كان يجب أن يخرج من إسطنبول كاتب ما، أو حكواتيّ ما، كي يتحدّث عن إسطنبول في تحوّلاتها الكبرى. وكون باموك كان ابنا أصليّا لإسطنبول، وليس مهاجرا إليها كما بقيّة الكتّاب الأتراك الكبار، كان عليه أن يكون ذلك الكاتب والحكواتيّ الذي يدوّن عن إسطنبول كمدينة بنيت من أكواخ الصيادين وبيوت الصفيح، إضافة لبيوت الأغنياء القليلة. عن إسطنبول المقسومة بالشوكة والسكين بين قارّتين يجمع بينهما الدم التركيّ الذي سقى كلّ أرض تقريباً في هذا العالم، في طريق معرفته لحدود أرضه النهائيّة. عن إسطنبول ذات المليون نسمة في منتصف الخمسينات، ثمّ إسطنبول التي تحوّلت إلى مدينة تحوي ثلاثة عشر مليون نسمة. أي عن إسطنبول التي تضاعفت سكانيّا وجغرافيّا وحياتيّا.. فكان يجب أن يخرج من بين حاراتها مَن يُراقب ذاك النمو الغريب للعمارات الشاهقة مكان بيوت الصفيح وبيوت الصيادين. أن يراقب سيرها نحو المستقبل مجفّفا إسطنبول القديمة في الكتب والمرويّات.

أورهان باموك أراد أن يكون ذلك الشخص من دون إرادة منه؛ أي أنّه لم يكتب لكي يقوم بذلك الدور، بل كتب لأنّ قدر إسطنبول كان معقوداً عليه قبل أن يكون قدره الشخصي. فأورهان نفسه مرّ في تلك المراحل من النمو والاتساع، كما مرّت في ذلك إسطنبول، من كتاب إلى آخر، ومن قصّة إلى أخرى، ومن رواية إلى رواية أخرى. فعندما قدّم روايته الضخمة “جودت بيك وأولاده” في عام 1982 (ترجمت إلى العربيّة في جزأين وصدرت عن وزارة الثقافة السوريّة عام 1989 بترجمة فاضل جتكر) كتبها بطريقة الواقعيّة الكلاسيكيّة، ليتطوّر في تقنيّات كتابته حتى يصل للكتابة وفق ذلك التيّار العريض الذي دخل عالم الكتابة الروائيّة؛ وهو ما تمّ، بشكل أوضح، على يد الكاتب الأرجنتيني لويس خورخي بورخيس، من خلال تأمّل فلسفي لحادثة أو موضوعة تاريخيّة.

التطوّر في تقنيّات الكتابة لديه سيحصل منذ روايته الثانية “البيت الصامت” (صدرت في عام 1983)، وسيزداد ذلك التطوّر ليصل إلى مرحلة التأمّل الفلسفي والتاريخي، كما نعثر عليه في رواية “اسمي أحمر” (صدرت في عام 2003 وفازت بجائزة إيمباك دبلن الأدبيّة الدوليّة في نفس العام)، وباقي أعماله الروائيّة اللاحقة.

الطبقة البرجوازية وتقاليدها



ولد أورهان باموك في إسطنبول في يوم 7 من شهر يونيو من عام 1952 لأسرة برجوازيّة مثقفة ومتعلّمة. ولكن تلك الأسرة لم يكن قد خرج من بينها روائيّ واحد ولا قاص ولا شاعر، ولكنّها كانت تحترم تلك التقاليد في القراءة وجمع الكتب، كإحدى العادات التي كانت تهتمّ بها الطبقة البرجوازيّة في مدينتي إسطنبول وأنقرة.

التقاليد البرجوازيّة تلك سترسل باموك منذ طفولته ليدرس في كليّة “روبرت” العريقة في إسطنبول، كما كان يحصل لكلّ أبناء تلك الطبقة هناك. وفي تلك الكليّة سيتلقى العلوم بطريقة علمانيّة غربيّة غير متوفّرة في المدارس التركيّة الحكوميّة آنذاك. تلك الكلية التي تعتمد في طرائقها على تذوّق الفلسفة والاستنتاج والجمال قبل كلّ شيء.

من جهته سيختار أورهان، فيما بعد، دراسة فرع جامعيّ، وهو الهندسة المعماريّة، له ذلك الارتباط الوثيق بطبقات الكتابة وتكوين المخيلة وجماليّتها وتحدّي الفراغ والحسبان له. وقد زاد من انجرافه نحو الكتابة من خلال دراسته للصحافة في نفس الوقت.

اختيار باموك لكتابة الرواية مباشرة جاء من كلّ تلك الأساسيّات في بناء عقله وقلبه وخياله منذ صغره وحتى تخصّصه في فرعين لهما ذلك القدر من البناء والتأمّل فيه. كأنّ الأمر يبدو قدرا مكتوبا بخطّ يد المدينة والطبقة البرجوازيّة وذاك الابن الحرّ فيما بعد.

ذلك التأمّل الذي تحدّث عنه النقاد، من خلال دراسة رواياته واحدة إثر أخرى في تطوّرها التقنيّ والسرديّ والخياليّ، لم يُرجعوه إلى مدرسة فلسفيّة، وكتابيّة، واحدة. فأورهان باموك المسحور بالفلسفة الإسلاميّة ذهب عميقا في دراسة الفلسفة اليونانيّة وصولاً للمدارس الحديثة في الفلسفة، وانتقى منها عينه التي تراقب قبل أن تكتب. ولم يُرجعوه إلى حكايات ألف ليلة وليلة فقط ولا إلى الموسوعات الأثيرة على قلبه، مثل الشاهنامة (كتاب الملوك الفرس) والموسوعة الإسلاميّة والموسوعة البريطانيّة وموسوعة إسطنبول…، في تكوين ذلك التوالد الفطريّ للقصص والشخصيّات ضمن رواياته، بل لخليط من ذلك كلّه. بمعنى آخر فإنّهم ينظرون إلى كتابة باموك على أنّها خليط هائل من التجربة الشخصيّة وتجارب الآخرين من خلال القراءة وحب تقديم الجديد والمدهش. وكمثال على ذلك الخليط في الكتابة نجد أن رواية “اسمي أحمر” يرى النقاد بأنّها “جداريّة تاريخيّة، فلسفيّة، فنيّة، دينيّة، بوليسيّة”.

من جهة أخرى يبدو باموك من أولئك المبدعين الذين يعرفون كيف يبنون المدن من جديد، في أن يبنيها من الأنقاض التي انبنت عليها. لا ترى عينه فقط الشكل الخارجيّ لها، بقدر ما يصنع علاقة مع أنقاضها وأنفاسها. إنّه يستطيع تذوّق حتى الإسمنت فيها في طريقه للكشف عن الحياة التي من الممكن أن تجري علانيّة أو مخفيّة في تلك الأماكن. وهذا بالضبط ما جعله غير أسير للقديم فيما كتبه عن مدينته إسطنبول، في كتاب ضخم حمل نفس الاسم (صدر في عام 2003)، طالما يعيش ويدرّس في ولاية كولومبيا في الولايات المتحدة الأمريكيّة. بل هو حرّ في أسر نفسه في تلك الصفحات المطويّة من كتب التاريخ، وإطلاق سراحها متى يشاء.

محاكمة وتهديدات بالقتل



صاحب رواية “ثلج” (المنشورة في عام 2002 والتي تعتبر أوّل رواية لباموك تواجه التطرّف في تركيا الحديثة بمعالجتها موضوعة الراديكاليّة السياسيّة والدينيّة) سيلمع نجمه بفوزه بعدد من الجوائز الأدبيّة في تركيا، وتهافت دور النشر على نشر كتبه التي تحقّق أعلى المبيعات. ولكنّه قبل فوزه بجائزة نوبل بثلاثة أعوام سيكون نجما أسودا عند القومييّن الأتراك؛ عندما صرّح في عام 2003 لمجلة سويسريّة عن مقتل مليون أرمني وثلاثين ألفا من الكرد على الأراضي التركيّة وعلى يد الجيش التركيّ. وهذا ما جعل القضاء التركيّ يُلاحقه بنص المادة (301) من قانون العقوبات التركيّ بجرم “إهانة الهويّة التركيّة” والتطاول على مصطفى كمال أتاتورك مؤسّس الجمهوريّة التركيّة. ولكن تلك التهم سيُعفى منها في نهاية عام 2006. وخلال أعوام المحاكمة الشهيرة والثقيلة تلقّى رسائل تهديد كثيرة بتأديبه وقتله من مصادر مجهولة.

تجدّدت هذه التهديدات أكثر في شهر فبراير من عام 2007 بعد مقتل أحد الصحفييّن الأتراك،من ذوي الأصول الأرمنيّة، بعد نشره موضوعات تندّد بمذابح الأرمن، ممّا جعله يقرّر الخروج من تركيّا و”الهروب” إلى الولايات المتحدة الأميركيّة، حيث يدرّس حاليّاً في جامعة كولومبيا، بعد إخباره من الأمن التركيّ بأنّ التهديدات بقتله هي تهديدات جدّية.


احتفاء وضغائن



وفي الوقت الذي احتفت فيه وزارة الثقافة التركيّة بفوزه بجائزة نوبل للأدب، واعتبرته “فخرا” لتركيا وإعادة اعتبار لها كدولة لها وزنها السياسيّ والثقافيّ والفكريّ، احتفل به الكثير من الكتّاب الأتراك الذين رأوا في فوز زميلهم بهذه الجائزة الكبرى بوّابة واسعة لأدبهم ليكون مقروءا ومتاحا بلغات كثيرة من لغات العالم، وهذا ما حصل بالفعل، فإنّ هناك من ظلّ ينظر إلى مسألة منحه الجائزة الأدبيّة تلك كعرفان على شجاعته في الحديث عن مجازر الأرمن والكرد في تركيا، عندما اعتبرت بعض الأوساط الكرديّة التركيّة أنّ نيل باموك لجائزة نوبل “يعني انتصارا للنهج الليبرالي الديمقراطيّ على النهج القومي الأتاتوركيّ العسكريّ”. فالكاتب هو أوّل من وقف ضد التكتّم على مذابح الأرمن واضطهاد الكرد، حيث قال “في بلدي قتل مليون أرمنيّ وقتل في العقود الأخيرة 30 ألف كرديّ ولكن لا أحد يجرؤ على قول ذلك علناً). وأورهان باموك هو واحد من نحو (60) كاتباً تركيّاً وكرديّاً أدينوا بتهمة “إهانة الهويّة التركيّة”، وكانت آخرهم الكاتبة أليف شفق التي تعرّضت للملاحقة القانونيّة نتيجة روايتها “لقيطة إسطنبول”. وفق ما جاء على الموقع الرسميّ لحكومة إقليم كردستان العراق بتاريخ 17 أكتوبر من عام 2006، أي بعد الإعلان عن نيله الجائزة بثلاثة أيام فقط.


“يبدو باموك من أولئك المبدعين الذين يعرفون كيف يبنون المدن من جديد لا ترى عينه فقط الشكل الخارجي لها بقدر ما يصنع علاقة مع أنقاضها وأنفاسها”

من جهة أخرى فقد صرّح “كمال كارينسيز″، وهو المحامي الذي رفع الدعوى ضد باموك بإهانة الهوية التركيّة، بعد إعلان فوز باموك بجائزة نوبل: “لم يفاجئني حصول باموك على الجائزة. باموك لم يحصل على الجائزة بسبب كتبه، بل بسبب ادعاءاته حول مذبحة الأرمن!!!”.


إسطنبول.. إسطنبول



لا يتوقف صاحب “متحف البراءة” (صدرت في عام 2008 بالتركيّة وبالإنكليزيّة في عام 2009) عن الحنين إلى مسقط رأسه إسطنبول. هو الذي يرى بأنّه تتم محاسبته على آرائه وحواراته أكثر من كتبه في بلده تركيا. ويشعر من خلال ذلك بخيبة الأمل من الذين ينظرون إليه هناك كمنظّر سياسيّ أكثر منه ككاتب له حرية التعبير عن آرائه ونظرته لتركيا التي يريد.

خيبة الأمل تلك يشعر بها كذلك في أسئلة الصحفييّن التي تذهب نحو الاستفسار عن أمور سياسيّة أكثر منها أدبيّة، كما حصل معه في اللقاء الثنائيّ مع الكاتب الأميركي “بول أوستر” صاحب “ثلاثيّة نيويورك”، عندما كانت الأسئلة الموجّهة إليه كلّها تدور في فلك السياسة.

وفي كلّ البلدان التي استقبلته لتحتفي بأدبه وكتبه كان يتحدّث للجمهور عن إسطنبول. إسطنبول الجميلة في عيون الأثرياء، والتعيسة في عيون المضهدين. وبأنّه انتهى أخيرا من تشييد حلمه هناك؛ من تشييد متحف شخصي له في إسطنبول المفتقدة والأثيرة على قلبه.

كان باموك أول كاتب في العالم الإسلاميّ يُدين الفتوى التي أصدرها الخميني بحقّ الكاتب، البريطاني من أصل هنديّ، سلمان رشدي (من مواليد 1947) في عام 1989 على خلفيّة إصدار روايته “آيات شيطانيّة” في عام 1988. كما ساند زميله الكاتب التركيّ “ياسر كمال” حين تمّ استدعاؤه للمثول أمام القضاء في عام 1995 بسبب آرائه.

وفي نفس الوقت هو أوّل كاتب تركيّ يفوز بجائزة نوبل للأدب، وهو سيكون صاحب الفضل في لفت العالم، من مترجمين ودور نشر وقرّاء، لقراءة الأدب التركيّ. لذلك يُعتبر أورهان باموك مفخرة تركيا الأدبيّة ومصدر الإحراج الكبير لها في ذات الوقت.


-العرب

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *